سيرياستيبس
مع تحول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات، لتطاول منشآت في الكويت وأبوظبي والمنامة، بدا أن المشهد يتجاوز مجرد تصعيد أمني عابر، إذ تترجم الصواريخ والطائرات المسيرة فوراً إلى قفزات في أسعار النفط، وتوتر في ممرات الشحن، وإعادة تسعير لمخاطر الاستثمار في مجمل اقتصادات الخليج، في لحظة كانت فيها الحكومات تراهن على استقرار نسبي لاستكمال برامج التنويع وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وترتبط تأثيرات الحرب على قطاعات دول الخليج الاقتصادية بعاملين هما: مدى تأثير "الصدمة قصيرة الأجل" ومدى "المرونة المتوقعة" لاقتصادات دول مجلس التعاون في التعاطي معها، بحسب تقدير نشرته مجلة ذا بزنس يير، المتخصصة في التوقعات الاقتصادية الإقليمية، في 17 فبراير/شباط الماضي، نقلت فيه تحذيراً لخبراء من تراجع مرجح في الاستثمار الأجنبي المباشر بدول الخليج بنسبة 10-20% خلال الربعين الأولين من العام الجاري بسبب ارتفاع معدل التأمين على المخاطر الجيوسياسية. ورهن التقدير ذاته النمو المتوقع للقطاع غير النفطي في دول الخليج بنسبة 4.1% على امتداد العام الجاري بشرط رئيسي هو "احتواء الاضطرابات الجيوسياسية"، وهو ما لم يتحقق باشتعال الحرب.
وفي قطاع السياحة والعقارات، يشير تحليل نشرته منصة البحث العقاري بروبرتي سيرش (Property Search)، المعنية بتحليل أسواق العقارات والسياحة في الخليج، في 15 فبراير الماضي، إلى هبوط حاد متوقع في الوصولات السياحية بنسبة 20-30% في أبوظبي والرياض ودبي على خلفية التحذيرات الأوروبية والأميركية من السفر إلى المنطقة وإغلاقات الرحلات الجوية، وهو ما يرجح خبراء لـ "العربي الجديد" تفاقمه بعد اندلاع الحرب وإعلان دول، بينها قطر، إغلاق مجالها الجوي أمام الرحلات المدنية. يأتي ذلك مواكباً، بحسب التقرير ذاته، لترجيح تراجع إيرادات السياحة الخليجية بنحو 15-25% في النصف الأول من العام الجاري، وتباطُؤ في مبيعات العقارات بنسبة 10-20% بسبب تردد المشترين الأجانب وارتفاع تكاليف الإنشاءات بنسبة 8-12% نتيجة اضطرابات التوريد، ما يبطئ من نمو القطاع غير النفطي إلى أقل من 3% إن طال أمد الحرب. انتعاشة تجارية
ومن شأن هذا التدهور أن يقوض ما شهده عام 2025 من تعاف ملحوظ في حجم التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، حيث تصدرت الإمارات العربية المتحدة المشهد بوصفها أكبر شريك تجاري خليجي لطهران، ووفقاً للبيانات الجمركية الإيرانية فقد بلغت قيمة الواردات الإيرانية من الإمارات حوالي 9.6 مليارات دولار، ما يمثل نسبة 15.1% من إجمالي واردات إيران العالمية. وفي المقابل، سجل الميزان التجاري بين سلطنة عمان وإيران نمواً استثنائياً؛ إذ ارتفع حجم التبادل التجاري من 335.8 مليون ريال عماني في 2023 ليصل إلى 512.1 مليون ريال عماني (ما يعادل تقريباً 1.33 مليار دولار) بنهاية عام 2024 وبداية 2025، مدفوعاً بزيادة الصادرات العمانية بنسبة 69%. أما على صعيد العلاقات السعودية الإيرانية، فقد سجلت التجارة غير النفطية نمواً تاريخياً بنسبة تجاوزت 6000% لتصل إلى نحو 25 مليون دولار سنوياً وهي خطوة أولى ضمن جهود استعادة الروابط الاقتصادية. ومع بداية عام 2026، استمر الزخم الاقتصادي رغم التوترات الجيوسياسية، حيث أعلنت الجمارك الإيرانية في تقريرها الصادر في يناير/كانون الثاني 2026 أن إجمالي التجارة الخارجية للبلاد تجاوز94.1 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الماضية، مع بقاء دول الخليج (خاصة الإمارات وعمان) ضمن قائمة أهم الشركاء التجاريين الخمسة الأوائل، وهي انتعاشة يهددها مسار الحرب الجارية. ورغم أن بعض دول الخليج (مثل السعودية والإمارات) تمتلك خطوط أنابيب بديلة لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، تظل دول أخرى كالكويت وقطر والبحرين رهينةَ المسار البحري الوحيد لنقل النفط، ما يضع التجارة البينية دول الخليج مع إيران في حالة "جمود قسري" في انتظار اتضاح الموقف الميداني، بحسب ما أورد تقرير نشرته وكالة الأنباء العمانية أمس السبت. سيناريو الحرب الراجح
ولما كان السيناريو الذي يرجحه خبراء الطاقة في واشنطن ولندن هو استمرار الضربات المتبادلة بين طرفي الحرب، فإن "صدمة سعرية حادة في سوق النفط" باتت مرجحة، ليس بسبب تهديد جزء من إنتاج السعودية والكويت والإمارات، بل أيضاً بسبب هشاشة مسارات العبور البحرية إذا توسع استهداف الموانئ ومحطات التسييل والأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز، بحسب تقدير استشرفه مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، في 29 يناير الماضي. ورغم أن الأسواق حالياً توصف، بحسب التقدير ذاته، بأنها "مزودة جيداً بالمخزونات"، ما قد يخفف جزئياً من طول أمد الصدمة، لكن ذلك لا يمنع قفزة أسعار النفط إلى نطاق يراوح بين 80 و100 دولار للبرميل في حال تعطل 20 إلى 30% من صادرات الخليج خلال أسابيع قليلة.
في هذه الحالة لا تبدو التداعيات المالية على الموازنات الخليجية متجانسة؛
فبينما يستفيد المنتجون الكبار (السعودية تحديداً) من ارتفاع الأسعار على
المدى القصير، يحذر محللون في بنوك استثمار غربية من أن اتساع رقعة الحرب
قد يفرض كلفة تمويل أعلى على حكومات المنطقة، إذ تشير تقديرات مصرفية
غربية، نقلها التقدير نفسه، إلى أن كل تحرك بمقدار عشرة دولارات في سعر
البرميل يمكن أن يغير عجز موازنات دول مجلس التعاون بنحو 2% من الناتج
الاجمالي، مع احتمال تجاوز احتياجات الاقتراض التراكمي 300 مليار دولار إذا
ترافق أي هبوط لاحق للأسعار مع استمرار الاضطراب الأمني، ما ينعكس مباشرة
على شهية المستثمرين الأجانب للاكتتاب في السندات وإصدارات الدين.
وفي المقابل، تشير تقييمات مؤسسات استشارية أوروبية إلى أن دول الخليج تدخل هذه الأزمة بقدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بجولات توتر سابقة، نتيجة تراكم الاحتياطيات، وتقدم خطط الإصلاح المالي، وتحديث البنى القانونية الخاصة بالاستثمار، حيث تؤكد دراسة صادرة عن مكتب المحاماة الدولي "آلن آند أوفري" (Allen & Overy)، في 25 فبراير الماضي، أن "مرونة الأنظمة القانونية ومركزية صنع القرار تتيح للرياض وأبوظبي والكويت إعادة توجيه الإنفاق بسرعة نحو حماية سلاسل الإمداد، وتسريع مشاريع الطاقة المتجددة، والاستثمار في شبكات نقل الكهرباء والتخزين، بما يجعل ملف أمن الطاقة جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الانتقال الطاقي حتى في ذروة المواجهة العسكرية.
وعلى مستوى التجارة والاستثمار غير النفطي، تسلط مراكز أبحاث غربية الضوء على أن استجابة العواصم الخليجية للحرب لن تقتصر على حماية الحقول والموانئ، بل ستمتد إلى إعادة رسم شبكات التبادل التجاري وتوزيع المخاطر الجغرافية، ولذا أوصى تقدير لمجلس الشرق الأوسط، التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بزيادة الاعتماد على سلاسل توريد بديلة، وتعميق الشراكات مع آسيا وأفريقيا، وتعزيز التكامل داخل مجلس التعاون الخليجي عبر تنسيق السياسات الصناعية واللوجستية، باعتبار ان تنويع الشركاء والقطاعات هو خط الدفاع الاقتصادي الأكثر استدامة في بيئة إقليمية مرشحة لمزيد من التفكك والصدمات. سر حروب العطلة
وفي هذا الإطار، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، لـ "العربي الجديد"، إلى أن الولايات المتحدة تعمد دائماً إلى شن حروبها في المنطقة خلال عطلة نهاية الأسبوع (السبت والأحد) لتجنب حدوث صدمة فورية في أسواق البورصات العالمية وأسعار النفط، ما يمنح الأسواق مهلة لامتصاص الصدمة قبل افتتاح التداول، ولذا سيبقى تأثير الحرب على أسواق الطاقة محدوداً في الأيام الأولى، بينما سيتحول إلى تهديد حقيقي بحدوث اضطراب عالمي في حال استمرار الحرب لأسابيع، وهو سيناريو من شأنه أن يعطل سلاسل التوريد ويؤثر بشكل جذري على العرض والطلب العالمي على النفط والغاز. كما يحذر المصري من تداعيات التمديد الزمني للصراع على استقرار الأسواق، لافتاً إلى أن المنطقة التي تدور فيها المواجهات الحربية تكتسب أهمية جيوسياسية استثنائية لمرور نحو 20% من نفط العالم عبر مضيق هرمز، بالإضافة إلى حركة الملاحة الحيوية في باب المندب والبحر الأحمر، ما يجعل أي تصعيد يشمل دخول إسرائيل المباشر خطراً داهماً على أمن الملاحة العالمي وسلاسل إمداد الطاقة.
وفي حال فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما سريعاً وواجهتا صموداً إيرانياً يؤدي إلى إشعال جبهات متعددة من اليمن إلى العراق ولبنان، فإن المنطقة برمتها ستدخل في دوامة اضطراب قد تدفع أسعار النفط للارتفاع إلى مستويات قياسية تصل إلى 200 دولار للبرميل، بحسب تقدير المصري، الذي وصف هذا السيناريو بأنه "بالغ الخطورة"، إذ ينذر بخروج الأمور على السيطرة وتعميم الصراع. وعليه، يرى المصري أنه يتعين على دول الخليج التعاطي بحكمة بالغة لإدارة أسواق العرض والطلب ومنع حدوث صدامات أو ارتفاعات جنونية في الأسعار، وهذا سيكون رهناً بالرؤية الأميركية لمسار الحرب وطريقة تفاعلها مع التدخل الإسرائيلي المتصاعد، ما قد يعيد تشكيل الاستقطابات الإقليمية ويقلب المعادلات التي سعت واشنطن وتل أبيب لترسيخها منذ طوفان الأقصى.
قفزة نفط انفجارية
وفي السياق، تشير الخبيرة المصرية المختصة بالشأن الإيراني، د.شيماء المرسي، لـ "العربي الجديد"، إلى أن التوقعات تصب في ترجيح أن تشهد أسعار النفط، خاصة خام برنت، قفزة انفجارية قد تتجاوز حاجز 120 إلى 150 دولاراً للبرميل، ليس نتيجة لنقص الإمدادات فحسب، بل بسبب تصاعد مستوى المخاطر القصوى الذي حول منشآت النفط الخليجية والممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب إلى أهداف محتملة للضربات الإيرانية. ويتزامن مع ذلك، إعلان جماعة الحوثي استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر بالتوازي مع الضربات الإيرانية على القواعد الأميركية في دول الخليج، ما سيؤدي، بحسب ترجيح المرسي، إلى ارتفاع جنوني في تكاليف الشحن والتأمين البحري بنسبة قد تصل إلى 300%، وقد تدفع شركات التأمين العالمية الكبرى مثل "لويدز لندن" إلى تصنيف المنطقة بأكملها منطقةَ حربٍ محظورة، وهو إجراء يعني عملياً وقف حركة الناقلات تماماً وليس مجرد رفع تكلفتها.
وعلى الصعيد العالمي، من شأن أي تأخير في سلاسل الإمداد أن ينعكس بشكل فوري على ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمحروقات في واشنطن والعواصم الأوروبية، ما يضع الإدارة الأميركية، برئاسة دونالد ترامب، أمام حسابات اقتصادية مريرة ومعقدة، بحسب المرسي. وفي مواجهة هذه التداعيات، تتوقع المختصة بالشأن الإيراني أن تعمل دول الخليج وفق استراتيجية دقيقة لإدارة الكارثة عبر مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في طمأنة الأسواق المالية المحلية وتفعيل خطط الطوارئ القصوى لحماية المنشآت النفطية الحيوية، بينما يركز الثاني على ممارسة ضغوط دبلوماسية وسياسية قصوى على واشنطن لكبح جماح التصعيد العسكري، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن الطاقة العالمي مرهون باستقرار العواصم الخليجية، وأن حرباً شاملة ستقود حتماً إلى انهيار اقتصادي عالمي يتعذر احتواؤه.
وتخلص المرسي إلى أن الضربات الإيرانية على العمق الخليجي بالتوازي مع قطع الإنترنت داخل إيران يهدف إلى إنشاء "منطقة حظر اقتصادي" غير معلنة، حيث تراهن طهران على أن التداعيات الاقتصادية ستكون أفتك وأقوى من الضربات الجوية المباشرة، وذلك عبر استثمار تعطيل الملاحة في مضيق هرمز بوصفه أداة ضغط لإجبار الولايات المتحدة على التراجع وطلب التهدئة لإنقاذ ما تبقى من الاستقرار المالي العالمي.
العربي الجديد
|