الاستهداف الإيراني للشركات الأميركية في الخليج يهدّد بنزوح رؤوس الأموال
18/03/2026
سيرياستيبس
تزيد التهديدات الإيرانية المباشرة باستهداف فروع بنوك وشركات أميركية عاملة في دول الخليج، المخاطر في بيئة استثمارية كانت حتى الأسبوع الماضي تحظى بثقة عالية من رأس المال الغربي، مع تأثير محتمل على حجم الاستثمارات الأميركية في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والخدمات المالية. غير أن الاستثمارات الأميركية في قطاع الطاقة الخليجي تظل أكثر استقراراً، بفضل الروابط طويلة الأجل والاعتماد المتبادل.لذلك، يحافظ تقرير وكالة "فيتش" العالمية الصادر قبل أيام على نظرة محايدة لقطاع الشركات في عام 2026، متوقعاً استمرار تدفقات الاستثمار في الغاز والبتروكيماويات، رغم ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية، حسب تقرير نشرته صحيفة "ذي إيكونوميك تايمز" في 12 مارس/آذار الجاري.
في المقابل، يعرض الاستهداف الإيراني الفعلي للبنية الرقمية، كما في الهجمات على مراكز بيانات "أمازون" و"مايكروسوفت"، استثمارات تكنولوجية بقيمة 30 مليار دولار لخطر التعطيل، ما دفع شركات مثل "أوراكل" و"غوغل" إلى إعلان مراجعة خطط التوسع في الخليج، وفقاً لما أورده تقرير نشرته "ذي إيكونوميك تايمز" في 12 مارس/ آذار الجاري.وفي قطاع الخدمات المالية، تحولت التهديدات إلى واقع ميداني، مع تحذيرات "الحرس الثوري الإيراني" من استهداف بنوك مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في الخليج، ما أدى إلى تشديدات أمنية واسعة وإغلاقات احترازية لبعض الفروع في دبي والدوحة. وهذا الاستهداف المباشر، الذي ربطته طهران بقصف بنوك إيرانية، يرفع كلفة الامتثال الأمني ويدفع بعض المؤسسات إلى التفكير في نقل عملياتها إلى مراكز أبعد عن خطوط التصعيد.فـ"الحرس الثوري الإيراني" لم يكتفِ بالتصريحات، بل قصف فرع بنك "سيتي بنك" الأميركي في دبي، ردا على ضربات أميركية إسرائيلية استهدفت بنوكاً في العاصمة طهران. وقال الجنرال علي محمد نائني، ممثل فيلق الحرس الثوري: "إذا كرر العدو هذه الخطوة"، فإن جميع فروع البنوك الأميركية في المنطقة ستصبح أهدافا مشروعة لطهران.
اقتصاد عربي
اتحاد الغرف الخليجية يبحث تداعيات الحرب في المنطقة
واعتبر الحرس الثوري بالفعل فروع البنوك الأميركية في الخليج جزءاً من "بنك أهداف" مشروع، وربط ذلك مباشرة بقصف مبانٍ مصرفية إيرانية في طهران. وتضمنت إجراءات بنوك عالمية في دبي والدوحة تشديدات أمنية وإغلاقات احترازية لبعض الفروع، مع الإشارة إلى تهديدات إيران باستهداف مؤسسات مالية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في الخليج، من دون تأكيد واسع على تنفيذ ضربات ناجحة ضد فروع بنوك أميركية محددة بالاسم في دول مجلس التعاون، بحسب تقرير نشرته منصة "موني كونترول" في 15 مارس الجاري.وعلى سبيل المثال فقد قرر سيتي غروب وستاندرد تشارترد إخلاء مكاتبهما في دبي وإبلاغ الموظفين بالعمل من المنزل في إطار تشديد البنوك لإجراءاتها الاحترازية عقب تحذير إيراني من استهداف بنوك تتعامل مع الولايات المتحدة أو إسرائيل في المنطقة.ومن شأن استمرار هذه الاعتداءات الإيرانية أن يؤدي إلى صدمة مباشرة لاقتصادات الخليج، عبر ارتفاع تكاليف التأمين وتعطّل سلاسل الخدمات، مع تأثير خاص على المراكز المالية في دبي والرياض، حيث يتركز نحو 70% من النشاط المصرفي الأجنبي.
خيار وحيد
في هذا الإطار، يشير الأستاذ في كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد، المدير العام السابق في البنك المركزي العراقي، محمود داغر، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أنه لا يزال من المبكر الحكم على حدوث تغيرات اقتصادية عميقة وجذرية في المنطقة، معتبراً أن التأثير الحالي للحرب يتمحور حول إعادة صياغة التفكير الاقتصادي وعلاقات دول الخليج بالشركات الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ويؤكد داغر أن استمرار بقاء النظام الإيراني بسلوكه الحالي و"رعونته" الواضحة في استهداف المنطقة يجعل الخيار الوحيد والسليم للاقتصاد الخليجي هو إنهاء هذا التهديد بشكل حاسم، وهو ما سيعزز بدوره العلاقات الاقتصادية بين حكومات الخليج والشركاء الغربيين، حسب تقديره.وفي سياق التطور الاقتصادي الخليجي، يلفت داغر إلى أن الإنجازات التي حققتها هذه الدول لم تعد تنحصر في الجانب النفطي التقليدي، بل توسعت لتشمل مراكز سياحية ومالية متقدمة، وصولاً إلى شراكات استراتيجية في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ويرى أن الاستمرار في هذا النهج التنموي الطموح يستدعي بالضرورة مواجهة الخطر الإيراني الذي يلوح في الأفق بين فترة وأخرى. كما يعتبر أن انتهاء المعارك، سواء بتغيير سلوك النظام الإيراني أو رضوخه للإرادة الدولية، سيمثل نقطة تحول كبرى نحو تعزيز وتعميق الشراكة الاقتصادية الغربية-الخليجية.
