سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:03/05/2026 | SYR: 14:21 | 03/05/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

 إيرانيون في الخارج يواجهون قيودا قاسية لدعم ذويهم في الداخل
02/05/2026      



سيرياستيبس 

يظهر تقرير حديث لمركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم على أساس سنوي (نقطة إلى نقطة) بلغ 115 في المئة في أبريل (نيسان) الجاري، فيما وصل التضخم السنوي للمواد الغذائية إلى 74.8 في المئة. وعلى رغم أن الجهات الرسمية في إيران تميل عادة إلى نشر بيانات التضخم والبطالة بنهج محافظ، فإن هذه الأرقام بحد ذاتها تعكس بوضوح عمق الأزمة الاقتصادية.
في ظل موجة الغلاء والتضخم التي قلصت موائد الإيرانيين بصورة غير مسبوقة، ورفعت بصورة حادة أخطار اتساع رقعة الفقر عبر مختلف شرائح المجتمع، اتجهت الجالية الإيرانية في الخارج، أكثر من أي وقت مضى، إلى تكثيف تحويلاتها المالية نحو الداخل.

وعلى رغم غياب آليات واضحة ومنظمة لتحديد المحتاجين وجمع الأموال وتحويلها، فإن الأزمة الاقتصادية الراهنة، التي طاولت تقريباً جميع الفئات من الطبقة المتوسطة إلى الفقيرة، دفعت كل إيراني مقيم في الخارج إلى السعي، بقدر استطاعته وإمكاناته، لمساندة محيطه القريب في الأقل.
وتتجلى مؤشرات هذا التوجه في الارتفاع الملاحظ للرسائل المتعلقة بتبادل العملات داخل مجموعات الإيرانيين على تطبيق "تيليغرام"، إلى جانب تنامي نشاط مكاتب الصرافة والشبكات غير الرسمية لتحويل الأموال، وهو مسار يعكس تضامن الإيرانيين في الخارج مع مواطنيهم في الداخل، كما يكشف في الوقت ذاته عن عمق الكارثة المتمثلة في التسارع الحاد لانتشار الفقر في البلاد.
وفي إحدى مجموعات "تيليغرام" التي تضم إيرانيين مقيمين في مدينة أوروبية، نشر أحد المستخدمين عرضاً لتبادل 100 يورو مرفقاً بعبارة "عاجل لشراء دواء في إيران"، مما فتح باب النقاش بين الأعضاء حول التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية، وتركز الحديث على سبل تقديم الدعم من الخارج إلى الداخل، في ظل العقوبات وغياب القنوات الرسمية لتحويل الأموال.
اتفق غالبية المشاركين على أنه لا توجد آلية واضحة وموثوقة لهذا النوع من الدعم، وأن كل فرد يجد نفسه مضطراً، في مثل هذه الظروف، إلى مساندة أقاربه ومعارفه في حدود إمكاناته.
غير أن هذا النهج يواجه، في الأقل، تحديين أساسيين. أولهما أن الموارد المالية للإيرانيين في الخارج تبقى محدودة، بل إن بعضهم لا يملك القدرة أو الإمكان لتقديم أية مساعدة، وثانيهما أن شريحة واسعة من الإيرانيين في الداخل لا تربطها صلات بأقارب أو معارف في الخارج يمكنهم إيصال حتى هذه المساعدات المحدودة إليهم.
إرسال مساعدات محدودة للأقارب
مريم، المقيمة في إحدى المدن الأوروبية، يبلغ دخلها الشهري نحو 1500 يورو، يذهب جزء كبير منه لإيجار السكن، فيما يغطي المتبقي نفقات المعيشة اليومية والطعام. ومع ذلك، ومنذ نحو ستة أشهر، تحرص على تحويل ما بين 100 و200 يورو شهرياً لوالديها في إيران، وإن كان ذلك يجري بمشقة كبيرة.
وتوضح أن تحويل حتى هذا المبلغ المحدود يواجه صعوبات بالغة بسبب العقوبات وغياب القنوات الرسمية لتبادل العملات، ففي حال اللجوء إلى مكاتب الصرافة، يقتطع جزء ملاحظ من المبلغ كعمولات، بينما تنطوي الشبكات غير الرسمية لتحويل الأموال، التي يعمل معظمها من داخل إيران، على أخطار متعددة، كما أن القيود المفروضة على تحويل الأموال في أوروبا تزيد من تعقيد العملية.
وتؤكد مريم "على رغم كل هذه الصعوبات، أحرص على إرسال هذا المال بأية وسيلة ممكنة، لكن المشكلة أنه لا يفي باحتياجات والدي، إذ لا يكفي حتى لتغطية تكاليف الدواء أو الحد الأدنى من متطلبات المعيشة".

 
أما سميرة، المقيمة أيضاً في إحدى المدن الأوروبية، فتقوم شهرياً بإرسال مبلغ مالي كمساعدة لأختها في إيران، التي لديها طفل يبلغ أربعة أشهر. وتقول "نحن جميعاً على دراية بارتفاع الأسعار والتضخم الهائل في إيران، لكننا لا نستطيع استيعاب عمق الأزمة بصورة كاملة، لأننا لسنا هناك ولا نرى عن قرب حجم المعاناة التي يعيشها الناس".
وتستعيد سميرة تجربة شخصية قائلة "في شهر مارس (آذار) الماضي، أرسلت ما يعادل 200 يورو لأختي، وكنت أظن أن هذا المبلغ سيساعد في تغطية تكاليف مستلزمات العيد والغذاء واحتياجات الطفل اليومية، لكنني أدركت لاحقاً أن المبلغ نفسه لم يكف سوى لشراء بضعة أصناف من الأدوية والاحتياجات الأساسية للطفل، مثل الحفاضات ومستلزمات النظافة".
وتضيف أن سعر عبوة الحفاضات الواحدة تجاوز مليوناً و500 ألف تومان (17 دولاراً)، وهي لا تكفي سوى لثلاثة أو أربعة أيام. ومع ذلك، نقلت عن أختها أنها ممتنة حتى لهذه المساعدة المحدودة، لكنها تشعر بقلق أكبر تجاه العائلات التي لديها أطفال صغار أو مرضى، ولا تجد من يساندها داخل البلاد أو خارجها.
ويظهر تقرير حديث لمركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم على أساس سنوي (نقطة إلى نقطة) بلغ 115 في المئة في أبريل (نيسان) الجاري، فيما وصل التضخم السنوي للمواد الغذائية إلى 74.8 في المئة، وعلى رغم أن الجهات الرسمية في إيران تميل عادة إلى نشر بيانات التضخم والبطالة بنهج محافظ، فإن هذه الأرقام بحد ذاتها تعكس بوضوح عمق الأزمة الاقتصادية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، كرر الرئيس مسعود بزشكيان، إلى جانب مسؤولين حكوميين آخرين، تأكيد عدم وجود نقص في السلع الغذائية في الأسواق. غير أن تقارير ميدانية تشير إلى أن توفر السلع لا يعكس استقراراً في السوق، بقدر ما يعكس تراجعاً حاداً في القدرة الشرائية لدى المواطنين. ومع ذلك، يواصل المسؤولون تقديم هذا الواقع على أنه إنجاز.
وقد أدى الارتفاع المستمر في أسعار الصرف خلال العام الماضي، إلى جانب تصاعد معدلات التضخم، وتدمير الأعمال، والانقطاعات المتكررة للإنترنت، إلى خلق ظروف باتت تهدد سبل عيش ملايين الإيرانيين بصورة جدية، وفي ظل هذه الأوضاع، لم يعد حتى إرسال مبالغ مالية محدودة إلى داخل إيران أمراً سهلاً، بل بات محفوفاً بالتحديات والعقبات.

 
طرق تحويل الأموال إلى إيران وتحدياتها
في ظل غياب شبكة مصرفية رسمية وقانونية، يجري تحويل الأموال إلى إيران عادة عبر أربعة مسارات رئيسة: مكاتب الصرافة، وشبكات الوساطة لتبادل العملات (الناشطة غالباً عبر تطبيق "تيليغرام")، والتحويلات بين الأفراد، أو عبر المسافرين.
أما التحويل عبر المسافرين، فحتى في حال توافر الثقة بالشخص الناقل، يبقى خياراً محدوداً بسبب قلة الرحلات والمسافرين، مما يجعله غير متاح على نطاق واسع في الوقت الراهن.
وبالنسبة إلى مكاتب الصرافة، فهي تواجه بدورها تحديين أساسيين: أولهما اقتطاع عمولات مرتفعة، تجعل التحويلات الصغيرة، خصوصاً تلك التي تتراوح بين 100 و300 يورو، غير مجدية اقتصادياً، وثانيهما صعوبة العثور على جهة موثوقة. فقد سجلت حالات عدة استلمت فيها بعض مكاتب الصيرفة العملات من المرسلين من دون تحويل المقابل بالريال، بل وتوقفت عن الرد على الاتصالات.
في المقابل، تقوم طريقة التبادل بين الأفراد على تحويل العملات بين أشخاص خارج إيران، على أن يجري دفع المقابل بالريال داخل البلاد عبر حسابات محلية للمستفيدين. وتعد هذه الطريقة أكثر موثوقية نسبياً، نظراً إلى اعتمادها على لقاءات مباشرة بين الأطراف في مدن إقامتهم، لكنها تظل بطيئة وتستغرق وقتاً.


أما شبكات الوساطة، التي تعمل أساساً عبر الإنترنت وعبر "تيليغرام"، فإنها تتعطل عملياً خلال فترات انقطاع الإنترنت. ويقول أحد العاملين في هذا المجال "خلال فترات قطع الإنترنت، لم نتمكن من إجراء أية معاملات. وعندما أدركنا أن نشاطنا مهدد بالتوقف، اضطررنا إلى الانتقال إلى إحدى الدول المجاورة ذات الاتصال المستقر بالإنترنت. ومع ذلك، وبما أن تحويل الريال يجب أن يتم داخل إيران، لا تزال هناك صعوبات في التنسيق وإنجاز العمليات".
ويضيف أن حجم الطلبات خلال الشهرين الماضيين شهد ارتفاعاً غير مسبوق، مشيراً إلى أن معظم المتعاملين يعرضون بيع اليورو، وغالباً ما تكون المبالغ أقل من 300 يورو، وهو ما يعكس اتجاهاً واسعاً لإرسال مساعدات مالية إلى الأقارب داخل إيران.
وبحسب إفادته، فإن شريحة كبيرة من متلقي هذه التحويلات هم طلاب إيرانيون يدرسون في الخارج، تعتمد عائلاتهم على هذه القنوات لإرسال الأموال إليهم.
وإلى جانب هذه التحديات، يشكل تحويل الأموال بين الحسابات المصرفية بحد ذاته عقبة إضافية، خصوصاً في أوروبا، إذ تفرض الأنظمة المصرفية قيوداً صارمة لمكافحة غسل الأموال. وتزداد هذه القيود تشدداً في حالة الإيرانيين بسبب العقوبات، إلى درجة أن التحويل من البنوك الحكومية أصبح شبه مستحيل.
وفي هذا السياق، يلجأ كثير من الإيرانيين إلى وسائل بديلة مثل خدمة (PayPal) والعملات الرقمية، والبنوك الرقمية، لا سيما (Revolut)، لتحويل الأموال، غير أن الأيام الأخيرة شهدت تقارير متعددة على مجموعات "تيليغرام" ومنصة "إكس" تفيد بتجميد حسابات عدد من المستخدمين الإيرانيين في هذه البنوك الرقمية.
ويرجح بعض المستخدمين أن يكون سبب هذا الإجراء هو الارتفاع غير المعتاد في حجم وتكرار التحويلات بين الحسابات المرتبطة بإيرانيين خلال الفترة الأخيرة، مما اعتبرته هذه المنصات نشاطاً يستدعي التدقيق.
في المحصلة، يعكس الواقع الراهن في إيران نتائج مباشرة لاختلالات داخلية على صعيد الإدارة والفساد، إلى جانب سياسات خارجية متوترة. فقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في تفاقم الفقر والبطالة والتضخم، وفي الوقت نفسه أعاقت أية إمكانية لإجراء تحويلات مالية آمنة ومنتظمة مع الخارج.
وبذلك، تحول إرسال حتى مبالغ مالية محدودة إلى عملية معقدة ومحفوفة بالأخطار، في وقت تتوافر فيه وسائل تحويل آمنة مثل "ويسترن يونيون" في دول أخرى، بينها أفغانستان، بينما تبقى إيران، إلى جانب كوريا الشمالية، من بين الدول القليلة المحرومة من هذه الخدمات.
وفي ظل هذا الواقع، يدفع المواطنون الإيرانيون الثمن، إذ يجدون أنفسهم عاجزين عن دعم بعضهم بعضاً في أوقات الأزمات. والأهم أن هذه التحويلات، حتى إن تمت على رغم كل الصعوبات، لا تغطي سوى نسبة محدودة من المحتاجين، فيما يظل ملايين الإيرانيين في مختلف أنحاء البلاد يواجهون الفقر والبطالة وأزمات الدواء والعلاج، من دون وجود من يساندهم.
وفي خضم هذه الأوضاع، يوجه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف رسالة إلى المواطنين قائلاً "لا تقلقوا"، لكن مريم تقول "منذ قرأت هذا التصريح، أشعر بغضب شديد، لأننا جميعاً قلقون على مصير شعب يحتجز كرهينة، في ظل غياب أية وسيلة فعالة وموثوقة للتواصل معه أو مساعدته".

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق