سلالة بهلوي من الجد إلى الحفيد: نزعة فارسية ضد العرب
01/04/2026
سيرياستيبس
منذ العام 1925، صعدت عائلة بهلوي إلى السلطة في إيران، أو ما يعرف بالإمبراطورية الفارسية، وأسست لحكم مركزي على حساب الأقاليم المختلفة في البلد المترامي الأطراف.
كانت البلاد قبل ذلك تحكم لقرون من قبل السلالة القاجارية التركمانية، لكن الانقلاب الذي قاده رضا خان بهلوي، بخلفيته العسكرية، سيدخلها في منعطف يعيد تشكيل خريطتها المجتمعية وصورتها السياسية وموقعها الإقليمي، لعدة عقود مقبلة، تولى فيها العرش ابنه الشاه محمد رضا، قبل أن تخرجه منه ثورة الملالي عام 1979، وتخرج معه وريثه المحتمل رضا الحفيد.
في ما يلي عرض لسيرة إيران الحديثة، من خال سيرة آل بهلوي:
الشاه رضا: جدّ رضا بهلوي
كان رضا خان بهلوي –جدّ رضا بهلوي، المعارض الحالي للنظام الإيراني– حارساً لإسطبل السفارة الهولندية في طهران. وبعد فترة، التحق بلواء الكازاخ في الجيش القاجاري بطهران، ووصل إلى رتبة "ميربانج"، وهي أعلى رتبة عسكرية في هذا اللواء، ثم أصبح عميداً للجيش بأكمله. وفي عام 1922، قام، بالتعاون مع ضياء الدين الطبطبائي، بانقلاب عسكري ضد السلالة القاجارية التركمانية، صاحبة الفضل عليه.
وفي عام 1925، عندما كان رئيساً للوزراء، قاد الجيش الإيراني وزحف إلى الأحواز والمحمّرة، فاحتل إمارة عربستان، بعد أن كانت معترفاً بها كإمارة ذات حكم ذاتي واسع من قبل ملوك القاجار.
وبعد أشهر، توّج نفسه شاهاً على إيران، منهياً بذلك نحو ألف عام من الحكم التركي على بلاد فارس. إذ أحاط نفسه بحلقة من النخب القومية الفارسية المشبعة بالأفكار الشوفينية المعادية للعرب، وقام بتحويل التقويم القمري إلى الشمسي، واستبدل بالأسماء العربية للأشهر القمرية أسماءً زرادشتية لأشهر السنة الـ12.
وقد جرى تغيير أسماء جميع المدن الأحوازية من العربية إلى الفارسية، وكذلك تغيير اسم المحافظة من "عربستان" إلى "خوزستان"، في حين بقيت أسماء المحافظات الأخرى تدل على هوية الشعوب التي تقطنها، مثل بلوشستان، ولورستان، وكردستان، وجهارمحال وبختياري، وجيلان، وأذربيجان، وتركمان صحراء.
وفي وقت لاحق، استمر تغيير أسماء المدن والقرى والأنهار والمواقع الجغرافية خلال عهد ابنه محمد رضا شاه، وكذلك في عهد الجمهورية الإسلامية، حتى بلغ عددها نحو 200 اسم.
وانطلقت المساعي الإيرانية لتطهير عربستان (الأحواز) من العرب عبر استراتيجية سياسية استُخدمت فيها تكتيكات عسكرية وأمنية، ارتُكبت خلالها عدة مجازر ضد الأحوازيين، مسجلة في التواريخ الفارسية. وكانت الخطوة الأولى في هذا المسار إسقاط الحكم العربي هناك.
ومع صعود نجم أدولف هتلر والحزب النازي، شعر الشاه رضا بهلوي بقرابة فكرية بين أفكاره العنصرية وأفكار النازية، فاقترب منهم. ومن المعروف أن ألمانيا النازية أسهمت في إنشاء سكك الحديد بين المحمّرة وطهران، ولا يزال يُرى حتى الآن عدد من الصلبان المعقوفة على السطح السفلي لسقف محطة قطارات طهران المركزية.
ولا يزال هناك حيّ قريب من المحطة يُعرف باسم "نازي آباد"، أي المنطقة التي عمّرها النازيون. كذلك قلّص الشاه عطلة العيدين الإسلاميين، الأضحى والفطر، من ثلاثة أيام إلى يوم واحد.
الشاه محمد رضا بهلوي: "شرطي الخليج"
تبنّى الشاه محمد رضا بهلوي سياسات قومية راديكالية سعت إلى تمجيد الحضارة الفارسية القديمة (ما قبل الإسلام)، وعمل على تعزيز الهوية الفارسية لإيران على حساب القوميات غير الفارسية، مستنداً إلى رموز الإمبراطورية الأخمينية.
