طبول الحرب في الشرق الأوسط… هل يقفز النفط إلى مستويات قياسية؟
01/03/2026
:سيرياستيبس
:كتب الاعلامي غالب درويش
تدخل أسواق الطاقة مرحلة شديدة الحساسية عقب الضربة العسكرية الأميركية- الإسرائيلية على طهران والرد الإيراني الذي
طاول عواصم خليجية مع استعداد المتداولين لاحتمالات تصعيد أوسع بين واشنطن وطهران.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أشار إلى أنه "غير راضٍ" عن مسار المفاوضات، مما زاد من حدة القلق في الأسواق العالمية.
وقفز خام غرب تكساس الوسيط في آخر تداولات الأسبوع الماضي بنسبة 2.8 في المئة ليغلق فوق 67 دولاراً للبرميل، مسجلاً أعلى تسوية له منذ أغسطس (آب) عام 2025، في تحرك اعتبره مراقبون بداية تسعير أوسع للأخطار الجيوسياسية.
وقال محللون نفطيون لـ"اندبندنت عربية" إن المشهد لم يعُد محكوماً بمعادلات العرض والطلب وحسب، بل بات أسير اعتبارات أمنية مباشرة، مؤكدين أن العالم يقف أمام مرحلة "انعدام استقرار" قد تعيد رسم خريطة التسعير في المدى القريب.
وأوضح المحللون أن المسار التصاعدي للأسعار يبدو شبه حتمي إذا استمرت المواجهات في منطقة الخليج العربي، مشيرين إلى أن الأسواق تترقب "عواصف سعرية" بعد فترة هدوء موقت، وبيّنوا أن القفزة الأخيرة تمثل بداية انتقال السوق من مرحلة الحذر إلى مرحلة تسعير الأخطار الفعلية.
وأضافوا أن المستويات الحالية لم تعُد مجرد "علاوة حرب" نفسية، بل تعكس مخاوف حقيقية تتعلق بأمن الإمدادات واحتمالات تعرض ناقلات النفط لتهديدات ميدانية، مما قد يفتح الباب أمام "انفجار سعري" يمتد أثره إلى كلفة التأمين والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.
وأشاروا إلى أن أي تهديد للملاحة في الممرات الحيوية، حتى إن لم يصل إلى تعطل كامل، كفيل بمضاعفة الضغوط على السوق، في ظل تسارع بعض الدول والمصافي إلى تعزيز المخزونات كإجراء تحوطي.
وفي المقابل، لفت المحللون إلى أن قدرة تحالف "أوبك+" على إدارة الإمدادات قد تشكل عامل توازن في حال حدوث تعطل جزئي، مؤكدين أن التحالف يظل أحد أهم صمامات الأمان في مواجهة الصدمات المفاجئة.
ويرى المحللون أنه إذا بقيت العمليات العسكرية ضمن نطاق محدود ولم تستهدف البنية التحتية النفطية مباشرة، فقد نشهد تصحيحاً تدريجياً يعيد الأسعار لأساسيات العرض والطلب، إلا أن استمرار التهديدات الأمنية قد يؤجل أية عودة سريعة للاستقرار.
وختموا بأن الاتجاه النهائي للأسعار لن تحدده التصريحات السياسية وحدها، بل حجم التعطل الفعلي في الإمدادات ومدى اتساع رقعة التصعيد، في مشهد تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع معادلات الطاقة على نحو غير مسبوق.
متغيرات جارية
وأوضح المدير العام السابق لتسويق النفط في وزارة الطاقة العمانية علي الريامي أن سلطنة عمان تتابع عن كثب المتغيرات الجارية في أسواق الطاقة العالمية، مؤكداً على نهج السلطنة المتزن في التعامل مع حصص الإنتاج والأسعار.
وأشار إلى أن العوامل الجيوسياسية والاقتصادية الحالية تفرض نوعاً من التذبذب في الأسعار، إلا أن آليات "أوبك+" أثبتت فاعليتها في الحفاظ على توازن السوق واستقراره بما يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء.
وأضاف أن الوزارة تعمل وفق استراتيجية واضحة لتعظيم القيمة المضافة من الموارد الطبيعية، مشدداً على أن تسويق النفط والغاز العماني يعتمد على عقود طويلة الأمد توفر الاستدامة والموثوقية للشركاء الدوليين.
ولفت الريامي إلى أن التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة والتحول الطاقي لا يعني الاستغناء عن النفط والغاز في المدى القريب، بل يتطلب استثمارات أكثر ذكاءً لتقليل الانبعاثات الكربونية الناتجة من عمليات الاستخراج والتسويق.
وأكد الريامي أن سلطنة عمان ملتزمة بتعهداتها الدولية، وتسعى دائماً إلى تطوير قطاع الطاقة ليكون ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق رؤية عمان 2040.
عواصف سعرية
بدوره أكد المحلل النفطي كامل الحرمي أن المشهد الحالي في أسواق الطاقة يشوبه كثير من الحذر، معتبراً أن إغلاق الأسواق العالمية اليوم السبت ويوم غدٍ الأحد يمثل "هدوءاً موقتاً" يسبق العواصف السعرية المتوقعة.
وأوضح أنه في حال نشوب صراعات عسكرية في منطقة الخليج العربي، فإن أسعار النفط ستتخذ مساراً تصاعدياً حتمياً وبمعدلات قياسية، إذ تتجاوز المخاوف مجرد نقص الإمدادات لتصل إلى احتمالات تعرض ناقلات النفط لهجمات مباشرة أو أخطار أمنية عالية.
وأشار إلى أن الأسواق تتجه نحو حال من "الانفجار السعري" بغض النظر عن طبيعة التهديدات الملاحية، إذ ستمتد الارتفاعات لتشمل كلفة التأمين على الناقلات، مما يعني زيادة في الكلفة في الاتجاهات والقطاعات المرتبطة بالشحن كافة.
ولفت الحرمي إلى أن الاستراتيجية المتبعة حالياً من قبل الفاعلين في السوق ستتركز على "التزود المطلق" بالخام، إذ تبرز الحاجة الملحة إلى ملء الخزانات والمستودعات الاستراتيجية وتأمين خروج الناقلات من منطقة الخليج العربي إلى المياه المفتوحة في أسرع وقت ممكن لتجنب الوقوع في مناطق التوتر.
وأكد أننا نعيش في مرحلة "انعدام استقرار" تتطلب التعامل مع شحن النفط وتصديره خارج الخليج كأولوية قصوى ومهمة وطنية واقتصادية لا تحتمل التأخير، في ظل تسارع وتيرة الاحتمالات والأخطار.
رسم خريطة
وبذلك أعادت الضربة العسكرية الأخيرة في الخليج رسم خريطة تسعير النفط فوراً، إذ تحوّل النقاش داخل كبرى المؤسسات المالية من فائض المعروض المتوقع عام 2026 إلى حجم علاوة الحرب التي باتت المكون الأساس في سعر البرميل.
وعلى رغم أن إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) لا تزال تبقي على متوسط سعر برنت عند 58 دولاراً للبرميل لعام 2026 استناداً إلى فائض معروض يقدر بنحو 3.1 مليون برميل يومياً، فإنها تؤكد أن أي تعطل مستدام للإمدادات أو طرق الشحن يمثل خطراً صعودياً مباشراً يهدد هذا السيناريو.
في المقابل، رفع بنك "غولدمان ساكس" توقعاته لخام برنت خلال الربع الرابع من عام 2026 إلى 60 دولاراً، مشيراً إلى أن انخفاض مخزونات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية جعل السوق أكثر حساسية لأي اضطراب جيوسياسي، مع تقدير علاوة مخاطرة بنحو ستة دولارات للبرميل.
وقدر بنك "جيه بي مورغان" ضمن مذكرة حديثة بأن علاوة الأخطار الجيوسياسية الحالية تراوح ما بين سبعة وتسعة دولارات، محذراً من أن الخطر الحقيقي يكمن في صدمة لوجستية إذا امتد التصعيد إلى ممرات شحن الطاقة الدولية، مما قد يدفع الأسعار فوراً إلى نطاق 75–80 دولاراً.
أما وكالة "ستاندرد أند بورز غلوبال"، فأشارت إلى أن كلفة التأمين على ناقلات النفط في الخليج قفزت 15 في المئة منذ الضربة، مما يدعم بقاء الأسعار فوق مستوى 70 دولاراً كقاع سعري جديد، في ظل تعرض صادرات إيران البالغة 3.3 مليون برميل يومياً لأخطار مستمرة.
وترى وحدة الأبحاث في بنك "باركليز" أن أي استهداف مباشر لأصول نفطية سيجعل أساسيات السوق غير ذات صلة، مع احتمال دفع برنت سريعاً نحو 85 دولاراً نتيجة شراء تحوطي مكثف.
وفي سيناريو فقدان الصادرات الإيرانية بالكامل، تتوقع وكالة "بلومبيرغ أن إي أف" ضمن تقرير حديث لها تحول الفائض المتوقع إلى عجز حاد، مع متوسط 71 دولاراً خلال الربع الثاني و91 دولاراً خلال الربع الرابع من عام 2026، بينما قد يؤدي إغلاق مضيق هرمز (الذي تمر عبره 20 في المئة من الإمدادات العالمية) إلى تجاوز الأسعار 120 دولاراً للبرميل.
ويذهب بنك "إس إي بي" في مذكرة بحثية جديدة إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن إزالة 9 ملايين برميل يومياً من السوق قد ترفع الأسعار إلى 150 دولاراً، في صدمة عرض لا يمكن احتواؤها إلا عبر سحب واسع للاحتياطات الاستراتيجية.
وترى مؤسسة "فيتش سوليوشنز" أن علاوة الحرب أصبحت المحرك الرئيس للسوق، واضعة هدفاً عند 82 دولاراً إذا استمر التصعيد أسبوعاً إضافياً، في حين يحذر "كوميرز بنك" من أن السوق لم تحتسب بالكامل أخطار الهجمات السيبرانية أو التخريب التقني للمنشآت النفطية.
وبذلك تنقل الضربة العسكرية على إيران السوق النفطية من مرحلة مراقبة التوتر إلى مرحلة تسعير فعلي للأخطار، لتصبح الجغرافيا السياسية (لا فائض المعروض) العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار الأسعار خلال المرحلة المقبلة.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=136&id=204690