عن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في الخليج
وعلى صعيد سلاسل الإمداد، يقر داغر بوجود تأثيرات سلبية ناتجة عن الحرب، لكنه يستدرك بأن معظم دول الخليج تمتلك منافذ بديلة تطل على المحيط الهندي أو البحر الأحمر، إلى جانب امتلاكها مصدّات مالية ضخمة تمكّنها من تجاوز تداعيات تعطل بعض خطوط الإمداد. في المقابل، يلفت داغر إلى أن العراق قد يكون الأكثر تضرراً بين دول المنطقة، نظراً لانخفاض مرونته اللوجستية وقدرته المحدودة على التعامل مع اختلالات سلاسل الإمداد، مقارنة بجيرانه الذين يتمتعون ببنية تحتية أكثر تنوعاً وقدرة مالية أعلى على امتصاص الصدمات.
مراكز بديلة
في السياق، يشير الخبير في الاقتصاد الدولي، دانيال ملحم، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن الحرب لا تزال مستمرة، من دون أفق واضح لنهايتها قريباً، ما يجعل الحكم على مصير الاستثمارات الأميركية الضخمة والمتجذرة في المنطقة، خصوصاً في قطاعي البنوك والتكنولوجيا، أمراً سابقاً لأوانه. ويوضح ملحم أن هذه الاستثمارات بُنيت على رؤى طويلة الأمد تمتد لنحو 30 عاماً، وعلى ثقة متبادلة في استقرار الأمن الخليجي، ما يجعل من غير المرجح هجرتها فوراً إذا كانت الحرب قصيرة. أما في حال استمرار التصعيد، فقد يدفع ذلك بعض الشركات إلى تقليص اعتمادها على الكوادر غير الضرورية أو نقل مقارها الكبرى نحو مراكز بديلة مثل سنغافورة على المدى المتوسط، بينما قد تعود الأمور سريعاً إلى طبيعتها إذا انتهت الأزمة خلال أسابيع، وفق تقديره.ويشير ملحم إلى أن اقتصادات دول الخليج تتمتع بمرونة عالية وتنوع اقتصادي، بعيداً عن الاعتماد الأحادي على النفط، مدعومة باحتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية وصناديق سيادية قادرة على دعم خطط التنمية مثل "رؤى 2030 و2035" رغم التحديات.
الخليج العربي شريان الغذاء العالمي
ويضيف أن دول الخليج تمتلك أدوات مالية متنوعة، مثل إصدار السندات أو بيع حصص في الصناديق الاستثمارية، للتعامل مع أي أزمة مؤقتة، مؤكداً أن السياسات الاقتصادية الممتدة لسنوات طويلة تجعل من الصعب تصور هجرة كاملة للاستثمارات الأميركية، خاصة في القطاعات الحيوية.وفي ما يتعلق بقطاعي التكنولوجيا والبنوك، يبرز اختلاف جوهري، إذ قد تشهد البنوك تقلبات وهجرة جزئية، بينما تواجه شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي صعوبات كبيرة في الانتقال، نظراً لاعتمادها على الطاقة الضخمة المتوفرة في الخليج، إضافة إلى متطلبات السيادة الرقمية التي تفرض وجود مراكز البيانات داخل الحدود الوطنية. كما أن القيود المرتبطة بالطاقة والمياه تجعل من شبه المستحيل نقل هذه البنى التحتية بسهولة إلى دول أخرى، ما يبقيها مستقرة نسبياً في المنطقة حتى مع طول أمد الحرب.وعلى صعيد الأسواق المالية، يتوقع ملحم موجة من التقلبات الحادة تطاول قطاعات العقارات والسياحة وبعض شركات النفط، في حين قد تستفيد شركات مثل "أرامكو" من ارتفاع الأسعار العالمية واستمرار الإنتاج. ويؤكد أن تدفقات رأس المال ستتجه جزئياً نحو الملاذات الآمنة، لكن التأثير لن يكون موحداً، بل سيعتمد على قدرة كل شركة على التكيف مع بيئة الحرب والحفاظ على سلاسل الإمداد. وفي المحصلة، يرى ملحم أن سلاسل الإمداد تمثل الحلقة الأضعف في هذه الأزمة، سواء في ما يتعلق بتوافر السلع الغذائية أو تصدير النفط، مشيراً إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن في نقص السلع بقدر ما يتمثل في ارتفاع تكاليف النقل والشحن، وهو ما سينعكس سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين، ويجعل إدارة سلاسل التوريد الاختبار الأصعب.
العربي الجديد
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=131&id=204939