ففي أكتوبر (تشرين الأول) 1971، أقام احتفالات أسطورية قرب أطلال برسيبوليس، لإحياء الذكرى الـ2500 لتأسيس الإمبراطورية الفارسية على يد كورش الأخميني. وقد عُرف الحفل ببذخه الخيالي، ووُصف بأنه من أغلى الاحتفالات في التاريخ، حيث أُقيمت مدينة من الخيام الفاخرة، واستُقدم مشاهير العالم، ما أثار انتقادات واسعة وأسهم في تعميق الفجوة بين الشاه وشعبه، ممهداً لسقوط العرش.
كذلك تبنّى الشاه خطاباً قومياً "آرياً" يضع التراث الفارسي في مرتبة أعلى من المحيط العربي. وقد صرّح مرة لصحافي أوروبي بأن إيران وقعت، بالصدفة، في هذه البقعة من العالم، وبما أنها من العرق الآري، كان ينبغي أن تكون في أوروبا. وسعى نظامه إلى "تطهير" اللغة الفارسية من المفردات العربية، واستبدالها بكلمات فارسية قديمة بشكل مفرط.
وتتضح نظرة الاستعلاء والفوقية في ما نُقل عنه في مجالس خاصة وأدبيات تاريخية، إذ استُخدمت عبارات توصف بالاحتقار للعرب، مثل وصفهم بـ"أكلة الجراد" أو "الحفاة"، تعبيراً عن رؤية إمبراطورية ترى إيران قوة إقليمية متفوقة حضارياً.
وكان يرى نفسه "حارس الخليج"، ما ولّد شعوراً بالغطرسة تجاه دول الخليج، التي كان يعتبرها في بعض الأحيان مجرد "ساحة خلفية" لإيران.
وقد كانت تدخلاته السياسية والثقافية والعسكرية معروفة في المنطقة؛ إذ دعم الشيعة الذين كان يقودهم الإمام موسى الصدر في لبنان، وكذلك بعض الأحزاب المسيحية هناك، كذلك قدم المساعدة العسكرية واللوجيستية للحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي بقيادة مصطفى البارزاني، ضد حكومة أحمد حسن البكر في بغداد.
وأشار بعض الباحثين الإيرانيين إلى الطابع الإمبريالي لنظام الشاه محمد رضا بهلوي. فقد نشر الباحث المقيم في ألمانيا، بهمن نيروماند، في عهد الشاه، كتاباً بعنوان "إيران: دولة إمبريالية فعلاً"، عرض فيه خصائص السياسات الإمبريالية للنظام. وقد ورثت الجمهورية الإسلامية، بدرجات متفاوتة، بعض هذه الخصائص من عهد الشاه، وهو ما أصفه بـ"الإمبريالية الصغيرة" أو الإقليمية.
ولا أريد أن أُسهب في عرض ما ارتكبه الشاه وأجهزته الأمنية –السافاك– ضد الشعب العربي الأحوازي، من قمع دموي ومحاولات حثيثة لتغيير التركيبة السكانية لمصلحة غير العرب، بل أكتفي بنقل فقرة من كتاب "مذكرات أسدالله علم"، وزير البلاط والمقرّب جداً من الشاه.
ففي مذكرات يوم الإثنين 29 يناير (كانون الثاني) 1973، يكتب: "تشرفت في الصباح... عرضت على سيادته أن مقالاً نُشر في صحيفة لوموند يفيد بأن خوزستان هي عربستان، وأن الناس هناك عرب، وملابسهم ولغتهم عربية. غضب الشاه بشدة، وقال إنه يجب الرد بمقال حاد. قلت: المقال لا يكفي، بل يجب أن تكون لدينا خطة صحيحة، قصيرة المدى وطويلة المدى، لتغيير الوضع هناك من حيث اللغة والعادات والملابس والقومية وكل شيء. وأضاف: في زمن الشاه نادر الأفشاري والشاه عباس الصفوي كانوا يُهجّرون الناس بسهولة. فهناك أرمن جلفا في أصفهان، والأتراك القشقائيون في فارس، فلماذا لا نفعل ذلك؟ قال: أنت على حق، اذهب وادرس الموضوع. وتابعت: كنتُ عضواً في لجنة محو الأمية، وبخاصة في ما يتعلق بالكبار، ونظراً لعدم كفاية قدراتنا لتطبيق المشروع على مستوى البلاد، قمت خلال عامين بتنفيذه بالكامل في دست ميسان وخورمشهر (المحمّرة) وآبادان (عبادان) وجزيرة مينو (جزيرة صلبوخ)، حيث يتحدث الآن أكثر من 70 في المئة من الناس، وبخاصة الأطفال والنساء، باللغة الفارسية. لذلك يمكن القيام بخطوات أخرى. فقال: افعل ما هو ضروري."
كما نرى، فقد أثار نشر مقال في صحيفة فرنسية عام 1973 غضب الشاه ووزير بلاطه، لمجرد تأكيده على الاسم التاريخي "عربستان" وعروبة سكانها. وقد انعكس ذلك في نقاشهما حول وضع خطط استراتيجية، قصيرة وطويلة المدى، لتغيير لغة الشعب الأحوازي وعاداته وملابسه وهويته. ولا يمكن توصيف مثل هذه السياسات، وفق هذا الطرح، إلا بوصفها شكلاً من أشكال "التطهير الثقافي العرقي".
رضا بهلوي الحفيد: على نهج والده وجدّه
غادر رضا بهلوي إيران قبل والده، الشاه محمد رضا بهلوي، ووالدته فرح بهلوي، قبيل انتصار الثورة الإسلامية في فبراير (شباط) 1979، وكان آنذاك في الـ18 من عمره. وعلى رغم ما وُصف به نظام الشاه من استعلاء وعنصرية تجاه العرب، لم تستقبله أي دولة – سواء كانت حليفة كالولايات المتحدة أو صديقة كإسرائيل – باستثناء مصر العربية، وذلك في عهد الرئيس أنور السادات، حيث توفي الشاه ودُفن في مسجد الرفاعي بالقاهرة.
وخلال عقود معارضته للنظام الإيراني، لم يُسجَّل عن رضا بهلوي موقف نقدي واضح تجاه سياسات والده أو جدّه في إدارة البلاد، أو في ترسيخ الاستبداد، أو في الانحراف بمسار ثورة الدستور (1906–1909) وما حملته من توجهات نحو الديمقراطية واللامركزية. كذلك لم يُبدِ نقداً لما نُسب إلى تلك الحقبة من انتهاكات بحق القوميات غير الفارسية، وبخاصة الشعب الأحوازي؛ بل على العكس، دأب في مناسبات عدة على الإشادة بأداء والده وجدّه.
الشعوب غير الفارسية في إيران وأزمة الهوية الوطنية
كذلك عبّر عن عدم اقتناعه بضرورة تعليم القوميات غير الفارسية بلغاتها الأم في المدارس، مشيراً إلى أنه لا يرى مبرراً لذلك. ولم يتطرق أصلاً في "كتيب الطوارئ" الذي نشره العام الماضي إلى قضايا مثل اللامركزية أو حقوق القوميات، بل ركّزت معظم طروحاته على دور شخصه في المرحلة الانتقالية، وهو ما عده بعض المراقبين تمهيداً لاحتمال إعادة إنتاج نموذج الحكم الشاهنشاهي.
وفي السياق ذاته، التزم الصمت إزاء مظاهر معاداة العرب والإسلام التي تظهر بين بعض أنصاره، والتي تتجلى أحياناً خلال تظاهراتهم في مدن وعواصم غربية، من خلال هتافات مثل: "أنا فارسي، أنا لست مسلماً". كذلك لم يُسجَّل له موقف واضح تجاه الهتافات المعادية للأذريين والكرد والعرب، أو تجاه اتهام المطالبين بحقوق قومية –حتى ضمن إطار وحدة الأراضي الإيرانية– بالنزعة الانفصالية.
كذلك، لم يُعرف عنه موقف صريح إزاء حالات الإعدام التي طاولت أحوازيين خلال العقود الماضية، أو تجاه مظاهر التمييز ضد العرب في إيران، والتي أدت، على سبيل المثال، إلى احتجاجات واسعة في مدن الإقليم عام 2018. بل إنه، عندما علّق على انتفاضة العطش في عام 2021، لم يشر صراحة إلى العرب، مكتفياً بانتقاد أداء السلطات في إدارة أزمة المياه في "خوزستان".
وقد جاء في تغريدته بتاريخ 17 يوليو (تموز) 2021: "كانت خوزستان القلب النابض للحضارة والثقافة الإيرانية القديمة، ومهد مملكة عيلام، والعاصمة الشتوية لداريوس الكبير. واليوم، نتيجة لعجز النظام، تعاني خوزستان، كغيرها من المحافظات الإيرانية، من شح المياه، ويكافح سكانها وشبابها الفقر والبطالة والتمييز."
كما نلاحظ، يسعى رضا بهلوي، وفق هذا الطرح، إلى مصادرة "خوزستان" (الأحواز) لمصلحة الهوية الفارسية، وفصلها عن جذورها العربية والسامية، وربطها بالثقافة الإيرانية القديمة وشخصيات مثل داريوس الكبير. غير أن بعض القراءات التاريخية تشير إلى أن داريوس والأخمينيين سيطروا على عيلام، وهي حضارة تُعدّ، في هذا السياق، غير آريّة. وبعد أفول العيلاميين، برز الوجود العربي في أرض الأحواز، حيث يمتد تاريخهم فيها –بحسب عدد من المؤرخين الإيرانيين، ومنهم إيراج أفشار سيستاني– إلى نحو ثلاثة آلاف عام.
كذلك يرفض رضا بهلوي وبعض مناصريه استخدام التقويم الهجري الشمسي المعتمد حالياً في إيران، ويفضّلون ما يصفه منتقدوهم بـ"التقويم المصطنع"، الذي لا يتخذ من هجرة النبي محمد منطلقاً للتأريخ، بل يعتمد على تأسيس الدولة الأخمينية قبل نحو 25 قرناً. ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذا التوجّه يعكس موقفاً سلبياً من العرب والإسلام.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=199&id=205078