
سيرياستيبس
كتب مصطفى عبد السلام :
ما أشبه الليلة بالبارحة، فأجواء شهر رمضان 2026 هي نفسها أجواء هذا الشهر خلال العقد الأخير وربما الذي قبله، ورمضان هذا العام يأتي وسط أجواء قلق وتوتر مشحونة بالضغوطات المعيشية والأزمات المالية لمعظم الأسر في تلك المنطقة المنكوبة من الكرة الأرضية بمن فيهم هؤلاء المنتمون إلى الطبقة الوسطى، فما بالنا بالطبقات الفقيرة والفئات الهشة وذات الدخل المحدود وتلك التي تفتقد إلى دخل منتظم وعمل دائم.
ونظرة إلى الواقع نجد أن هناك ملايين الأسر التي تصرخ في صمت، وأن آلاف الآباء والأمهات يخفون دموعهم عن ذويهم وأطفالهم عندما يعجزون عن تلبية أبسط احتياجاتهم اليومية والحياتية من المأكل والمشرب، وعزة النفس تحول دون جهر معظم هؤلاء بالعوز والحاجة وتمنعها من مد يدها لمن حولها، اقتراضاً وسلفاً أو طلباً للمساعدة، والقبضة الأمنية في بعض دولنا تحول من دون أن يعبر هؤلاء حتى عن حالتهم البائسة في العلن والتظاهر وسط الشارع، والتعبير على صفحات الجرائد وفي الفضائيات رفضاً لتلك الحالة المزرية.
وعلى مستوى الأسواق نجد أن هناك حركة ثقيلة في أسواق السلع والخدمات، حيث لا بيع أو شراء، حركة هي أقرب إلى الركود وربما الكساد والشلل التام في بعض الدول، في ظل موجة ارتفاع جديدة وملحوظة في أسعار كل أنواع السلع وفي المقدمة السلع الغذائية، واللحوم الحمراء والخضروات والفواكه قبيل حلول الشهر الكريم.
وفي المقابل نجد أن جيوب المواطن خاوية من السيولة النقدية مع قدرة شرائية متهاوية من الأصل وفي أدنى مستوياتها، في ظل أسعار سلع لا تريد مراوحة مكانها رغم وعود رسمية متواصلة بخفضها، وأرفف مليئة في بعض الأحيان بكل أنواع السلع، لكنها لا تجد مشترين وتبحث عمن يحركها من مكانها، ومحال ومولات تجارية تحولت إلى ساحة شيك لعرض السلع وليس بيعها، وهناك أسر باتت تزور الأسواق للفرجة وليس للشراء، وحكومات نفضت يدها من ملف مكافحة الاحتكارات داخل الأسواق وإعادة الأسعار إلى رشدها وسابق عهدها، وأحياناً ترمي الفتات للملايين معتبرة أنه إنجاز غير مسبوق رغم أنه لا يساوي كيلو لحمة وربما أقل، ومرات تتفاخر بأن مخزون السلع الاستراتيجية آمن ويغطي أشهراً طويلة، وهذه ربما تكون حقيقة، لكن في المقابل نجد أن هذا المخزون لا يصل للمستحقين، وربما يعرف طريقه إلى السوق السوداء ويقع بين أيدي المحتكرين وأصحاب النفوذ.
أسر أخرى تلجأ لسياسة تخزين السلع خوفاً من حدوث قفزات أخرى خلال شهر رمضان، وهو ما يضغط على الأسواق ويغذي التضخم، وبعضهم يقاطع الأسواق في ظل انتشار الفوضى
حتى الجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني التي كانت تمد يدها لملايين العائلات والأسر الفقيرة خلال هذا الشهر فقد تراجع نشاط العديد منها لأسباب عدة منها تراجع التبرعات، وفقدان ثقة المتبرعين في بعضها مع تفشي الفساد، والضربات الأمنية التي تتلقاها بعض تلك الجمعيات من وقت لأخر تحت عنوان علاقتها بالإرهاب والعنف.
في ظل تلك الأجواء الصعبة تلجأ معظم الأسر إلى ترشيد النفقات بدرجة كبيرة في ظل ضخامة الالتزامات المالية المطلوبة خلال هذا الشهر وتحوله لدى الكثيرين من شهر للصوم إلى ذروة الإنفاق الموسمي، ملايين العائلات تغلق أبوابها على نفسها متحلية بفضيلة الستر وعزة النفس، وأسر أخرى تلجأ لسياسة تخزين السلع خوفاً من حدوث قفزات أخرى خلال شهر رمضان، وهو ما يضغط على الأسواق ويغذي التضخم، وبعضهم يقاطع الأسواق في ظل انتشار الفوضى التي تمر بها مع تغول الاحتكارات وموجات الغلاء غير المسبوقة وأحياناً الشح الواضح في الإمدادات وانتشار الأسواق العشوائية.
التضخم وغلاء الأسعار باتا يلازمان الأسواق في رمضان منذ سنوات طويلة، والمستهلك فقد الأمل في انتهاء تلك الموجة رغم تراجع أسعار الأغذية ومشتقات الطاقة في الأسواق العالمية، والحكومات تغذي تلك الحالة ربما عمداً حتى ترهق المواطن وتستنزفه مالياً وتغرسه في واقع معيشي معقد يلهيه عن متابعة ما يدور حوله أو التعرف على أصول وثروات بلاده وحقه في الاستفادة من تلك الأصول مباشرة.
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=127&id=204563