تصاعد الخلافات بين "شيفرون" وإدارة كاليفورنيا
وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد الخلافات بين "شيفرون" وإدارة كاليفورنيا، إذ دفعت الولاية بتشريعات بيئية صارمة تهدف إلى الحد من انبعاثات الكربون وتسريع الانتقال إلى السيارات الكهربائية، وهو ما رأته شركات النفط تهديداً مباشراً لمصالحها. في حين يعكس قرار "شيفرون" الانقسام المتزايد بين الولايات ذات التشريعات البيئية الصارمة مثل كاليفورنيا، وتلك التي تواصل دعم الصناعات التقليدية مثل تكساس، مما يؤكد استمرار بحث شركات النفط الكبرى عن بيئة تنظيمية أكثر مرونة ودعماً لاستثماراتها في الطاقة الأحفورية بعيداً من الضغوط المتزايدة للحد من الانبعاثات الكربونية.
وفي مكالمة هاتفية مع المستثمرين في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، انتقد الرئيس التنفيذي لشركة "شيفرون"، مايك ويرث، السياسات التنظيمية الصارمة في كاليفورنيا، قائلاً "إن وضع البيروقراطيين في مسؤولية التخطيط المركزي لقطاعات رئيسة من الاقتصاد لم ينجح في ولايات اجتماعية أخرى، لذا أشك في أن الأمر سيكون مختلفاً في كاليفورنيا".
وتأتي تصريحاته في ظل تصاعد التوترات بين قطاع النفط وإدارة الحاكم غافين نيوسوم، التي اتخذت خطوات أكثر عدوانية من أي ولاية أخرى لدفع المستهلكين بعيداً من الوقود الأحفوري. وتشمل هذه السياسات حظر بيع السيارات العاملة بالبنزين بحلول عام 2035، إلى جانب قوانين تلقي اللوم على شركات النفط في ارتفاع أسعار الوقود داخل الولاية، ونتيجة لذلك أصبحت السيارات الكهربائية تمثل أكثر من ربع مبيعات السيارات الجديدة في كاليفورنيا.
ورداً على تصريحات ويرث، قال المتحدث باسم مكتب الحاكم، دانييل فيلاسينور، لصحيفة "وول ستريت جورنال"، إن "شيفرون" لديها "مستقبل في مجال الطاقة النظيفة في كاليفورنيا"، مضيفاً "يمكنهم الانضمام إلينا في انتقالنا الثابت والطويل الأجل نحو ولاية تعتمد على الطاقة النظيفة". وأشار مكتب الحاكم إلى أن نيوسوم يتذكر تبادلاته النصية مع ويرث الصيف الماضي بأنها كانت ودية، على رغم الانقسام الواضح بين الطرفين حول سياسات الطاقة والمناخ.
وتصاعد الخلاف حول السياسات إلى مواجهة شخصية في سبتمبر (أيلول) 2023، عندما بدا أن الحاكم غافين نيوسوم يتهم الرئيس التنفيذي لشركة "شيفرون" مايك ويرث، بالتورط في واحدة من أسوأ الكوارث التي شهدتها كاليفورنيا.
وفي إشارة إلى حريق الغابات عام 2018 الذي أودى بحياة 85 شخصاً في بلدة بارادايس، اتهم نيوسوم ويرث بالتركيز على مكافآت المساهمين أكثر من الاستثمار في تطوير الطاقة المنخفضة الكربون، وهو ما رآه تناقضاً مع وعود "شيفرون" بخفض الانبعاثات الكربونية.
وأضاف الحاكم أن العواقب المترتبة على ما وصفه بـ"خداع الشركة" كانت "لا تقدر بثمن، سواء من جهة الخسائر المالية أو الأرواح التي فقدت أو الجنازات أو الجثث التي امتلأت بها بارادايس."
وأدلى غافين نيوسوم بهذه التصريحات اللاذعة خلال إعلانه عن دعوى قضائية ضد "شيفرون" وشركات نفط كبرى أخرى، متهماً إياها بخداع الجمهور في شأن تغير المناخ، وأوضح المتحدث باسم مكتب الحاكم، دانييل فيلاسينور، أن نيوسوم لم يكن يتهم "شيفرون" أو مسؤوليها التنفيذيين "بأي شيء أكثر من الفشل في مواجهة واقع أزمة المناخ،" ولم ترد شركة "شيفرون" على تصريحات نيوسوم.
وقبل انتخابات الخامس من نوفمبر 2024 لم تكن علاقة الحاكم المتوترة مع قطاع النفط تشكل تهديداً سياسياً كبيراً له، لكن بعد فوز دونالد ترمب بدأ بعض المشرعين الديمقراطيين في إدراك أن كلفة الطاقة المرتفعة في كاليفورنيا أصبحت عبئاً سياسياً، وفقاً لاستشاريين سياسيين من كلا الحزبين.
وعند اندلاع حرائق الغابات في منطقة لوس أنجليس الشهر الماضي، ربط غافين نيوسوم بصورة مقتضبة بين شركات النفط والكوارث البيئية، في إشارة إلى الحريق الذي أودى بحياة 29 شخصاً. وشكر حاكم تكساس، غريغ أبوت، عبر منصة "إكس" على تقديم الدعم عبر إرسال فرق إطفاء ومعدات، قائلاً "في مثل هذه اللحظات، نحن نتوحد بغض النظر عن الانتماءات الحزبية."
ويقول مستشارون سياسيون إن نيوسوم يبدو كأنه مستعد لتولي دور قيادي داخل الحزب الديمقراطي، إذ أجرى اتصالاً مع حلفائه الديمقراطيين في اليوم التالي للانتخابات الرئاسية، وبدأ في تعزيز صورته كخصم سياسي لترمب.
أما الآن، حول نيوسوم تركيزه من المواجهة السياسية مع ترمب إلى إدارة جهود التعافي من الحرائق، وفي الأربعاء الماضي التقى الرئيس الأميركي في المكتب البيضاوي لمناقشة الإغاثة الفيدرالية للكوارث.
طلاق مكلف
كما هي الحال مع الانفصالات الكبرى يبدو أن الانقسام بين كاليفورنيا و"شيفرون" سيكون مكلفاً للطرفين، ففي حال قررت "شيفرون" بيع منشآتها القديمة لإنتاج الوقود، سيكون من الصعب إيجاد مشترٍ لهذه الممتلكات التي تمتد على نحو 4 آلاف فدان في شمال وجنوب كاليفورنيا.
وكان الطلب على البنزين في كاليفورنيا العام الماضي أقل بنسبة 10 في المئة مقارنة بعام 2019، ويرجع ذلك بصورة كبيرة إلى زيادة عدد المركبات الكهربائية على الطرق وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعملون من المنزل، وفقاً للجنة الطاقة في الولاية.
وقال محللو صناعة الطاقة إن التنظيمات، إضافة إلى تراجع الطلب، أسهمت في خفض استكشاف النفط في كاليفورنيا، ففي عام 2023 كان أكثر من 75 في المئة من نفط الولاية مستورداً من ألاسكا ودول أخرى مثل العراق والسعودية والبرازيل والإكوادور.
تأسيس "شيفرون" في كاليفورنيا
عام 1876 حفرت أول بئر نفط ناجحة في جبال سانتا سوسانا شمال لوس أنجليس، وأدت هذه الاكتشافات إلى تأسيس "شيفرون" وأطلقت طفرة نفطية ساعدت في دعم اقتصاد الولاية لأكثر من قرن وحافظت على أسعار الغاز منخفضة عقوداً، وتتمتع كاليفورنيا بأسعار البنزين الأعلى مقارنة بكل الولايات الأميركية باستثناء هاواي.
ويلقي نيوسوم والمسؤولون الآخرون في الولاية اللوم على صناعة النفط، ووضعت "شيفرون" بوضع لافتات في محطات البنزين تقول "المشرعون في كاليفورنيا هم من يرفعون أسعار الغاز"، وفي رسالة مرتبطة برموز الاستجابة السريعة (QR Codes) دعت السائقين للتقدم بشكاوى مباشرة إلى المشرعين.
وعارضت "شيفرون" وشركات النفط الأخرى قانوناً جديداً في كاليفورنيا يمنح الجهات التنظيمية سلطة إلزام المصافي بالحفاظ على مستويات معينة من المخزونات في خزانات التخزين، وهو ما يأمل المشرعون في أن يساعد في الحد من زيادات الأسعار في محطات الوقود بسبب نقص الإمدادات، وعلى مستوى الولاية تراجع عدد المصافي العاملة إلى 14 مصفاة العام الماضي من 40 مصفاة عام 1983، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعد يومين من توقيع نيوسوم على القانون، أغلقت شركة "فيليبس" 66 مصفاة لها في جنوب كاليفورنيا، وقال الرئيس التنفيذي للشركة مارك لاشيير، في ذلك الوقت، إن القرار كان مبنياً بصورة عامة على تراجع الطلب وسياسات الولاية التي تهدف إلى تقليص استخدام الوقود الأحفوري، وأضاف لاشيير "كنا نتوقع أن يكون سوق التكرير في كاليفورنيا صعباً للغاية في المستقبل".
وبلغ إنتاج النفط في الولاية ذروته في أوائل عام 1986 بأكثر من مليون برميل يومياً، وفي نوفمبر 2024، وكان الرقم نحو 279 ألف برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ عام 1981، ويعزى ذلك إلى شيخوخة حقول النفط، وتقتصر عمليات البحث عن اكتشافات جديدة على عدد قليل من فرق الحفر.
وقال رئيس شركة "ليبو" للنفط في هيوستن آندي ليبو "لماذا التعامل مع كاليفورنيا بينما يمكنك الذهاب إلى تكساس أو نيو مكسيكو؟ لديك كمية محدودة من رأس المال ووقت محدود في اليوم".
وفي الأعوام الأخيرة خسر كثير من المرشحين المدعومين من شركة "شيفرون" وشركات النفط الأخرى في انتخابات الولاية، مما أضعف النفوذ السياسي الكبير الذي كانت تتمتع به الشركة، للمرة الأولى، رفضت غالبية الديمقراطيين الذين ترشحوا في انتخابات الولاية عام 2023 قبول أموال الحملة من شركات النفط، وفقاً لمنظمة الناخبين البيئيين في كاليفورنيا غير الربحية.
ترمب حليف قوي لصناعة النفط
ومن المتوقع أن تكون إدارة ترمب حليفاً قوياً للصناعة، فبعد أربعة أيام من عودة ترمب إلى المكتب البيضاوي، قالت إدارته في ملفات قانونية إن وكالة حماية البيئة (EPA) ستراجع قرارها بمنح كاليفورنيا إعفاءً يسمح لها فعلياً بحظر بيع السيارات التي تعمل بالبنزين بحلول عام 2035، وتحديد معايير أكثر صرامة لانبعاثات المركبات.
وأقر عضو الجمعية في كاليفورنيا، غريغ هارت، الذي قدم مشروع القانون العام الماضي، بأن شركات النفط تكره القانون، وقال هارت إن كاليفورنيا تحاول زيادة عدد الأشخاص الذين يشترون السيارات الكهربائية، مع توفير الغاز بأسعار معقولة للسيارات التقليدية، وهي أهداف تبدو متناقضة.
وفي حفل أداء اليمين في الجمعية التشريعية في كاليفورنيا في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2024، قال رئيس الجمعية روبرت ريفاس، إن ولاية كاليفورنيا ستستمر في قيادة الأمة في مجال تغير المناخ "لكن ليس على حساب الفقراء والعاملين، وليس من خلال الضرائب أو الرسوم لبرامج لا تعمل، وليس من خلال حظر مشاريع الإسكان والبنية التحتية الحيوية".
وفي الأعوام الأخيرة تجنب نيوسوم لوبي شركات النفط ونادراً ما استقبل كبار التنفيذيين في شركات النفط، وتقول شركات النفط إن اتهامات نيوسوم حول خداع الصناعة والاستغلال في الأسعار قد أصابت الموظفين بالإحباط وجعلت من الصعب جذب موظفين جدد.
وقالت كاثرين ريهايس-بوييد، التي كانت تشغل منصب رئيسة جمعية نفط غرب الولايات المتحدة لفترة طويلة، إنها لم تواجه أي صعوبة في إقامة علاقات مع حكام سابقين، وخلال زيارة نيوسوم إلى فلوريدا عام 2022، في سياق احتمال ترشحه للرئاسة، أنفقت جمعيتها ما يقارب مليون دولار على إعلانات في الصحف والإذاعة والتلفزيون تنتقد الحاكم بسبب ارتفاع أسعار الطاقة في كاليفورنيا، وكان نيوسوم غاضباً من ذلك، وفقاً لما قاله أشخاص مطلعون على الأمر للصحيفة.
وتقول وكالات الطاقة في الولاية والتنفيذيون في شركات النفط، بما في ذلك "شيفرون"، إنهم يحاولون العمل معاً للحفاظ على استقرار وتوافر إمدادات الطاقة في كاليفورنيا بأسعار معقولة، على رغم اختلافاتهم السياسية.
لكن يبدو أن الوقت قد فات لإصلاح العلاقات مع عملاق النفط الذي غادر، إذ كان لديه نحو 2000 موظف في مقر الشركة في كاليفورنيا الصيف الماضي، وتتبع "شيفرون" بذلك خطوات شركات مثل "تيسلا" و"سبيس إكس" و"أوراكل" و"هيوليت باكارد" التي انتقلت من كاليفورنيا إلى تكساس.
وفي الـ27 من يناير (كانون الثاني) الماضي، قدم السيناتور الديمقراطي في الولاية سكوت وينر ونائب آخر مشروع قانون يسمح لأصحاب المنازل وشركات التأمين بمقاضاة شركات النفط والغاز عن الأضرار الناتجة من الكوارث المرتبطة بتغير المناخ، مثل الحرائق.
وقال وينر "من خلال إجبار شركات الوقود الأحفوري التي تسبب أزمة المناخ على دفع حصتها العادلة، يمكننا المساعدة في استقرار سوق التأمين لدينا وجعل ضحايا الكوارث المناخية يعوضون عن خسائرهم".
في حين قال مكتب نيوسوم إن الحاكم لا يعلق عادة على التشريعات المقترحة أو التي هي قيد النظر.
اندبندنت عربية