سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:09/03/2026 | SYR: 01:57 | 09/03/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

 الريجي والساحل السوري
من تآكل الوظيفة و خسارة الأمان إلى فرصه استعادة الدور التنموي وتعزيز السلم الأهلي
09/03/2026      




سيرياستيبس 
كتب المهندس ياسر علي أسعد

على امتداد ما يقارب تسعين عامًا، شكّلت المؤسسة العامة للتبغ المعروفة شعبيًا باسم ( الريجي ) إحدى أكثر المؤسسات التصاقًا بالحياة اليومية في ريف اللاذقية وطرطوس. لم تكن مجرد جهة حكومية تشتري محصولًا زراعيًا، بل مثّلت لعقود طويلة حلقة الوصل الاقتصادية والاجتماعية بين الدولة وقرى جبلية اعتمدت على محصول نقدي واحد هو التبغ

 تفاصيل البداية .. احتكار برؤية فرنسية

نشأت الريجي في ثلاثينيات القرن العشرين كنظام إحتكاري على يد سلطات لإنتداب الفرنسي , لم تكن مجرد مؤسسة زراعية إقتصاديه بل كانت دوله لها موظفين يعملون على تحديد الأراضي التي ستزرع ويسلمون البذار والسماد ويراقبون النمو والجني والتجفيف ويقدرون كميه الإنتاج وصولا الى استلام المحصول , لديها ميزانيتها المستقله كما مارست دور المصرف بدفع سلف على المحصول ولها شرطه خاصه ومخبرين سريين لكي لايتم تداول التبغ والتجاره به وهي حصريا المشتري الوحيد للتبغ الذي يحدد السعر وينظم عمليات الشراء والفرز ويكافح التهريب والوكيل الحصري لكل شركات التبغ الاجنبيه التي تريد العمل في سوريا , كرّست الريجي زراعة التبغ كمحصول نقدي شبه وحيد لآلاف الأسر .
في مسار هذه المؤسسة تتجسدّ بوضوح قصة تداخل الاقتصاد بالسياسة في الساحل السوري خاصه وسوريا بشكل عام من أداة جباية احتكارية إلى ركيزة استقرار اجتماعي ثم إلى بنية تتحكّم في الدخل والخيارات.
ومع الاستقلال ثم سياسات التأميم وتعزيز دور القطاع العام في الستينيات، ترسّخت الريجي كإحدى مؤسسات الدولة الاحتكارية ذات الطابع الاجتماعي إذ وفرت شراءً مضمونًا للمحصول وأسعارًا مدعومة نسبيًا، وقناة ارتباط مباشرة بين الريف والدولة المركزية

 
مدير قوي ومورد للدولة
 
في بدايه السبعينات أدرجت المؤسسة العامة للتبغ ضمن منظومة القطاعات الاستراتيجية المحتكرة من السلطه وأسند الإشراف الفعلي عليها إلى مدير عام قوي وموثوق وتم التعامل معها بوصفها موردًا ماليًا مهمًا وأداة سيطره اقتصاديه واجتماعيه في منطقة تعدها السلطه الأساسية لها وتم تحويلها الى إقطاعيه خا صه . 
خلال هذه المرحلة توسعّت مصانع السجائر والتصنيع المحلي وتم انتاج انواع جديدة مثل الحمرا الطويله واوغاريت وايبلا إضافه للحمراء والشرق وتدمر والرافدين والجيش والدخان الفلت وتم إعتماد آلية شراء مركزية صارمة للمحصول ما عزّز إعتماد آلاف العائلات في الساحل السوري على التبغ كمصدر دخل رئيسي , وبذلك أدّت الريجي دورًا مركبًا كمصدر للإيرادات وآلية استقرار اجتماعي في القرى الجبلية وقناة ارتباط اقتصادي مباشر مع السلطه . 
ابتداءً من أوائل الثمانينيات، بدأت تحوّلات عميقة في دور الريجي فمع إعادة توزيع الامتيازات التجارية والصناعيه داخل الشبكة الاقتصادية المرتبطة بالسلطة والتحول للدوله الأمنيه ، جرى نقل وكالات السجائر الأجنبية إلى شركات خاصة مرتبطة بها وتوسعّت تجاره السجائر المهربه على حساب الإنتاج الوطني . 
هذا التحوّل كان مقصودا , ليس كمجرد تغيير تجاري لإضعاف إيرادات المؤسسة وتقليص قدرتها على شراء المحصول بأسعار مجزية بل ضروره لتراجع جدوى الزراعة وقله الدخل , وأدى غياب البدائل في الجبال الساحلية لدخول أعداد متزايدة من أبناءه في الوظائف العسكرية والأمنية باعتبارها المسار الوحيد لتحسين دخل العائله .
رغم استمرار احتكارها القانوني، دخلت المؤسسة العامة للتبغ منذ التسعينيات في حالة تراجع وظيفي , إنتاج محدود ومنافسة واسعة مع المهربين المرتبطين بالسلطه , وأسعار شراء لا تكفي لتأمين دخل كريم , ورغم ذلك بقيت زراعة التبغ في الساحل مصدرًا مكملًا للدخل، خاصة في القرى الأشد فقرًا، واستمرت المؤسسة كرمز لعلاقة الدولة التقليدية بالساحل السوري

مؤسسة ضرورة اجتماعية ..  ونكسة 2024 
 
بعد العام 2011 اكتسبت زراعة التبغ أهمية إضافية كمصدر دخل نقدي في اقتصاد حرب منهار ، لكن ضمن شروط أصعب ارتفاع تكاليف الإنتاج، تراجع القدرة الشرائية ، فبدت الريجي مرة أخرى كمؤسسة ضرورة اجتماعية، لا بسبب قوتها، بل بسبب غياب البدائل الاقتصادية في مناطق بقيت خارج أولويات الدوله . 
شكّل السماح للقطاع الخاص بإنشاء معامل وإلغاء حصرية المؤسسة في عام 2024 لحظة مفصلية في تاريخ الريجي والضربه القاضيه التي أطاحت بدورها كضامن لآلاف المزارعين وطرحت اسئله كبيره حول مستقبلهم فالقطاع الخاص، بطبيعته الربحية، سيشتري وفق الجودة والسعر والكلفة لا وفق الاعتبارات الاجتماعية التي حكمت عمل الريجي منذ تأسيسها وهذا يعني أن الزراعة الهامشية في القرى الجبلية قدأصبحت أقل جدوى، ما يهدد بتسارع الخروج من زراعة التبغ، وبالتالي فقدان أهم مصادر الدخل الزراعي في الساحل السوري




رؤية تنموية تعترف بتاريخ الساحل

اليوم في سوريا الحرة التي تبحث عن عقد اجتماعي جديد، يعود السؤال حول مستقبل الدور الاجتماعي الذي لعبته الريجي في الساحل السوري هل ينتهي هذا الدور بانتهاء الاحتكار أم يمكن إعادة تعريفه ليصبح جزءًا من مشروع تنمية محلية وجبر ضرر يعيد التوازن إلى منطقة دفعت أثمانًا بشرية واقتصادية باهظة . 
لم تخرج قرى الساحل السوري من الحرب كما دخلتها فقدت آلاف العائلات أبناءها وتآكلت الوظيفة العامة التي كانت تشكّل ركيزة دخل أساسية وارتفعت تكاليف المعيشة إلى مستويات أنهكتها فالقرى الجبلية التي عاشت تاريخيًا على هوامش التنمية الوطنية وجدت نفسها مرة أخرى أمام معادلة صعبة , أرض ضيقة الموارد وفرص محدودة، وذاكرة مثقلة بالآلام
لم تكن الريجي في الوعي الاجتماعي مجرد مؤسسة تحتكر شراء التبغ بل كانت منظومة دعم متكاملة بذار محسّنة، إشراف زراعي ميداني وتدريب على الجني والتجفيف والتخزين وشراء مضمون للمحصول , كانت تقدم للمزارع الصغير معادلة واضحة وبسيطة ازرع وستبيع , ورغم تواضع العائد شكّلت هذه المعادلة عنصر استقرار حقيقي لآلاف الأسر وأبقت الجبل مأهولًا بأهله . 
السلم الأهلي لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالأمان الاقتصادي اليومي حين يعرف الفلاح أن موسمه سيؤمّن دخلًا وحين تعمل العائلة كلها في دورة إنتاج واضحة، يتراجع القلق، وتستقر الحياة
كانت زراعة التبغ في الساحل أحد أشكال هذا الأمان عمل عائلي، دخل موسمي معروف، ارتباط بالأرض، وإحساس بأن للدولة دورًا داعما وضامنًا لا متفرجًا . 
اليوم، ومع التحولات الاقتصادية وفتح السوق أمام القطاع الخاص، لا يكفي الحديث عن تحرير اقتصادي مجرد , المطلوب رؤية تنموية تعترف بتاريخ الساحل السوري وبما تعرّض له أهله من تهميش واختلال في الفرص، وتضع إعادة بناء الاقتصاد الريفي في صلب مشروع التعافي الوطني عبر إعادة تفعيل الدور الإقتصادي الزراعي للريجي و التسويق التعاقدي وإعاده تشغيل المعامل المتوقفه الموزعه على كامل التراب السوري وتوفير فرص عمل لكل السوريين وهذا بدايه الطريق في اتجاه جبر الضرر الاقتصادي غير المباشر الذي تراكم عبر سنوات الحرب .
 
فالتنمية المحلية في الساحل ليست مسألة محصول فحسب، بل مسألة عدالة مكانية وتوازن اجتماعي , حين يُعاد توزيع الدخل على نطاق واسع في القرى، وحين تُخلق فرص عمل زراعية منتجة، يتعزز الشعور بالإنصاف، ويتراجع الاحتقان الصامت الذي تولده البطالة والهجرة القسرية وحين يعاد تشغيل المعامل تتعزز اللحمه الوطنيه وكل السوريين يعملون بشكل متكامل قسم يزرع ,قسم يتاجر , قسم يصنع , قسم يخطط ويدير , صوره براقه للوحده الوطنيه التي ميزت السوريين عبر تاريخهم وأصبحت شعارا لسوريا الحره ,الشعب السوري واحد واحد واحد

  الريجي : قصة علاقة بين دولة ومنطقة اجتماعية كاملة 

قصة الريجي ليست قصة قطاع زراعي فحسب، بل قصة علاقة بين دولة ومنطقة اجتماعية كاملة , حين كانت المؤسسة قادرة على أداء دورها، بقيت الزراعة خيارًا ممكنًا، وبقيت القرى نابضة بالحياة , وحين تراجعت، تراجعت معها القدرة على الصمود . 
الساحل السوري يقف اليوم أمام مفترق اقتصادي واجتماعي جديد , السؤال لا يتعلق فقط بمستقبل الريجي كمؤسسة، بل بمستقبل القرى الجبلية التي بُنيت حياتها حول دورة إنتاج واضحة ومضمونة وسوريين ينتظرون دوران الاتهم على مساحه الوطن . هل يقود فتح السوق إلى تحديث الصناعة الزراعية ضمن إطار يحمي المزارع الصغير والعامل المنتج أم نشهد خروجًا صامتًا لآلاف العائلات من أرض كانت لعقود مصدر استقرارها الاقتصادي والاجتماعي . 
الجواب لن تحدده السوق وحدها، بل الرؤية الوطنية للتنمية وجبر الضرر وبناء سلم أهلي حقيقي يبدأ من الحقل والمعمل لا من منصة الخطابه .


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق