باعة رمضان الموسميون بدمشق.. قصص شباب يبحثون عن رزقتهم في الشارع
25/02/2026
سيرياستيبس
لا يبدو "أحمد" متقناً للحرفة بعد، فهذا أول رمضان يبدأ فيه بيع "خبز الناعم"، الذي تعده الأسرة، من أجل دعم اقتصاد العائلة وتأمين مصروفه الشخصي. لكنه خلال يومين، صار محترفاً، يعرف كيف يرشّ دبس التمر على أرغفة الناعم، قبل أن يضعها في كيس ويناولها للزبائن.
وتتنوع المهن الموسمية المرتبطة بالشهر الكريم، تبعاً للمنطقة والسوق الذي توجد فيه، فهناك باعة العصائر، مثل العرقسوس والتمر هندي والجلّاب، إلى جانب باعة عصير البرتقال أو الرمان وبسطات المعروك والتمر والفواكه. مهن مؤقتة تختفي مع نهاية شهر رمضان، لكنها تضيف مشهداً جميلاً للطقوس العامة المتوارثة خلال هذا الشهر.
باعة خبز الناعم في رمضان
يفضل أحمد أن يأتي بأرغفة "الناعم" مقلية جاهزة، لا ينقصها سوى رشّ دبس التمر والوضع ضمن أكياس، قبل تسليمها للزبائن. لأن الإتيان بقدر مخصص للقلي إلى الشارع، يتطلب المزيد من المعدات، ويحتاج أكثر من عامل على البسطة.
ويتصدر الأطفال قائمة الباعة الموسميين، فهناك طلاب المدارس الذين يفرّغون ساعتين يومياً من أجل الوقوف على البسطة والبيع، ويردد هؤلاء مقولة: "بحصة تسند الجرة"، مؤكدين أن شهر رمضان شهر الخير والبركة، وأن الله سيمنّ عليهم برزق وفير.
منافسة صعبة مع أصحاب المحلات
لكنّ منافسة بسطات الباعة الموسميين، للباعة المحترفين أصحاب المحلات المعروفة والشهيرة، تبدو صعبة جداً. فالجميع يفضل الشراء من أماكن معروفة ببضاعتها الجيدة المصنوعة من مواد عالية المستوى.
ويختار الباعة الموسميون، أماكن بعيدة عن أصحاب المحلات الشهيرة، حتى يتمكنوا من البيع بسهولة وسرعة، وكي لا يقع المستهلك في معادلة الاختيار بينهم وبين الباعة الدائمين، فتراهم موزعين على المفارق وفي الساحات، وعند مواقف السرافيس، وعلى الطرق التي تشهد ازدحاماً كبيراً، ليكسبوا الزبائن المستعجلين قبل موعد الإفطار، الذين لا وقت لديهم للذهاب إلى الأسواق.
فئات مختلفة وأسعار متفاوتة
ومثلما يمكن تقسيم الباعة إلى طبقات، تبعاً للبضاعة ومكان البيع، فإن السعر يتفاوت أيضاً، بين باعة البسطات، وباعة المحلات، فالقطعة الواحدة من المعروك في المحلات، تصل لأكثر من 20 ألف ليرة، بينما باعة البسطات يفضلون "اللقمة الصغيرة"، فتميل قطع المعروك لديهم للحجم الصغير، كما أنها غير محشوة بالشوكولاتة الفارهة أو المكسرات، إذ غالباً ما يكتفون بالقليل من التمر، يناسب سعرها الزهيد الذي يصل إلى 7 آلاف ليرة، تبعاً لنوعها.
يقول أحد الزبائن، إنه لا يستطيع شراء شراب العرقسوس من أي مكان، فهذا المشروب له أسلوب مختلف بالنقع، كما تختلف سويته حسب نوعية جذور السوس المستخدم. ويضيف: "شراب السوس يكون أسود اللون عادة، لكنك تراه بنياً عند باعة البسطات، بسبب استخدام مواد أولية درجة ثالثة".
عثرات يعاني منها الباعة الموسميون
يواجه الباعة الموسميون جملة من الصعوبات، في مقدمتها ضعف الخبرة ومحدودية رأس المال اللازم لتجهيز البسطة على نحو مهني. ويظهر ذلك بوضوح في غياب معايير السلامة والنظافة، إذ لا يرتدي بعضهم القفازات، ولا يخصصون مريولاً للطهي، كما يغيب استخدام القبعات التي تحمي الطعام من التعرض للملوثات.
وتقول إحدى المستهلكات، إنها حتى الآن لم تستوعب فكرة وضع العصائر ضمن أكياس نايلون!. وتضيف: "ألم يستطيعوا اختراع علبة أو قنينة مناسبة يقدمون فيها العصير، عوضاً عن كيس النايلون الذي لا يغري بالشراء".
معدات "استعارة" أو بسطات مشتركة
وتنشأ قبل بداية شهر رمضان من كل عام، شراكات بين الأصدقاء الشباب، من أجل تأسيس بسطة تبيع مادة معينة قبل الإفطار وبعده. بحيث يتكفل كل شخص بتقديم مبلغ من المال، أو شيء من المعدات، ليقسم الربح بينهم حسب نوعية المشاركة ونسبتها.
في هذا الإطار، قد يصادف الزائر بائع عصير يستخدم آلة عصر برتقال استعارها من أحد جيرانه، على أن يسدد قيمتها المتفق عليها مع نهاية الشهر. ويشير أحد البائعين إلى أن شراء العصارة لا يبدو خياراً منطقياً من أجل موسم قصير لا يتجاوز شهراً واحداً، لذلك يختار استئجارها، طامحاً إلى تحقيق دخل كافٍ يغطي كلفة الاستئجار ويمنحه هامش ربح مقبول.
باعة الطبخات الشعبية عبر الإنترنت
كما تنشط خلال شهر رمضان المبارك، مهنة بيع الطبخات الشامية الشعبية، مثل "المقلوبة والكوسا بلبن والكبة والمناسف والكبسة واليالنجي والفتوش"، مع إتاحة خدمة التوصيل إلى المنازل.
لكن أصحاب هذه المهنة، يعانون أيضاً من سيطرة أصحاب المحلات الشهيرة، فهمنتهم بحاجة لمزيد من الوقت، لكسب الزبائن وتكوين السمعة الطيبة. لكن غالباً ما ينتمي أولئك لفئة الباعة الدائمين عبر الإنترنت. حيث يعتبر التسويق الناجح أهم مقومات الاستمرار في هذه المهنة.
ويغيب أصحاب البسطات والباعة الموسميون بشكل كامل، عن بيع الطبخات الشامية الشهيرة، نظراً لكلفتها العالية، وصعوبة إنجازها وإقناع الزبائن بها، حيث يفضل الجميع شراءها من المحلات الشهيرة.
رمضان كريم والخير يعمّ الجميع
يردد أحمد عبارة تختصر قناعته: "أخي ما حدا بياخد غير رزقته.. اللي الله كاتبلك ياه بدك تاخدو وبس"، وهو يعقد مقارنة بين بسطته المتواضعة وواجهات المحال الفارهة.
وتبدو القناعة في شهر رمضان سيدة الموقف، إذ يسود اعتقاد راسخ بأن "من الطيب نصيباً" لكل إنسان، سواء كان معدماً أم فقيراً أم من ذوي الدخل المحدود، أو حتى من أصحاب المشاريع الكبيرة. هذه النظرة الإيمانية تمنح كثيرين دافعاً للاستمرار في العمل، وتبقي عجلة الحياة دائرة رغم صعوبة الظروف.
تلفزيون سوريا
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=128&id=204650