سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:11/08/2026 | SYR: 13:42 | 11/08/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


 من كرسي حاكم مصرف لبنان إلى سجن رومية... مسار سقوط رياض سلامة
11/08/2026      



سيرياستيبس 

بات الحاكم السابق لمصرف لبنان المركزي رياض سلامة، الذي تولى منصبه لمدة ثلاثين عاماً متواصلة، نزيلاً رسمياً في سجن رومية منذ مطلع شهر أغسطس/آب الحالي، بعدما شهدت الأسابيع الأخيرة مطاردة قضائية غير مسبوقة له، بدأت بوعكة صحية أثناء توجّهه للمثول أمام القضاء، ومرت بمداهمة أمنية داخل مستشفى، لتنتهي بنقله إلى زنزانة مخصصة للموقوفين في قضايا حساسة.
وأمس الاثنين، ادّعى النائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي رجا حاموش، على حاكم مصرف لبنان السّابق رياض سلامة ورئيس مجلس إدارة بنك عودة سمير حنا، في ملف يتصل بجرائم ماليّة ونقديّة، وأحالهما مع الملف إلى قاضي التحقيق الأوّل في بيروت رولا عثمان. وأفادت الوكالة الوطنيّة للإعلام، بأن "حاموش نَسب إلى سلامة وحنا جرائم تتعلّق بتأسيس شركات وهميّة، والاستيلاء على أموال تعود إلى مصرف لبنان، واستخدام هذه الأموال في شراء أسهم وسندات من المصارف التجاريّة بطرق احتياليّة، إضافة إلى الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال والرّشوة". وطلب النائب العام الاستئنافي إصدار مذكرة توقيف وجاهية بحق سلامة، على أن تجري مراجعة النيابة العامة بعد استجواب حنا، لإبداء مطالبها في ضوء نتائج التحقيق.

من "حاكم الاستقرار" إلى رمز الانهيار
بين اتهامات بغسل الأموال والإثراء غير المشروع في لبنان وأربع دول أوروبية على الأقل، وبيان مثير من عائلته يتحدث عن تعرضه لتعذيب جسدي داخل مكان احتجازه، يتحوّل ملف الرجل الذي طالما وُصف بـ"ساحر الليرة" و"حاكم الاستقرار" إلى واحد من أكثر الملفات القضائية تشعباً وحساسية في تاريخ لبنان الحديث.
تولى سلامة حاكمية مصرف لبنان عام 1993، خلفاً لميشال الخوري، واستمر في منصبه ثلاثين عاماً متواصلة حتى يوليو/تموز 2023، ما جعله أطول حاكم بنك مركزي خدمة في العالم العربي، وربما في العالم. وطوال هذه العقود، ارتبط اسمه بخطاب استقرار الليرة اللبنانية الذي رافق مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية، وبُني حوله سرد رسمي وإعلامي يصوّره بأنه حارس النظام المالي، والرجل الذي حافظ على الاستقرار النقدي، رغم الحروب والاغتيالات والفراغ الرئاسي المتكرر الذي عاشه لبنان.


غير أن هذا السرد انهار كلياً مع اندلاع الأزمة المالية والمصرفية في خريف عام 2019، حين انكشفت هشاشة النظام المصرفي اللبناني، وانهارت الليرة بأكثر من 90% من قيمتها، وتجمّدت ودائع اللبنانيين في المصارف، وخسرت شريحة واسعة منهم مدخرات العمر.
ومنذ تلك اللحظة، تحوّل سلامة تدريجياً من بطل الاستقرار إلى الاسم الأبرز الذي يُحمّل المسؤولية الأولى عن الانهيار المالي والمصرفي، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن الهندسات المالية التي طبّقها مصرف لبنان في السنوات التي سبقت الأزمة، وهي آليات وصفها كثير من الاقتصاديين والمحققين الدوليين بأنها أقرب إلى "مخطط بونزي"، إذ اعتمدت على استقطاب ودائع جديدة بفوائد مرتفعة لتمويل التزامات قديمة، بدل استثمارها في نشاط اقتصادي حقيقي.

