سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:15/03/2026 | SYR: 22:14 | 15/03/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

 السوريون يهندسون إنفاقهم بصعوبة في ظل ارتفاع كبير بالأسعار مقارنة بالدخل المتدني
15/03/2026      


%80 من الأسر السورية غير قادرة على تلبية حاجاتها من الغذاء الكافي 


  

عادات الاستهلاك تغيرت عند السوريين بصورة واضحة، فبسبب ارتفاع الأسعار مقارنة بالدخل لجأت نسبة كبيرة من الأسر بأكثر من 80 في المئة إلى تقليص الإنفاق بالتخلي أولاً عن استهلاك جزء مهم من السلع.

سيرياستيبس :

على رغم أن شهر رمضان والأعياد تشكل فرصة لانتعاشها فإن الأسواق السورية تمر بحال من ضعف الإقبال، نتيجة الوضع المعيشي الصعب وضيق حال غالبية السوريين في ظل التراجع الحاد في قدرتهم على الانفاق، بسبب الغلاء ومحدودية الرواتب وتراجع الدخل وانعدامه لدى فئات واسعة.

كل ذلك جاء مدعوماً بهشاشة الاقتصاد وعدم تمكنه من تلمس طريق التعافي حتى الآن، نتيجة تضرر البنى التحتية وطول فترة الحرب التي تركت أثاراً عميقة وتحتاج إلى أعوام طويلة للتخلص منها، خصوصاً أنها تسببت في انزلاق ملايين السوريين إلى مساحات الفقر المدقع.

هذا الوضع السيئ رصده تقرير صدر حديثاً عن برنامج الأغذية العالمي، الذي يشير إلى أن أكثر من 80 في المئة من العائلات السورية غير قادرة على تلبية حاجاتها من الغذاء المتنوع والكافي والمغذي، على رغم التحسن التدرجي في مؤشرات الأمن الغذائي داخل البلاد.

وبحسب موجز البرنامج الخاص بسوريا عن فبراير (شباط) الماضي، فإن تعافي سوريا لا يزال مقيداً بأعوام طويلة من الصراع والعزلة وضعف الاستثمار، مما أسهم في بقاء الاقتصاد هشاً وتضرر البنية التحتية، ومحدودية فرص العمل.

وأوضح التقرير أن نحو 18 في المئة فحسب من العائلات السورية تعد آمنة غذائياً خلال عام 2025، مقارنة بـ11 في المئة عام 2024، واستمرار هذا التحسن يعتمد على الاستقرار السياسي والاستثمار المستدام في جهود التعافي.

ولفت التقرير إلى أن البرنامج قدم خلال يناير (كانون الثاني) الماضي مساعدات لنحو 6.7 مليون شخص في سوريا، شملت توزيع 36.7 ألف طن من المواد الغذائية، إضافة إلى تحويلات نقدية بقيمة 9.2 مليون دولار لدعم الأسر الأكثر احتياجاً.

وأشار إلى أن عملياته في سوريا تحتاج إلى 175 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة "من مارس (آذار) إلى أغسطس (آب) 2026.

وحذر التقرير من أن غياب التمويل، خلال وقت لا تزال فيه مكاسب التعافي هشة، وبحسب البرنامج، فإن سكان المخيمات والنازحين داخلياً والعائدين والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر التي تعيلها نساء تعد من أكثر الفئات تأثراً بانعدام الأمن الغذائي.

 مسارات للقضاء على الفقر وتحسين معيشة السوريين

المتخصصة في الشأن الاجتماعي السورية مريم يونس حذرت من الأبعاد الصحية والاجتماعية للأوضاع الاقتصادية القائمة في البلاد، والتي تدفع بأجيال كاملة خارج المدارس بحثاً عن عمل، غالباً لا يؤمن الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، في حين يتوجه المتعلمون وأصحاب الشهادات والاختصاصات المهمة كالأطباء والمهندسين والممرضين إلى الهجرة.

وقالت لـ"اندبندنت عربية" إن الإحاطة بالواقع السوري الحالي والممتد منذ عام 2011 تحتاج إلى مقاربات شجاعة، وأن توجه الحكومة جهوداً حقيقية لمعالجة المشكلات الاجتماعية التي طفت على السطح نتيجة الوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب.

 المتخصصة السورية أكدت ضرورة التركيز في التعاون الخارجي على المنظمات والمؤسسات الدولية التي يمكن أن تساعد في ثلاثة اتجاهات، الأول إتاحة فرص التعليم والتدريب والتأهيل لخلق مهن قادرة على أن تكون فاعلة في عملية التنمية، بينما العامل الثاني يتجلى في محاولة استقدام التمويلات التي تستهدف الأعمال الصغيرة ومتناهية الصغر، ونشرها بصورة أفقية في البلاد لتحسين معيشة أكبر عدد مكن من السكان، أما الاتجاه الثالث فيكون عبر تركيز المساعدات الخارجية في تحسين البنى التحتية للمناطق لاستقطاب الناس عوضاً عن تركها.

وقالت يونس إن عدم رفع مستوى الخدمات في المجتمعات كافة وخصوصاً في الريف لن يساعد الحكومة في السيطرة على الفقر، ولن يساعدها في اتباع خطوات تنموية صحيحة، موضحة "لا يمكن أن يمر تقرير أممي يقول إن 80 في المئة من السوريين عاجزون عن الحصول على غذاء متكامل من دون أن نطلق إنذار الخطر"، مؤكدة أن المعالجات يجب أن تركز على التنمية والعمل والبنى التحتية والتعليم، وحذرت ضمن السياق نفسه من الآثار الاجتماعية للفقر أقلها انتشار الجريمة والسرقة، في حين تبدو الكلفة الصحية باهظة جداً أكثر بكثير من كلفة المعالجة.

كيف تبدو الأسواق في ظل الحرب؟

عندما سألنا أحد تجار دمشق عن الأسواق السورية، قال "السلع كافة متوافرة بصور وأنواع ومصادر مختلفة، وهذا سببه موجات الاستيراد الكبيرة التي تمت منذ سقوط النظام".

واستدرك "لكن البيع ضعيف بسبب محدودية الكتلة النقدية المتداولة وتراجع إقبال المستهلكين على الأسواق لضيق جيوبهم، ويكاد يتركز الاستهلاك على السلع الغذائية الرئيسة على حساب جمود وركود في القطاعات الأخرى كالملابس على رغم اقتراب العيد".

وأشار إلى أن هناك ترقباً لحجم الحوالات التي ستتأثر فعلاً بالحرب خصوصاً الواردة من الخليج، قائلاً "إذا لم يكن هناك منحة مالية للموظفين والمتقاعدين تعينهم على نفقات الأعياد المقبلة، فأعتقد أن الأسواق السورية ستستمر في جمودها حتى خلال الأعياد".

من جانبه، يقول متخصص التسويق محمد القاضي إن عادات الاستهلاك تغيرت عند السوريين بصورة واضحة، وبسبب ارتفاع الأسعار مقارنة بالدخل لجأت نسبة كبيرة من الأسر بأكثر من 80 في المئة إلى تقليص الإنفاق، من خلال التخلي أولاً عن استهلاك جزء مهم من السلع. وإذا أردنا الحديث عن الغذاء فيمكن القول إن اللحوم الحمراء خرجت تماماً من الموائد، وإن تواجدت فتكون خضعت لتقليص في الكميات، في حين يبدو التعامل مع لحوم الفروج بطريقة مقننة نظراً إلى ارتفاع أسعاره، أما الخضراوات والفواكه فتُشترى بالحد الأدنى".

وأوضح القاضي أن "الأسرة السورية تحتاج بالحد الأدنى من 1000 إلى 1200 دولار لتأكل وتشرب وتتنقل بوسائل النقل العامة، ومع ذلك هذا الدخل غير متوافر للغالبية داخل بلد متوسط رواتب القطاع العام فيه لا يتجاوز 100 دولار، في حين تراوح الرواتب ما بين 200 إلى 300 دولار في القطاع الخاص".

هندسة الراتب 

 بصورة عامة وقياساً بدخل السوريين فإن كل شيء مرتفع الثمن، خلال وقت تحاول فيه حكومة دمشق منع أي انفلات في الأسعار ومراقبة التجار لمنع حدوث عمليات احتكار، والغلاء وقلة الدخل انعكسا على حال الأسواق التي بدت دون مستواها المعهود خلال شهر رمضان الجاري.

وتقول سلمى شيباني مهندسة تعمل في شركة خاصة "ما أن أنهي دوامي الطويل حتى أدخل مجدداً في دوام أكثر صعوبة، وحيث يترتب علي أن أقوم بهندسة كلفة الإفطار ضمن موازنة محددة لا يمكن الخروج عنها أبداً، فكل شيء غالٍ"، مضيفة "البندورة وصل سعر الكيلو منها إلى 20 ألف ليرة (1.6 دولار) لعلها المرة الأولى التي تلامس هذا السعر، ويقولون إن السبب هو التصدير".

واستدركت "لكن دائماً كان هناك تصدير لكل الخضراوات وارتفع سعرها من 20 إلى 30 في المئة وأحياناً أكثر".

المهندسة السورية تبدي استغرابها من أسعار الحمضيات التي تصل في بعض الأحيان إلى 25 ألف ليرة (2.1 دولار)، قائلة "في الماضي كانت من الفواكه الرخيصة التي نعتمد عليها".

وأضافت لـ"اندبندنت عربية" أن "سفرة رمضان تحتاج إلى 200 ألف ليرة (16.8 دولار) من دون أية مظاهر رفاهية، وإذا كان السحور يكلف 100 ألف ليرة (8.4 دولار)، هذا يعني أن العائلة المكونة من أربعة أشخاص في حاجة يومياً كحد أدنى إلى 300 ألف ليرة (25.2 دولار) في رمضان".

العروض والأسواق الشعبية لجذب المستهلكين

في أسواق المواد الغذائية تبدو المنافسة حادة بين الشركات المحلية والمستوردة، مما ساعد في تقديم العروض وانتشار الأسواق الشعبية القائمة على الأسعار المخفضة. ومع ذلك يقول ياسين عبود (تاجر مواد غذائية) إن حركة البيع والشراء ليست كما يجب، والناس يشترون على حسب قدرتهم، واصفاً القدرة الشرائية بأنها ضعيفة جداً إن لم تكن معدومة، والناس لا يشترون حتى كفايتهم ويحاولون التحايل على الأمور بطريقة أقل ما يمكن وصفها بأنها "مؤلمة"، بمعنى أن كثيراً من الأسر لا تتمكن من تأمين غذاء متوازن وكافٍ لأفرادها.

وأضاف لـ اندبندنت عربية" نحن الآن خلال الشهر الفضيل وعادة موائده تكون عامرة، وأعتقد هذا العام لم تكن عامرة بالصورة الكافية عند كثير من الأسر السورية، قائلاً "لولا انتشار الجمعيات لما استطاع كثير من السوريين كسر صيامهم".

في مهرجان تجاري داخل منطقة الشيخ سعد التجارية بمنطقة المزة في العاصمة دمشق، أقيم عدد من الأسواق الشعبية بهدف إتاحة معروض سلعي أرخص من السوق أمام الناس، من خلال تقديم الخصومات والعروض على مختلف المواد، ومع ذلك يقول أحد التجار إنه "في ظل راتب بالكاد يكفي أسبوعاً بالحد الأعلى كيف نتوقع أرقام مبيعات عالية؟"، مضيفاً "هناك محال تفتح وتغلق بعد أشهر قليلة بسبب ضعف القوة الشرائية من جهة، وارتفاع إيجارات المحال من جهة أخرى، فعلى سبيل المثال محل في منطقة المزة بدمشق لا تتجاوز مساحته 15 متراً مربعاً أغلى من محال بالمساحة نفسها في أوروبا".

ارتفاع أسعار الخضراوات والفواكه وركود في سوق الحلويات

 تشهد أسواق دمشق ومختلف المدن والمناطق السورية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الخضراوات والفاكهة، وسط موجة غلاء طاولت معظم الأصناف الأساس. وبحسب معنيين، فإن سبب ارتفاع أسعار الخضراوات يعود إلى تحكم المزارعين والتجار، وأن غالبية المنتجات تزرع داخل بيوت بلاستيكية إضافة إلى ارتفاع أجور النقل والطقس البارد.


في حين تُرجع جمعية حماية المستهلك سبب ارتفاع الأسعار إلى حظر الاستيراد وجشع التجار وضعف الرقابة على الأسواق من قبل لجان التموين، وندرة المنافسة بين التجار على رغم سياسة فتح الأسواق التي تقوم على المنافسة.

 ويرى رئيس لجنة الخضراوات والفاكهة في سوق الهال بدمشق محمد العقاد أن التوترات الإقليمية داخل المنطقة نتيجة الحرب على إيران أدت إلى ارتفاع أسعار معظم أنواع الخضراوات والفاكهة المستوردة، وعلى وجه الخصوص البندورة والليمون والخيار والباذنجان والكوسة، إلى جانب منع الأردن تصدير الخضراوات والفاكهة، مما أسهم في رفع أسعارها داخل الأسواق السورية.

 أما في أسواق الحلويات فتبدو قلة الطلب واضحة للعيان مع تراجع المواطنين عن شراء الحلويات الرمضانية إلى الحد الأدنى. وتقول خديجة وهي ربة منزل "الطبخة" أولوية، وإذا كان لا بد من الحلويات فنلجأ إلى خيارات بديلة ورخيصة غالباً نصنعها في المنزل أو نشتريها من محال "الفرط"، (متاجر شعبية تبيع الحلويات بلا تغليف وبمكونات ونوعية أقل لخفض الكلف)، ومع اقتراب عيد الفطر يترقب أصحاب محال الحلويات انتعاش الحركة الشرائية، إذ يشير بائع لدى أحد محال الحلويات الشهيرة داخل دمشق إلى انخفاض المبيعات بصورة واضحة، ويمكن ملاحظة أن كمية المعروض انخفضت.

مخاوف من نقص المواد الأساس في حال طاولت الحرب

 ويؤكد تجار سوريون أن أزمة توافر السلع، بما فيها المشتقات النفطية، مرتبطة بطول أمد الحرب وارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتغيير طرق التجارة.

 فيقول محمد حناوي (تاجر مواد غذائية) إن "ارتفاع الأسعار طاول بعض السلع الأساس، كالرز والزيت، التي ارتفعت أسعارها من 10 إلى 15 في المئة، أيضاً السردين والتونة واللحوم والفروج والخضراوات"، معتبراً أن الأمور ما زالت ضمن حدود طبيعية من دون أن يعني ذلك أن سوريا ستكون بعيدة من تأثيرات الحرب، مشيراً إلى أن ظهور تأثيرات حقيقية سيبدأ فعلياً في حال طال أمد الحرب.

اندبندنت عربية


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق