سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:09/04/2026 | SYR: 22:58 | 09/04/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


 النخب العالمية... قوة النفوذ الفتاكة
09/04/2026      





من بين الأسئلة الكثيرة التي لا يمل الناس شرقاً وغرباً من طرحها على موائد النقاش، يتصدر سؤال "من يحكم العالم؟".

عادة تُستقبل علامة الاستفهام بطعم المؤامرة، والبحث عن تلك القلة التي تحكم الغالبية، وكأن الأمر يعيدنا إلى فكرة التضاد بين البلاشفة كأكثرية والمناشفة كأقلية.

لكن المؤكد أن التاريخ برمته، وإن لم يكن مؤامرة، لا يخلو من لمحات تُحاك فيها مؤامرات، فهو ليس فردوساً للأطهار دوماً، وليس مخطوفاً من رجالات النخب الظلامية إلى الأبد.

ما الذي فجر حديث النخبة أخيراً ويستدعي إعادة قراءة هذا الملف المثير؟

فتحت الأحاديث التي دارت بين المشاركين في قمة دافوس الأخيرة، ثم محادثات مؤتمر ميونيخ للأمن، الباب واسعاً أمام مساءلة الأيقونات، لا سيما العقول التي ترسم مسارات عالمنا المعاصر، وغيرهم ممن شكّلوا مدارات التاريخ في العصور الغابرة.

ويبرز هنا خطابان: الأول قدمه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن المفارقة بين العالم القديم ورؤيته للعالم الجديد، والثاني جاء على لسان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في شأن الحضارة الغربية وما يتصل بقدرتها على الصمود ومواجهة صحوة الشرق.

خُصص الخطابان لرؤساء وقيادات حكومية، وكبار رجال الرأسمالية العالمية، وقادة الجيوش، ورواد التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي.

وفي كل الأحوال، لا يمكن تجاهل دور المؤسسات الماورائية التي تجمع هؤلاء وأولئك في العلن والسر، مما يجعل العالم أكثر تعقيداً مما نظن، ويقدم رؤية مغايرة عن طبقة النخبة التي تدير أحوال عالمنا المعاصر.

من أين يبدأ المرء هذه المشاغبة الفكرية؟ ربما من تفكيك المعنى والمبنى لفكرة النخبة.


يُقال النخبة، وفي أحيان أخرى يُستخدم مصطلح الصفوة، وكلاهما يؤدي المعنى نفسه: مجموعة منتقاة بعناية تمثل خيار الناس وأحسنهم، أو أجود الأشياء وأفضلها.

يُطلق وصف النخبة عادة على فئة قليلة داخل المجتمعات تتسم بالكفاءة والندرة، والمهارة والقدرة على القيادة سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، وتمارس نفوذاً يتجاوز حدود الأفراد إلى فضاء الجماعات.

لغوياً، يشتق لفظ النخبة من الفعل "نخب" الذي يعني الانتقاء والاختيار، ونخبة القوم خيارهم، وغالباً ما تمتاز النخبة بمواهب خاصة من نفوذ وثروة، وتسيطر على موارد بعينها.

وتعرّف اللغات الأجنبية النخبة بأنها الجماعة المختارة، وتشير إلى مجموعة صغيرة من ذوي النفوذ أو الثروة، الذين يمتلكون قدراً كبيراً من الامتيازات والسلطة السياسية أو المهارات في مجتمعاتهم.

ويصف قاموس كامبريدج النخبة بأنها أفضل مجموعة تعليمية أو تدريبية في المجتمع.

في أوروبا ما قبل الحداثة، كانت النخبة تُعرف بالوراثة: سلالات نبيلة، وإقطاعيون، وعائلات ملكية. وكانت السلطة في الغالب تجري بين أيدي هذه الفئات، فيما ظلّت ركائزها تعتمد على ثلاثية تقليدية: الأرض بوصفها ثروة، والسيف بوصفه قوة، والدين بوصفه شرعية.

ومع ذلك، فإن النظر إلى النخب يحتاج إلى مزيد من التدقيق، فعبر التاريخ بلورت الإنسانية ما يمكن تسميته اليوم نظرية سياسية للنخبة، ومرّ تحت قوسها غالبية الأفراد والجماعات الذين وصلوا إلى دوائر الحكم ومناصب النفوذ، مما يعني أن مفهوم النخب وجد حاضنات فكرية وسياسية استقبلت أفراداً من وسط المجتمع، وعملت على ترفيعهم ووضعهم في القمة، ثم أورث هؤلاء بدورهم بذورهم النخبوية إلى أجيال لاحقة.

تغيرت ملامح النخب من عصر إلى آخر، لكن نظرية النخبة ظلت فاعلة حتى اليوم.

في كتابه "التواريخ" أشار المؤرخ والسياسي اليوناني القديم بوليبيوس (200 ق.م -120 ق.م) إلى ما يُعرف اليوم بنظرية النخبة، وقدمها ببساطة باسم "الحكم المطلق".

افترض بوليبيوس أن مصادر السلطة السياسية الثلاثة الأصلية: رجل واحد (الملكية)، وقلة من الرجال (الأرستقراطية)، وكثرة من الرجال (الديمقراطية)، ستتحول في نهاية المطاف إلى أشكال منحطة إذا لم يتحقق التوازن بينها في "حكومة مختلطة".

فستتحول الملكية إلى استبداد، والديمقراطية إلى "حكم الغوغاء"، والأرستقراطية إلى حكم الأقلية.

ويرى أن ذلك يعود إلى فشل تطبيق الضوابط والتوازنات بين الأشكال الثلاثة المذكورة، وكذلك بين المؤسسات السياسية اللاحقة.

لاحقاً مرت نظرية النخبة بمدارس فكرية عدة، مثل المدرسة الإيطالية ورموزها فيلفريدو باريتو، وجايتانو موسكا، وروبرت ميشيلز، وقد اعتبر الثلاثة أن القوة تكمن في مناصب السلطة داخل المؤسسات الاقتصادية.

ورأوا أن ما يميز النخب نفسياً هو امتلاكها موارد شخصية كالذكاء والمهارات ومصلحة راسخة في الحكم، بينما يفتقر عامة الناس إلى الكفاءة والقدرة على إدارة شؤونهم.

ومن هنا اتصلت نظرية النخبة بواقعنا المعاصر عبر عالم الاجتماع الأميركي سي. رايت ميلز، الذي أصدر كتاب "نخبة السلطة" عام 1956، وقدم فيه منظوراً سوسيولوجياً جديداً حول أنظمة السلطة في الولايات المتحدة، ولخصها في ثلاث جماعات: سياسية واقتصادية وعسكرية، تشكل كياناً مميزاً وإن لم يكن موحداً، يمتلك السلطة في الولايات المتحدة.

وذهب ميلز إلى أن مجموعات النخبة نشأت عبر عملية ترشيد شائعة في المجتمعات الصناعية المتقدمة، فمنذ الصغر يُعد أبناء الطبقة العليا عبر مدارس تحضيرية مرموقة تفتح لهم أبواب جامعات النخبة المعروفة باسم رابطة آيفي (جامعات اللبلاب)، مثل هارفارد وييل وكولومبيا وبرينستون، إضافة إلى نوادٍ حصرية.

اعتمدت النخب الأرستقراطية في أوروبا القرون الوسطى على التعليم في الحاضنات الأسرية ثم الجامعات الناشئة، بوصفه طريقاً لإعداد نخب تمسك بمفاصل الدول الكبرى.

ومع اختلاف السياقات، اتبعت النخبة الأميركية، منذ بدايات القرن الـ20، نهجاً مشابهاً.

في عام 2025 أجرى معهد "بيو" في واشنطن تحليلاً لخلفيات تعليمية لـ6141 من أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم، وخلص إلى أن عدداً محدوداً من الجامعات مسؤول عن تعليم النخبة العالمية، لا سيما جامعة هارفارد.

وبحسب عدد الخريجين الذين شغلوا مناصب رفيعة، جاءت هارفارد في المرتبة الأولى، تلتها ستانفورد، ثم إكسفورد، ثم بنسلفانيا، ثم كولومبيا، ثم ييل، ثم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ثم شيكاغو، ثم بيركلي.

وبحسب ميلز، يتلقى الرجال التعليم اللازم للحصول على امتيازات النخبة، بما يتيح لهم اكتساب خلفياتهم وعلاقاتهم، ويؤهلهم لدخول فروع النخبة الحاكمة الثلاثة:

- القيادة السياسية: تزعم ميلز أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح قادة الشركات أكثر بروزاً في العملية السياسية، مع تراجع دور صنع القرار المركزي لدى السياسيين المحترفين.

- الدائرة العسكرية: في خمسينيات القرن الـ20 تصاعد القلق في شأن الحرب، مما منح كبار القادة العسكريين وقضايا مثل تمويل الدفاع وتجنيد الأفراد أهمية بالغة.

وكان معظم قادة الشركات البارزين والسياسيين من المؤيدين للإنفاق العسكري.

- النخبة المؤسسية: وفقاً لميلز، حين كان التركيز على الجيش واضحاً، سيطر قادة الشركات العاملون مع ضباط عسكريين بارزين على وضع السياسات، وكانت المجموعتان تميلان إلى دعم بعضهما بعضاً.

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى فكرة النخبة في دولة إمبراطورية كالولايات المتحدة؟

يعني أن النخبة الحاكمة في أميركا تتكون في المقام الأول من قادة سياسيين، بمن فيهم الرئيس وعدد قليل من أعضاء مجلس الوزراء الرئيسين، إضافة إلى مستشارين مقربين، ومالكي ومديري الشركات الكبرى، وكبار الضباط العسكريين، وتميل النخب إلى التنقل بين القطاعات المختلفة، بما يعزز سلطتها.

ويبقى سؤال: هل النخبة العالمية الفاعلة واضحة على الصعيد الدولي، أم أن هناك ما ورائيات تبقى غير واضحة للعامة، ومساحة رمادية يجري العمل منها بالتنسيق بين النافذين وغير الظاهرين للعيان؟

يطول الحديث عن النخب الأرستقراطية في أوروبا القرون الوسطى وصولاً إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم إلى زمن ما بعد الحرب الباردة، حين بدا العالم أحادي القطبية، وبرزت نخبة عالمية مغايرة وأكثر فاعلية.

ومنذ بدايات تسعينيات القرن الماضي حتى منتصف العقد الثالث من القرن الـ21، أسهمت أجندات الأعمال العابرة للحدود في تشكيل الاستراتيجيات الكبرى للولايات المتحدة.

وفي المقابل، شكّلت سياسة "الإمبريالية ذات الباب المفتوح" مدخلاً للنخبة الأممية الجديدة، وتمكنت مصالح الشركات الصناعية الكبرى من التأثير على حوكمة الاتحاد الأوروبي وخطابه، ولعبت دوراً في إتمام السوق الداخلية.

وفي هذا السياق يؤكد الليبراليون الجدد الترابط العالمي بين الدول والمجتمعات والأسواق، ويرون أن الدول القومية تواجه تحديات متزايدة بفعل العمليات العابرة للحدود.

ولم تعد النخبة الحاكمة أفراداً وحسب، بل جماعات مؤسسية تدور في فلك الجهات النيوليبرالية العابرة للحدود، من شركات وجماعات ناشطة ومؤسسات ومنظمات غير حكومية ومؤسسات دينية ومنظمات إجرامية، وشبكات حكومية لمسؤولين محليين (بيروقراطيين وقضاة) ونظرائهم في الخارج.

وتشمل سياسيين واقتصاديين، وصحافيين يمينيين ورجال أعمال، لا سيما المنتمين إلى القطاع المالي (ومنهم محافظو بنوك مركزية أوروبية يشكلون مجتمعاً معرفياً).

ويمكن القول إن الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود، بما تضم من رؤساء تنفيذيين وشركات، تتجلى ضمن البرجوازية الغربية، لا سيما الأنجلو-أميركية أو الناطقة بالإنجليزية، وتتجلى شبكات الطبقات العابرة للحدود في جماعات ذات صبغة سرية، بوصفها شبكة عالمية راقية من الرأسماليين وغيرهم عبر بلدان ومناطق مختلفة.

ويتولى السياسيون والمجتمعات المعرفية (شبكات من المهنيين ذوي المعرفة والمهارة المعترف بها في مجال معين) إدارة كثير من المشكلات بصورة متزايدة، ووضع جداول الأعمال، والتأثير في عملية صنع القرار.

ويبقى السؤال: ما الدور المنوط بأصحاب الثروات؟ وهل تدير أموالهم العالم من وراء الستار وفقاً للتصور الرأسمالي التقليدي؟



المقطوع به تاريخياً أن أصحاب الثروات الطائلة يلعبون أدواراً محورية في قرارات عالمية مصيرية، وتُعد عائلات مثل روتشيلد ومورغان وروكفلر وغولدمان ساكس وليمان وكوهن لوب ووالتون وأرنو، وغيرها، من العائلات المؤثرة في اتخاذ قرارات دولية.

وفي هذا السياق يبرز تساؤل: هل حديث "النخبة الثلاثية" المالية العالمية حقيقة أم ترويج لفكر المؤامرة؟

اللجنة المقصودة تضم رجال أعمال أميركيين وأوروبيين ويابانيين، أي نخبة المثلث الرأسمالي العالمي. ويتزعم بعض الماركسيين الجدد أن اللجنة الثلاثية تقف وراء كل شيء تقريباً، وأنها فككت دول الرفاه السابقة ودعمت مشاريع الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ.

لكن القصة هنا متصلة بالواقع أكثر من اتصالها بأحاديث المؤامرة، إذ إن اللجنة منظمة دولية غير حكومية تضم مواطنين عاديين، أي غير مسؤولين في حكومات الدول الكبرى.

أُسست اللجنة الثلاثية عام 1973 بصورة رئيسة على يد المصرفي الأميركي ديفيد روكفلر، لمواجهة تحديات تزايد الترابط بين الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسين، وهدفت إلى تعزيز التعاون بين اليابان وأوروبا الغربية وأميركا الشمالية.

هل يمكن اعتبار مؤسسي اللجنة الثلاثية نخبة النخبة في تلك الحقبة التي اشتعل فيها الصراع بين حلفي وارسو والأطلسي؟

غالب الظن أن ذلك كذلك، ومن المؤسسين ديفيد روكفلر وزبيغنيو بريجنسكي وجيمي كارتر، ويقع مقر اللجنة الثلاثية في طوكيو وباريس وواشنطن العاصمة، وتمثل اللجنة مصالح تجارية وسياسية مؤثرة، ويبلغ عدد أعضائها قرابة 400 عضو، من بينهم شخصيات بارزة في السياسة والأعمال والمال والإعلام والأوساط الأكاديمية، وتعقد اجتماعها سنوياً.

ويبقى سؤال آخر: هل كانت هذه اللجنة درعاً صلبة في مواجهة محاولات الفكر الاشتراكي التغلغل في الربع الأخير من القرن الـ20؟ وهل عملت في الخفاء على إسقاط الأحزاب الشيوعية في غالبية دول الكتلة الشرقية وصولاً إلى انهيار جدار برلين عام 1989، وبداية عالم تحكمه نخبة قادرة على صنع التحولات الكبرى؟

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 صدر كتاب بعنوان "لعبة المطلعين: كيف تصنع النخب الحرب والسلام".

المؤلفة إليزابيث سوندرز، عالمة سياسة أميركية وأستاذة العلوم السياسية في جامعة كولومبيا في نيويورك، تتناول في أطروحتها دور النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، وكيف تعتمد هذه النخب على علاقاتها ونفوذها لتشكيل الرأي العام وتوجيه السياسات الخارجية وإدارة الصراعات أو التهدئة بناء على مصالح خاصة ومؤسسية، بما يمنحها تأثيراً يتجاوز المؤسسات الديمقراطية التقليدية.

وتوضح سوندرز كيف تعمل النخب بوصفها "مطلعين" (Insiders) داخل مراكز صنع القرار، مثل البنتاغون ومراكز الأبحاث والشركات الكبرى، لتوجيه السياسة الخارجية نحو الحرب أو السلام، بما قد يتناقض أحياناً مع رغبة الجمهور.

كثيراً ما طُرح سؤال بلا جواب واضح: ما الذي يعوق السلم ويعزز قرارات الحرب، لا سيما في الدول الديمقراطية الكبرى كالولايات المتحدة؟

ترى سوندرز أن هذه النخب تدعم القادة السياسيين والعسكريين في اتجاه تصعيد الصراعات، بل مواصلة الحرب على رغم معارضة شعبية قوية أو متصاعدة، كما فعل ليندون جونسون وريتشارد نيكسون في المراحل الأخيرة من حرب فيتنام، وباراك أوباما في أفغانستان.

وتجادل بأن قرارات القادة الديمقراطيين في شأن الحرب لا تأتي من الشعب، بل من النخب، مما يجعل الحرب "لعبة داخلية".

كذلك ترى أن النخب مجموعة متباينة قادرة على التأثير ليس فقط في قرار خوض الحروب، بل أيضاً في كيفية سيرها، وقد تؤدي هذه اللعبة أحياناً إلى تواطؤ النخب مع القادة في تصعيد حرب ذات آفاق ضئيلة، وقد تؤدي أحياناً إلى خفض التصعيد أو إنهاء الصراع.

ويثير كتاب سوندرز مخاوف من احتمال أن تتصادم الديمقراطيات يوماً، بما يهدد واحدة من أكثر أفكار المدرسة الليبرالية انتشاراً في السياسة الدولية، وهي أن "الديمقراطيات لا تقاتل بعضها"، وترتبط هذه الفكرة بالفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الواردة في كتابه "السلام الدائم".

قال كانط "إن العالم المكون من جمهوريات، التي يجب على مواطنيها أن يتحملوا بؤس القتال وتمويل الحروب، سيكون أكثر سلاماً من عالم مكون من إمبراطوريات، يستطيع زعماؤها خوض الحروب من دون أن يخافوا من محاسبة".

أما سبب "خيانة" النخبة، فترجعه سوندرز إلى ثلاث مجموعات توسوس في أذن القيادات الديمقراطية: مستشارو الرئيس، وعادة هم آخر من يتكلم في أذن صانع القرار، والمشرعون الذين ييسرون شرعية القرار، والمسؤولون العسكريون الذين يتولون قيادة المعارك.

لكن قراءة الكتاب تترك تساؤلاً حول جانب لم تتوسع فيه المؤلفة، ويتصل بالنخبة التقنية الجديدة، وكيف بات تأثيرها عبئاً على الديمقراطيات.

الأوليغارشيون الجدد واللعبة الكبرى

هل يمكن إرجاع فكرة "الأوليغارشيين الجدد" إلى الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، كما نُسبت فكرة المجمع الصناعي العسكري إلى الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور؟

يجمع بين الرجلين أن التحذير جاء في خطاب الوداع، محذراً من تبعات سيطرة أقلية على إرادة الأغلبية.

لم يعد سراً أن شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى تعزز عملياتها في واشنطن العاصمة، فعلى سبيل المثال، تُعد "غوغل" من كبرى الشركات إنفاقاً في العاصمة، بينما تدخل "فيسبوك" و"أمازون" ضمن قائمة الـ20 الأوائل.

في أميركا اليوم يعد المال وقود السياسة، ويملك الأوليغارشيون منه أكثر من غيرهم، في عاصمة تشبه، في بعض وجوهها، منطق الحرس الإمبراطوري الروماني حيث تُشترى الولاءات مقابل المال.

ويعرّف المؤرخ الأميركي جيفري وينترز حكم الأقلية بأنه يقوم على "تركيزات هائلة" للسلطة والثروة، وسواء في أثينا وروما القديمتين، أو في نيويورك ولندن المعاصرتين، تميل هذه الطبقة العليا إلى "مقاومة غير عادية" لأي تشتت جذري للسلطة.

وفي الوقت الراهن تشير دراسة حديثة للبنك الدولي إلى أن الأقلية التكنولوجية الصاعدة استفادت من "احتكارات طبيعية"، أي السيطرة على ما يقارب 80 إلى 90 في المئة من معظم الأسواق الرقمية العالمية الرئيسة، بما يوسع الفجوة الطبقية ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في أنحاء العالم.

ومن هنا تبدو غاية النخبة في الأنظمة الأوليغارشية الحفاظ على سلطتها، فبمجرد انطفاء أضواء الإعلام وانتهاء مرحلة التظاهر، تستطيع النخبة الأوليغارشية مواصلة لعبة مزدوجة، بالتحالف مع المدافعين عن رأس المال وضخ الأموال في مراكز الأبحاث المحافظة.

هل خرجت طموحات النخبة التقنية من نطاق المال إلى نطاق الهيمنة على الحياة السياسية؟

ما جرى ويجري في الولايات المتحدة خلال الأعوام القليلة الماضية يوحي بذلك.

فعلى سبيل المثال لم يعد سراً أن النخبة التقنية تسعى إلى تعزيز نفوذها داخل الحزب الديمقراطي، وحاولت ذلك في عهد باراك أوباما، التي وُصفت إدارته بأنها "إدارة أندرويد".

وأبدى التقنيون الجدد اهتماماً مبكراً بجو بايدن، ثم علّقوا آمالاً واسعة على كامالا هاريس، التي تربطها علاقات بشركات الإعلام الكبرى وشركات الاتصالات وهوليوود، وقبل كل شيء وادي السيليكون.

وفي المقابل بدا واضحاً أن النخبة التقنية الأوليغارشية سعت إلى إضعاف دونالد ترمب، الذي يرونه مستفزاً، لا سيما أنه لا يدين لهم بشيء.

ومن هنا يمكن طرح سؤالين: هل تتحرك النخبة وفق نموذج نمطي داخل الولايات المتحدة؟ وهل تهدد هذه النخبة الحريات الأميركية التقليدية، بما يجعلها عقبة في مسار الديمقراطية الأميركية؟

في تقرير مطول لصحيفة "ديلي بيست" الأميركية، بتاريخ الـ22 من يوليو (تموز) 2019، بعنوان "ما لم نوقفهم"، برزت مخاوف أميركية داخلية من تأثير أصحاب النفوذ التقني في الديمقراطية الأميركية، لا سيما أن المشهد يستحضر محاولات سابقة لنخبة أميركية مختلفة.

وذكّر التقرير بمحاولة أول ملياردير في تاريخ الولايات المتحدة، جون روكفلر، السيطرة على توزيع الطاقة من خلال شركة "ستاندرد أويل"، وفي وقت لاحق سيطرت الشركات الثلاث الكبرى على صناعة السيارات، كانت هذه الشركات قوية، لكنها لم تستطع، مثل "غوغل"، ابتكار خوارزميات تحدد ما يراه الناس، بحيث لا تقتصر على المصالح التجارية بل تشمل أيضاً التوجهات السياسية، وبذلك يذكّر ما تفعله شركات التكنولوجيا كثيراً من الأميركيين بما تفعله الصين للسيطرة على الأفكار ومراقبتها، وهي ممارسات تساعد فيها أحياناً شركات التكنولوجيا الأميركية نفسها.

ويعني ذلك، وفق التقرير أن "الأوليغارشيين الأنيقين" المتعلمين قد يشكلون تهديداً أكبر للحريات المستقبلية من مروجي الأخبار الكاذبة.

كذلك يذهب التقرير إلى أن الولايات المتحدة تشهد سيطرة مركزية متزايدة من قبل عدد قليل من الشركات، ويحصل ما يقارب ثلثي القراء على أخبارهم عبر "فيسبوك" و"غوغل".

هل تمتد هذه المخاوف إلى ما بعد ترمب؟

قالت "ديلي بيست" إنه بعد نهاية ولاية ترمب قد يستحوذ أمثال جيف بيزوس ولورين جوبز، أرملة ستيف جوبز، على ملكية وسائل الإعلام التقليدية المتراجعة.

وتضيف أن جوهر المشكلة في حال النخبة التقنية الجديدة هو أن الوسيلة الرئيسة لتكوين ثرواتهم تنبع من استغلال البيانات الشخصية، وهو ما يسميه جاك ما، مؤسس شركة "علي بابا"، "كهرباء القرن الـ21".

ونقل التقرير عن أحد المحللين قوله "تعمل الآن كحراس رقميين يسيطرون على احتكارات إلكترونية، تهدف إلى مراقبة حياتنا بطرق تثير حتى إعجاب الصينيين المهووسين بالتجسس".

هل أضحت قضية النخب العالمية تهديداً كونياً لا يقل خطورة عن نخب الحروب في القرون الوسطى؟

اندبندنت عربية 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

سورس_كود



Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس