الطبقة الوسطى تتآكل ..
خبير سورية تواجه أزمة أمن غذائي هيكلية تهدد التعافي




سيرياستيبس 


أوضح الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن تقرير برنامج الأغذية العالمي لشهر يناير 2026 يرسم صورة معقدة للأمن الغذائي في سورية، تجمع بين بارقة أمل محدودة وتحذيرات جادة من انهيار وشيك.

ولفت إلى أن التقرير أظهر تحسناً نسبته سبع نقاط مئوية في الأمن الغذائي، لكنه حذر في الوقت ذاته من تهديد نحو 100 ألف امرأة وطفل جراء احتمال قطع المساعدات الدولية.

ويرى أستاذ الاقتصاد أن ما يثير القلق أكثر هو انضمام الطبقة الوسطى إلى دائرة الفقر، حيث تشير الأرقام إلى أن أكثر من 80% من الأسر تعاني من عجز غذائي نوعي، بما يفوق بكثير نسبة الفقر المدقع التقليدية.

وقال: «الطبقة الوسطى التي كانت تعتمد على دخل ثابت من موظفين ومهنيين وصغار التجار، وجدت نفسها أمام تضخم يلتهم القوة الشرائية بسرعة تفوق أي زيادة محتملة في الدخل»، ومع استمرار الأزمة، تضطر هذه الأسر إلى بيع مدخراتها من ذهب وعقارات وأراضٍ لتأمين الغذاء، ما يسحبها تدريجياً نحو دائرة الفقر بعد أن كانت تملك ما يشبه “وسادة أمان”.

تغيير نمط الاستهلاك وانعكاساته

وأوضح محمد أن مؤشراً دقيقاً على هذا التحول يكمن في تغيير نمط الاستهلاك، حيث تنتقل الأسر من استهلاك البروتينات الحيوانية والخضروات المتنوعة إلى الاعتماد على النشويات والبقوليات الرخيصة، مضيفاً: التقرير يتحدث عن احتياجات غذائية متنوعة وكافية، وهو بالضبط ما كانت الطبقة الوسطى قادرة على تأمينه سابقاً وتعجز عنه اليوم، مشيراً إلى أن هذه التحولات لا تنحصر في الجانب الاقتصادي فحسب، بل تحمل آثاراً نفسية واجتماعية، فتراجع القدرة على الاكتفاء الذاتي يخلق صدمة اجتماعية تؤدي إلى تراجع رأس المال الاجتماعي، وضعف المشاركة الاقتصادية، وزيادة التوترات المجتمعية، ما ينعكس سلباً على مناخ الاستثمار والإنتاج.

تحديات التعافي

وأكد محمد أن هذه الأرقام تشير إلى أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة إنسانية مؤقتة، بل أصبحت أزمة هيكلية تعيد تشكيل المجتمع السوري، فقد دخلت الطبقة الوسطى في دائرة الفقر، وتآكل رأس المال البشري نتيجة سوء التغذية المزمن، وتدمير البنية التحتية الإنتاجية كلها عوامل تجعل التعافي المستقبلي أبطأ وأكثر تكلفة مما تتوقعه النماذج التقليدية.

وأضاف: إن التحسن المسجل يعتمد بشكل كبير على التدخلات الإنسانية المباشرة، مثل دعم الخبز والمساعدات الطارئة، وليس على انتعاش حقيقي في القدرات الإنتاجية المحلية، ما يجعل أي تراجع في التمويل الدولي يؤدي فوراً إلى فقدان هذه المكتسبات.

وأضاف: إن التحسن المسجل يعتمد بشكل كبير على التدخلات الإنسانية المباشرة، مثل دعم الخبز والمساعدات الطارئة، وليس على انتعاش حقيقي في القدرات الإنتاجية المحلية، ما يجعل أي تراجع في التمويل الدولي ـ والذي يقدر بنحو 100 مليون دولار كفجوة تمويلية مهددة بالانقطاع ـ يؤدي فوراً إلى فقدان هذه المكتسبات.

وأشار محمد إلى أن استمرار نموذج “الإسعاف الدائم” غير مستدام اقتصادياً أو اجتماعياً، وأن المطلوب هو دمج المساعدات الإنسانية بسياسات حماية اجتماعية دائمة، وربط الأمن الغذائي بالإنعاش الاقتصادي عبر الاستثمار في سلاسل القيمة الزراعية ودعم الصناعات الغذائية الصغيرة وإعادة تأهيل نظم الري، كمدخل لخلق فرص عمل مستدامة وتحريك العجلة الاقتصادية، كما شدد على أهمية الضغط الدولي لضمان استقرار التمويل، فالفجوة المالية ليست مجرد رقم، بل مسألة حياة أو موت لملايين السوريين.

وختم محمد بالقول: يبقى الأمن الغذائي في سورية مرهوناً بقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من منطق “الإطفاء” إلى منطق “البناء”، وقدرة الاقتصاد السوري على استعادة دورته الإنتاجية الطبيعية، فالأرقام الحالية تشير إلى أن نصف الطريق نحو المجاعة تم قطعه، والنصف الآخر يتطلب إرادة سياسية وتمويلاً مستقراً ورؤية تنموية شاملة تضع المواطن السوري في قلب المعادلة، ليس كمتلقٍ للمساعدات، بل كمشارك فاعل في عملية التعافي والإعمار.

الوطن



المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=127&id=204934

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc