سيرياستيبس : كتب الدكتور فادي عياش
تحدثنا ونبهنا مراراً من حالة معقدة أو مرض مزمن في الاقتصاد وهو "الركود التضخمي الجامح" وهو توصيف واقعي لحالة الاقتصاد السوري. وحذرنا مراراً من عدم تحوله إلى حالة "الكساد التضخمي المتفاقم". وهو ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بمصطلح أكثر دقة هو: "المستنقع الاقتصادي" (Economic Quagmire)! وهو حالة من "التوازن الوحلي" يتساوى فيها الجهد المبذول للإصلاح مع سرعة الغرق.. أي أن كل حركة عشوائية للحل تجعلك تنغمس أكثر في الوحل! "المستنقع الاقتصادي" هو حالة ركود طويل الأجل وشامل (كساد) يتسم بانخفاض حاد أو انعدام في نمو الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر والتضخم، وعجز الدولة عن تحفيز الاقتصاد. *مظاهر المستنقع الاقتصادي.* 1- الركود التضخمي: ارتفاع الأسعار مع ضعف القوة الشرائية وتراجع الطلب. 2- تراجع الإنتاج: إغلاق المصانع والشركات وانخفاض الاستثمار المحلي والأجنبي. 3-ارتفاع البطالة: قلة فرص العمل وتدهور الأجور ومستويات المعيشة. 4- أزمة الدين: تفاقم الدين العام وعجز الموازنة العامة للدولة. *أساليب معالجته والخروج منه.* 1-الإصلاح الهيكلي: تشجيع الاستثمار وتبسيط إجراءات الأعمال لتعزيز الإنتاجية. 2- السياسة النقدية والمالية: ضبط التضخم وتحفيز الإنفاق الذكي لدعم القطاعات الحيوية. 3- تنويع مصادر الدخل: تقليل الاعتماد على قطاع واحد والاهتمام بالتكنولوجيا والابتكار. 4- مكافحة الفساد: إصلاح الإدارة العامة وتحسين كفاءة إنفاق المال العام.
*الإسقاط على الحالة السورية:* ينطبق مفهوم "المستنقع الاقتصادي" على الاقتصاد السوري كحالة ممتدة من الركود العميق المشوب بالتضخم المفرط (الركود التضخمي)، والذي تولّد عن عقد ونصف من الصراع والدمار الهيكلي والعزلة المالية، بالرغم من بوادر التغيير السياسي والمالي الأخيرة.
يمكن إسقاط هذا المفهوم على الواقع السوري الحالي من خلال المؤشرات والهياكل الاقتصادية التالية: 1. الركود التضخمي المزمن. -تآكل القدرة الشرائية: تعاني الأسواق السورية من جمود حاد في حركة البيع والشراء؛ فالأجور الفعلية متدنية جداً ولا تتناسب مع أسعار السلع الأساسية. -ارتفاع الأسعار المتواصل: وصل معدل التضخم السنوي في سوريا إلى نحو 27.5% بحلول أبريل 2026، مدفوعاً بزيادة أسعار الإيجارات، وتعديل تعرفة المرافق العامة، واضطرابات سلاسل التوريد الإقليمية. 2. جهاز مصرفي ونقدي غير فعال. -غياب الفاعلية: يصف صندوق النقد الدولي الجهاز المصرفي السوري الحالي بأنه "شديد الاختلال". -ضعف التمويل(أو انعدامه): تعجز البنوك التجارية والشركات المالية عن توفير الائتمان اللازم للمشاريع الكبرى أو تحفيز القطاع الخاص، مما يحرم الاقتصاد من محرك النمو الأساسي. 3. دمار البنية التحتية الإنتاجية. -تراجع الإنتاج المحلي: خرجت آلاف المصانع والمنشآت الزراعية عن الخدمة، مما حول سوريا من بلد مكتفٍ ذاتياً أو مصدر في العديد من القطاعات إلى اقتصاد ريعي يعتمد على المساعدات وتحويلات المغتربين. -عجز الطاقة: أزمات الكهرباء والوقود المستمرة ترفع تكاليف الإنتاج المحلي إلى مستويات غير تنافسية، مما يمنع المصانع المتبقية من العمل بكامل طاقتها. 4. الفقر واسع النطاق وهجرة الكفاءات. -تدهور التنمية البشرية: يقع غالبية السكان تحت خط الفقر، مما يعني توجيه كامل دخل الأسرة المحدود نحو الغذاء والدواء، وانعدام أي مدخرات يمكن أن تتحول إلى استثمارات. -استنزاف العقول: دفع المستنقع الاقتصادي خيرة الكفاءات المهنية، والأطباء، والمهندسين، والحرفيين إلى الهجرة، مما يتسبب في "فقر دم" مهني يصعب تعويضه سريعا لإطلاق عجلة الإعمار. *كيف يختلف "المستنقع السوري" حالياً عن الأزمات التقليدية؟* على عكس الركود الاقتصادي الطبيعي الذي يمر بدورة اقتصادية مرنة، فإن المستنقع السوري مركب ومحمي بعوائق سياسية وقانونية؛ حيث تقدر تكلفة إعادة الإعمار بأحسن التقديرات بأكثر من 200 مليار دولار. ومع ذلك، تشهد المرحلة الحالية (منتصف 2026) بداية تفكيك تدريجي للعقوبات الدولية وبدء دخول استثمارات عربية وإقليمية، مما يمثل أولى خطوات سحب الاقتصاد من هذا المستنقع إذا ما ترافقت مع إصلاحات هيكلية ومصرفية جذرية.
*تأثير مفهوم "المستنقع الاقتصادي" على القطاع الإنتاجي الزراعي والصناعي في سورية.* يتأثر قطاعا الزراعة والصناعة في سوريا بشكل مباشر بـ "المستنقع الاقتصادي"، ورغم مؤشرات التغيير السياسي والمالي الأخيرة ورفع العقوبات التدريجي، إلا أن إرث الركود الطويل والأزمات الهيكلية ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على الإنتاج. تأثير هذا المستنقع يظهر بوضوح في القطاعين على النحو التالي: *أولاً: قطاع الزراعة (نزيف الموارد والأمن الغذائي).* تحول القطاع الزراعي من ركيزة للاكتفاء الذاتي والتصدير قبل عام 2011 إلى قطاع يكافح للبقاء نتيجة لعدة عوامل: -ارتفاع تكاليف الإنتاج الصادمة: تسببت سياسات رفع الدعم الحكومي وتحرير أسعار الوقود (المازوت) والكهرباء في قفزة هائلة بتكاليف تشغيل مضخات الري والآلات. -تراجع المساحات المروية وشح المياه: تعتمد 74% من الأراضي السورية على الأمطار (بعلية)، بينما تواجه المساحات المروية المتبقية استنزافاً حاداً للمياه الجوفية وأضراراً بالغة في شبكات بعض السدود. -تراجع إنتاج المحاصيل الاستراتيجية: تحولت سوريا من مصدر للقمح (بإنتاج تجاوز 4 ملايين طن سابقاً) إلى مستورد رئيسي له، مع فجوة استيراد تقدر بالملايين لتغطية حاجة السكان. مع مؤشرات جيدة للموسم الماضي بقرابة 2 مليون طن نتيجة موسم الأمطار الجيد. -هجرة الفلاحين: بسبب ضعف العوائد المادية مقارنة بالتكاليف، هجر الكثير من المزارعين أراضيهم نحو المدن أو خارج البلاد، مما يهدد بانهيار سلاسل الإنتاج. *ثانياً: قطاع الصناعة (انخفاض الإنتاجية وفجوة التكنولوجيا).* يعاني القطاع الصناعي، وخاصة الصناعات التحويلية والنسيجية العريقة، من جمود يعيق استعادة عافيته بالكامل: -منشآت خارج الخدمة: تشير البيانات الرسمية لعام 2026 إلى أن نحو 56.8% فقط من منشآت قطاع النسيج (أحد أهم القطاعات الصناعية) تعمل حالياً، في حين تظل آلاف المعامل خارج الخدمة. -أزمة الطاقة والكهرباء: غياب استقرار التغذية الكهربائية وشح الوقود يمنعان المصانع من التشغيل بكامل طاقتها الإنتاجية، ويرفعان التكلفة النهائية للمنتج السوري ليصبح أقل تنافسية إقليمياً. -الفجوة التكنولوجية والعزلة: أدت سنوات العزلة إلى تقادم خطوط الإنتاج والآلات. ويواجه الصناعيون حالياً تحدي تحديث المصانع بمعدات حديثة موفرة للطاقة ومستدامة (مثل الطاقة الشمسية). -ضعف الطلب المحلي: التضخم المفرط وتآكل الأجور جعلا المستهلك السوري يركز فقط على الغذاء والدواء، مما أدى إلى كساد البضائع الصناعية الأخرى وانخفاض المبيعات.
*بارقة أمل ومؤشرات التغيير* بالرغم من عمق المستنقع، تشهد الساحة الاقتصادية تحركات وصفتها بعثة صندوق النقد الدولي (IMF) بـ"مؤشرات تعافٍ واعدة"؛ حيث من المتوقع نمو الاقتصاد بدعم من تحسن القطاعين الزراعي والسياحي واستعادة منشآت الطاقة. تتجه الجهود حالياً نحو جذب الاستثمارات الخارجية، وإعادة تنشيط المدن الصناعية الكبرى مثل (الشيخ نجار في حلب وعدرا في ريف دمشق)، والتركيز على سياسة إحلال المستوردات ودعم التصنيع الزراعي والغذائي كبوابات أساسية للخروج من هذا المستنقع.
*بوادر فكّفكة "عقدة المستنقع" (الفرص الحالية).* -تشهد سوريا انفراجة حقيقية تسهم في سحب الاقتصاد من المستنقع تدريجياً، ومن أبرزها: -رفع العزلة الدولية والتسهيلات المصرفية: بدأت الولايات المتحدة بتفكيك نظام العقوبات مع التوجه لشطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما فتح الباب لإعادة اندماجها ماليّاً. -تدفق الاستثمارات الإقليمية: بدأت استثمارات خليجية وعربية بمليارات الدولارات بالدخول، مثل مشروعات تطوير الموانئ (شركة DP World في ميناء طرطوس) واتفاقيات الطاقة مع السعودية. -الموقع الجيواقتصادي البديل: نجحت دمشق وبغداد برعاية أمريكية في تفعيل اتفاقيات إعادة تشغيل خط أنابيب "كركوك-بانياس" بطاقة إنتاجية أولية تبلغ مليوني برميل يومياً، مما جعل سوريا ممر شحن بديل وآمن وسط أزمات المنطقة. -عقد الشراكات الفنية والدولية: أطلقت الأمم المتحدة بالتعاون مع الحكومة استراتيجيات مالية لتحويل التدفقات النقدية نحو القنوات الرسمية الشفافة لإخراج سوريا من القائمة الرمادية لغسل الأموال.
*خارطة طريق الخروج النهائي من المستنقع السوري.* لضمان ألا يكون النمو الحالي مجرد قفزة مؤقتة ولتحقيق تعافٍ مستدام، تحتاج الدولة السورية لتطبيق الإجراءات التالية: -إعادة تأهيل القطاع المصرفي، مما يسهم في جذب رؤوس الأموال الشفافة وبالتالي الاستقرار المالي المستدام. -إصلاح تشريعي ومصرفي فوري: الإسراع في صياغة قوانين مصرفية جديدة للمصرف المركزي والبنوك التجارية، وتوفير نظم حوكمة لمكافحة غسل الأموال لاستعادة الثقة الدولية. -التحول التدريجي من الإغاثة للإعمار: تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تتجاوز 216 مليار دولار. يجب توجيه الأموال والإنفاق الحكومي نحو البنية التحتية، الإسكان، وإمدادات الكهرباء والطاقة لتهيئة البيئة للمصانع والشركات الخاصة (حيث تم تسجيل أكثر من 10 آلاف شركة جديدة في النصف الأول من 2026 وحدها). -الانضباط المالي والسياسات النقدية الحذرة: الحفاظ على الفائض المالي المحقق في ميزانية 2025، وتطوير أدوات تمويل محلية مثل "الصكوك السيادية"، مع كبح الإنفاق الجاري غير الضروري للسيطرة على التضخم. -بناء نظام بيانات وطني شفاف: يفتقر الاقتصاد السوري لبيانات إحصائية دقيقة ومحدثة منذ عام 2011. يعد بناء قاعدة بيانات شفافة مدعومة فنياً من صندوق النقد الدولي شرطاً أساسياً لتقييم المخاطر وجذب المستثمرين الأجانب على المدى الطويل.
النجاح السريع في تحقيق الإصلاحات مع اعتماد نموذج اقتصادي مناسب وواضح وإكسابه الشرعية اللازمة، والتفعيل الصحيح للدياسبورا السورية، كفيل في جعل معدل النمو المتوقع من قبل صندوق النقد الدولي بواقع 10%، هدفاً واقعياً وسهل التحقيق. تحياتي مع أطيب تمنياتي للجميع.
|