نقله من المستشفى إلى الزنزانة
بدأت فصول التصعيد الأخير في 31 يوليو/تموز الماضي، حين تخلّف سلامة عن حضور جلسة تحقيق أمام النيابة العامة التمييزية، وتعذّر العثور عليه في عناوين إقامته المعروفة. وحسب ما ذكرته وسائل إعلام محلية، عمّم القضاء إثر ذلك بلاغ بحث وتحرٍّ بحقه على جميع الأجهزة الأمنية لمدة 30 يوماً، في خطوة اعتُبرت تصعيداً لافتاً في التعامل مع ملفه بعد سنوات من التلكؤ القضائي الذي اتُّهم به لبنان في هذا الملف تحديداً.
وتوجه سلامة بعد ساعات من صدور البلاغ طوعاً نحو قصر العدل في بيروت برفقة محاميه، في محاولة على ما يبدو لتفادي مذكرة الإحضار التي كان القضاء قد أصدرها بحقه بعد امتناعه عن الحضور، إلا أنه أُصيب بوعكة صحية في الطريق، ما اضطر المحامية العامة التمييزية إلى إرجاء استجوابه إلى موعد لاحق.
وأشارت التقارير الإعلامية نفسها إلى أن سلامة يواجه أصلاً سلسلة من الملاحقات القضائية داخل لبنان وخارجه منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019، وأن اسمه ارتبط بشكل مباشر بالانهيار الذي أدى إلى تجميد ودائع اللبنانيين.
هذه الواقعة أثارت جدلاً إعلامياً واسعاً حول دوافعها الحقيقية: فبينما اعتبرها فريق من المعلقين محاولة مكشوفة لكسب الوقت وتجنّب المثول أمام العدالة، وهو ما لمّحت إليه عناوين من نوع "عارض صحي أم محاولة تغيّب؟"، تعامل فريق آخر مع الحادثة باعتبارها ظرفاً صحياً طارئاً لا يحتمل التسييس.
ولم تمر ساعات طويلة حتى داهمت قوى الأمن الداخلي مستشفى "بحنّس" في جبل لبنان، بعد التأكد من وجود سلامة فيه، وتشديد الإجراءات الأمنية ومراقبة الزوار، وتمكّنت من توقيفه تنفيذاً لبلاغ البحث والتحري الصادر عن النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج.


وفي 2 أغسطس/ آب، جاء القرار الأكثر دلالة في مسار الملف، إذ بحسب ما أعلنته "الوكالة الوطنية للإعلام"، أمر النائب العام التمييزي بنقل رياض سلامة من مستشفى بحنس إلى مبنى شعبة المعلومات في سجن رومية، حيث أُدخل إلى السجن، وبات رسمياً في عداد الموقوفين الموجودين فيه. ونقلت الوكالة يومها أن سلامة سيبقى موضع متابعة طبية مستمرة، وأنه في حال استدعت حالته الصحية تلقي علاج أو نقله إلى المستشفى، فسيُتخذ الإجراء القانوني والطبي المناسب عند الضرورة، وفق ما تقرره الجهات القضائية والأمنية المختصة.
وجاء قرار النقل إلى السجن على خلفية إخبار (شكوى رسمية) تقدّم به حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد ضد سلفه، يتعلق بشبهات حول تقاضي عمولات وهمية وتوظيفات استثمارية مثيرة للجدل، إضافة إلى تغيب سلامة المتكرر عن جلسات التحقيق السابقة، وهو ما شكّل، حسب ما نقلت مواقع إخبارية لبنانية، الدافع المباشر لتشديد الموقف القضائي تجاهه.
وفي آخر مستجدات الملف، هناك أوساط سياسية ومصرفية تترقب تطورات ما بعد توقيف سلامة ونقله إلى رومية، وما إذا كانت الضغوط الجديدة ستدفع الحاكم السابق للبنك المركزي للخروج عن صمته وكشف المستفيدين في الصفقات المالية والهندسات المصرفية الملتبسة، وهو سيناريو، إن تحقق، قد يفتح الباب أمام تداعيات سياسية ومصرفية واسعة تطاول شخصيات نافذة في الدولة اللبنانية.

اتهامات تمتد من بيروت إلى برلين
لا تقتصر الملاحقة القضائية لسلامة على لبنان وحده. يُتهم سلامة، الذي تولى حاكمية مصرف لبنان من عام 1993 حتى يوليو/تموز 2023، بجمع ثروة خلال توليه منصبه، إضافة إلى اتهامات عدة أخرى تشمل الاختلاس والتهرب الضريبي. وتتوزع هذه الاتهامات على مسارين متوازيين: قضائي داخل لبنان، وآخر في عدة عواصم أوروبية فتحت تحقيقاتها الخاصة به منذ سنوات، أبرزها فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ وسويسرا، وتتمحور غالباً حول شركة فوري (Forry Associates)، المملوكة لشقيقه رجا سلامة، والتي يُشتبه في استخدامها لتحويل عمولات ضخمة من سندات الخزينة اللبنانية إلى الخارج بصورة غير مشروعة، وفقاً لـ"فاينانشال تايمز".
وحجزت النيابة العامة الألمانية في 30 يوليو/تموز الماضي أصولاً بنحو 42 مليون دولار لسلامة، في إطار تحقيق غسل أموال يشمل أربعة أشخاص آخرين معه، في مؤشر على استمرار توسّع دائرة التحقيقات الأوروبية بموازاة المسار القضائي اللبناني. وكان سلامة قد احتُجز في وقت سابق نحو 13 شهراً بتهم ارتكاب جرائم مالية خلال فترة عمله، قبل أن يُطلق سراحه في سبتمبر/أيلول 2025 بعد دفع كفالة مالية قياسية تجاوزت 14 مليون دولار، وهي من أعلى الكفالات المسجلة في تاريخ القضاء اللبناني، بحسب "فرانس برس"، ووسائل إعلام محلية.

تعذيب وإذلال حسب بيان العائلة
في 4 أغسطس/آب الحالي، خرجت عائلة المحافظ السابق لمصرف لبنان ببيان حاد اللهجة، جاء فيه أنها تشعر بـ"قلق بالغ يتخطّى الوضع الدقيق لرياض سلامة الشخص والمقام إلى الخوف على مصير الإنسان وكرامته والعدالة والقانون والحقوق الخاصة والعامة في لبنان"، مؤكدة أنه يتعرض في مكان احتجازه لـ"عملية إذلال وتعذيب جسدي"، وسط إشارات في التقارير نفسها إلى تقييده بسلاسل حديدية.
وناشدت العائلة الضمائر الحيّة وجميع السلطات النظر في واقع مسؤول سابق خدم بلده وشعبه واقتصاده طوال ثلاثين سنة في أقسى ظروف الحرب والاغتيالات والانقسامات والتعطيل الحكومي والشغور الرئاسي، مطالبة بتطبيق القانون وفق القواعد الثابتة لا تحت تأثير حملات إعلامية أو ضغوط خارجية أو ما شابه من شوائب تعوق العدالة، مع تأكيدها في الوقت نفسه احترامها أي إجراء قانوني ضروري ضمن الأصول.


لكن هذه الرواية تبقى حتى الساعة من طرف واحد هو عائلة الموقوف نفسها، ولم يصدر عن أي جهة مستقلة، أو منظمة حقوقية، أو لجنة طبية شرعية، أو جهة قضائية محايدة، أي تأكيد أو نفي لما ورد في البيان. في المقابل، أكدت السلطات القضائية اللبنانية رسمياً، وفقاً لما نقلته "الوكالة الوطنية للإعلام"، أن سلامة سيبقى موضع متابعة طبية، وأن أي حاجة للعلاج أو النقل إلى المستشفى ستُلبّى وفق تقدير الجهات القضائية والأمنية المختصة، وهي صياغة رسمية توحي بوجود إشراف طبي معلن على وضعه، لكنها لا تحسم الجدل حول ما إذا وقعت تجاوزات فعلية من عدمها.
كما توجد في المقابل روايات إعلامية مضادة تصف تصرفات سلامة، كالوعكة الصحية أثناء التوقيف، بأنها محاولات مماطلة أو تغيّب، وهو ما يعكس استقطاباً إعلامياً حاداً حول الملف بين معسكر متعاطف يرى فيه استهدافاً سياسياً وإعلامياً، ومعسكر آخر يعتبر محاكمته خطوة متأخرة نحو المحاسبة عن الانهيار المالي.

نهاية مسار أم بدايته؟
يذهب عدد من المحللين اللبنانيين إلى أن سلامة لم يكن يوماً يعمل بمعزل عن منظومة مالية وسياسية أوسع، استفاد منها القطاع المصرفي طوال سنوات، ووفّرت له قوى سياسية نافذة الحماية والغطاء. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى فتح ملفه لا باعتباره خاتمة القصة، بل بداية مسار قد يكشف عن مخالفات مصرفية ومالية أكبر، وربما يطاول أسماء وقيادات ظلت حتى وقت قريب بمنأى عن أي مساءلة جدية.
ويبقى السؤال الأبرز معلقاً حتى الآن: هل ستدفع الضغوط النفسية والقضائية المتراكمة سلامة، من داخل زنزانته في رومية، إلى كسر صمته الذي التزم به طوال سنوات التحقيقات، والإدلاء بأسماء شركائه ومستفيدين آخرين في الهندسات المالية والصفقات المثيرة للجدل التي سبقت انهيار لبنان الاقتصادي عام 2019؟
إجابة هذا السؤال، بحسب مراقبين، قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة من ملف المساءلة عن واحد من أكبر الانهيارات المالية في تاريخ المنطقة، وقد تحوّل قضية سلامة الفردية إلى ملف تراكمي أوسع بكثير مما هو عليه اليوم.

العربي الجديد 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس