إعادة تشكيل المنطقة : هل تُفتح بوابة الشرق
دمشق تتحرك مع عواصم الجوار لانجاز اتفاقيات تضمن استقرار منظومات الطاقة والامداد





   "استقرار الخليج  بصفته صورة مصغرة عن العالم  ليس ترفاً بل شرطاً ضرورياً لأي نموذج "رابح-رابح
بوابة الشرق : البديل الاستراتيجي لمضيق هرمز

 
سيرياستيبس :

بينما كان العالم مشغولاً بالحرب وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية , شهدت عواصم المنطقة اجتماعات رسمية مكوكية بين الدول التي تربط الخليج العربي بالمتوسط ، وبالتوازي مع لقاءات نوعية لريادي الأعمال والمستثمرين المدركين بأن دول المنطقة تمر بلحظة تحولات جوهرية ، لم نعرفها من قبل .
 وشهدنا خلال الفترة الماضية لقاءات مصرية - سورية تمحورت حول التعاون الاقليمي والاقتصادي , و تحرك جدي نحو توسيع تصدير النفط العراقي عبر سوريا , الى جانب اتفاقيات بين الأردن و سوريا ، وأيضاً اجتماعات مسؤولين أتراك وأردنيين وسوريين في إطار حراك دبلوماسي مكوكي متسارع  للإعلان عن خطط تمديد شبكة الحديد التركية نحو حلب  "بتكلفة 110 ملايين دولار " ثم دمشق، ليعيد إحياء إرث سكة حديد الحجاز لكن بأهداف اقتصادية ولوجستية بحتة.
وكان لافتا ما نقلته وكالة الأناضول عن  وزير التجارة التركي "عمر بولات " خلال المنتدى السوري - التركي للأعمال والاستثمار ,  عندما أكد أن تجارة الترانزيت عبر سوريا باتت ممكنة حاليا في محتلف دول الشرق الأوسط والخليج , لافتا الى أن الترانزيت عبر السعودية سيبدأ الأسبوع القادم 

 
 وبرأي الأكاديمي والمستشار اقتصادي السوري "زياد عربش "  فإن المنطقة وكصورة مصغرة للعالم ، سيعاد تموضوعها في مناحي عديدة وعالمية مع تغير أوزان البحور الخمس "الأحمر، الأسود، المتوسط ، قزوين وبحر العرب " ، من الطاقة وممرات العبور والإمداد والنقل والطيران والسياحة إلى الأمن الغذائي وحركات العمالة وفرص التشغيل ,  وهذا يعني أنه  على  دول المنطقة استدراك  الفرص " البازغة "  كما وصفها , ولكن باستدامة هذه المرة وبالجدية التي تحقق مصالح شعوب المنطقة ، سيما وأنّ المطالب الدولية تحث على استقرار منظومات الطاقة  "النفط والغاز الطبيعي " والتي تفترض حكماً استقرار الخليج وشرق المتوسط
 
 نظرية  "رابح-رابح" هو الخيار العقلاني؟

عربش أوضح , أنه وفي سياق إقليمي يشهد حرباً على إيران واحتمالات إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية، تمثل الاجتماعات التركية – الأردنية – السورية، كمثال، تطبيقاً عملياً لنظرية الألعاب التعاونية. فبدلاً من لعبة محصلة صفرية "رابح – خاسر " ، تدرك الأطراف الثلاثة أن: تركيا المرتبطة باتحاد جمركي مع الاتحاد الأوربي  "425 " مليون مستهلك  ستربح ممراً لوجستياً نحو الأسواق العربية والخليج عبر سورية والأردن وكامل منطقة الغافتا "308 " مليون مستهلك، والأردن الذي يعيد تفعيل دوره كبوابة عبور إقليمية ويستفيد من حركة الترانزيت، وسوريا التواقة لإعادة إعمار ولو جزئية لشبكة سككها الحديدية وانفتاح اقتصادي متنامي إذا أحسن الانتفاع منه 
فهذا التوازن يخلق حالة رابح - رابح" تعزز الاستقرار النسبي حتى في ظل استمرار التصعيد العسكري. ومن منظور نظرية الألعاب، يؤكد " عربش " أن أي انحراف عن هذا المسار التعاوني سيعيد المنطقة إلى لعبة "الجميع يخسر"، حيث تتعطل سلاسل التوريد، وتغلق الممرات ، وتتعمق الأزمات الإنسانية .

مفهوم الجيواسبيس : من الخريطة الثابتة إلى الشبكة الديناميكية

الجيو-مكاني هو ذلك الحيز المكاني الذي تتشابك فيه الجغرافيا الطبيعية  "البر، البحر، الممرات" مع التدفقات غير المادية  "رأس المال، الطاقة، البيانات، السكان ". في إطار هذا المفهوم، لم تعد المنطقة العربية مجرد خريطة حدود ثابتة، بل شبكة متحركة من العلاقات الاقتصادية والأمنية.
من وجهة نظر الأكاديمي السوري زياد عربش فإنّ  ملامح "الجيواسبيس " الإقليمي تتحدد من خلال مجموعة من القطاعات الجوهرية التي تمثل عصب أي استراتيجية إقليمية ناجحة وخاصة دور القطاعات الجديدة:
-النقل وممرات العبور: ربط المتوسط بالخليج عبر سوريا ، الأردن، العراق، وإعادة تشغيل خطوط السكك الحديدية  التاريخية كسكة حديد الحجاز بنسختها الحديثة.
- الطاقة، من شبكات كهرباء وأنابيب غاز إقليمية  "مثال: الربط العربي " وتأمين إمدادات النفط والغاز من الخليج إلى  أوروبا عبر الممرات البرية البديلة.
- الأمن الغذائي، وسلاسل التوريد  " داخلية - إقليمية - خارجية"  والاستثمار في المخازن الاستراتيجية .
- الهجرة المناخية ، أي ما سيبرز من تحركات سكانية نتيجة تغير النموذج الاقتصادي ومستويات التشغيل ونوعيتها والعوامل الناتجة طبيعيا وكنشاط اقتصادي عن التصحر وشح المياه، والتي تتطلب تخطيطاً مشتركاً للبنى التحتية والخدمات الأساسية.
كل هذه الأمور تشكل  قضايا جوهرية، برأي "عربش " وتتطلب تخطيطاً استباقياً، سواء انتهت الحرب أو استمرت. فالحيز الاقليمي لن يكون مستقراً ما لم تُحل كل هذه الملفات بشكل مترابط وليس منفصلاً .
 
 الخطوة التركية، سكة حديد حلب كاختبار للحيز المكاني كترابط اقليمي

كشفت أنقرة عن خطط لتمديد شبكتها الحديدية نحو مدينة حلب، في مشروع يعيد إلى الأذهان إرث سكة حديد الحجاز، لكن هذه المرة بأهداف اقتصادية ولوجستية واضحة. المشروع، الذي تقدر تكلفته بنحو 110 ملايين دولار، لا يبدو مجرد خط سكك جديد، بل جزء من رؤية أوسع لربط تركيا بعمقها الإقليمي.
وبحسب التصريحات الرسمية، فإن الخطة لا تقتصر على الوصول إلى حلب فقط، بل تمتد لاحقاً نحو دمشق، حيث يوجد بالفعل خط حديدي قائم، ما يعزز فرص إعادة تشغيل شبكة النقل بين المدن السورية وربطها بالخارج بعد سنوات من التوقف.
  وهنا يؤكد "عربش " أن الطريق إلى تنفيذ المشروع ليس سهلاً، إذ تبرز تحديات تتعلق بالبنية التحتية داخل سوريا  إلى جانب الاعتبارات الأمنية والسياسية. لكن بالمقابل فإن هذا الربط قد يحول المنطقة إلى ممر لوجستي مهم، يعيد تنشيط طرق التجارة التي تعطلت بفعل الحرب سياسياً، حيث تأتي هذه الخطوة في سياق تحولات أوسع تشهدها المنطقة، وسط مؤشرات على محاولات إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية. وبينما لم تُعلن تفاصيل كاملة بشأن التنسيق مع دمشق، فإن طرح المشروع بهذا الشكل يثير تساؤلات حول إمكانية أن يكون مقدمة لتقارب تدريجي بين أنقرة ودمشق 

بوابة الشرق : البديل الاستراتيجي لمضيق هرمز
   
الأكاديمي السوري أوضح في حديثه أن  الدول الخمس " الأردن وسوريا والعراق وجنوب تكيبا ومصر " , تشكل العمود الفقري للإقليم "بحلّته" الجديدة ، فمصر التي تتحكم في قناة السويس والبحر الأحمر، هي بوابة إفريقيا والعالم العربي إلى أوروبا، والأردن الذي يشكل الممر البري الآمن بين الخليج والمتوسط ، ويتمتع بعلاقات متوازنة مع جميع الأطراف ، وسوريا الساعية للنهوض، وتعيد ربط الساحل المتوسطي بالداخل التركي والعراقي، وهي حلقة الوصل المفقودة حتى عام 2011. والعراق كجسر الطاقة والنقل نحو إيران والخليج، ويمتلك شبكة طرق وسكك حديدية قابلة للتأهيل، وتركيا بوابة أوروبا ومحرك السكك الحديدية، وقوة صناعية كبرى تحتاج إلى أسواق.
هذا التكتل الهندسي وفقاً ل " عربش  " يخلق بديلاً استراتيجياً لمضيق هرمز وباب المندب ، في حال استمرار التهديدات على الملاحة البحرية. فبدلاً من الاعتماد على ممرات مائية قابلة للإغلاق، يمكن نقل البضائع والطاقة عبر شبكة برية متكاملة من الخليج إلى المتوسط مروراً بالعراق وسوريا والأردن 
 
 الأقطاب العالمية والبازغة .. ومطلب استقرار منظومات الطاقة

يطالب المجتمع الدولي  "الأمم المتحدة، وكالة الطاقة الدولية، الاتحاد الأوروبي "  باستقرار منظومات الطاقة، التي تعتمد على النفط والغاز الطبيعي، فالخليج العربي، بصفته صورة منتجاً ومصدراً رئيسياً لهاتين المادتين الحيويتين، يفترض فيه أن يكون نموذجاً للاستقرار التام ، وأي اهتزاز أمني في المنطقة ينعكس فوراً على أسعار الطاقة العالمية ، وبالتالي على التضخم والنمو الاقتصادي في كل دول العالم.
وهنا يؤكد عربش أن  , الممرات البديلة المقترحة  "التي تمر عبر الأردن وسورية والعراق وتركيا"  لا تهدف إلى استبدال الخليج كمصدر للطاقة ، بل إلى تنويع مسارات النقل والترحيل  لضمان وصول النفط والغاز الخليجي إلى الأسواق العالمية حتى في حال تعطل الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب . هذا التنويع هو المطلوب صراحةً، لأنه يرفع من مرونة منظومات الطاقة ويقلل من احتمالات الصدمات السعرية. لذلك، فإن أي مشروع يربط الخليج بالبحر المتوسط عبر البر والبحر  يحظى بدعم دولي واسع، شريطة أن يرافقه استقرار سياسي وأمني في دول العبور
 
السيناريوهات المطلوبة ..   الحرب مستمرة أم انتهت؟

استناداً إلى تحليل الفضاء الجيو-مكاني للإقليم من الخليج إلى المتوسط في زمن الحرب أو التهدئة، فإن المنطقة العربية قيد إعادة التشكيل، فإن أي سيناريو محتمل، سواء بنهاية الحرب على إيران المتوقعة مع اعلان اتفاق هدنة لمدة اسبوعين يتوقع أن نشهد خلالها اتفاقاً نهائياً ، أوحتى إذا استمرار التصعيد ، فإن ذلك سيؤدي من وجهة نظر "المختص السوري "  إلى 
- تحول الخليج من منطقة نفط تقليدية إلى مركز شبكات لوجستية رقمية شرق-غرب، تعتمد على موانئ متطورة وسكك حديدية وسلاسل توريد رقمية.
- إعادة تقييم التحالفات نحو جيو-اقتصاد تفاعلي متعدد الأقطاب، يتجاوز الثنائيات التقليدية "غرب-شرق "  إلى شبكات مصالح مشتركة.
- هيكلة جديدة للأمن الحيوي  "طاقوي، غذائي، اقتصادي ومناخي " وبالتالي تحقيق الأمن الانساني عبر استغلال كل الفرص "البازغة " وبشبكات المرونة الإقليمية والاستراتيجية المشتركة.
- توسيع دور الخليج والمشرق في النظام المؤسسي العالمي كطرف مفاوض مؤثر وليس ساحة حرب مباشرة أو عبر "البروكسيات".
 
وفي هذه اللحظة المفصلية، يتابع "عربش " حديثه  تتجسّد نتائج استخدام مفهوم الفضاء الجيو - مكاني كأداة تنبؤية في المشاريع التنفيذية، سواء في الشبكات المترابطة من المشاريع "البنية التحتية، الطاقة، التحويلات، الأمن، التحالفات " ، أو تقييم الأثر المكاني لممرات العبور، وسلاسل القيمة، وتدفقات رؤوس الأموال البينية.
وأضاف :  إن انتهت الحرب أو استمرت , فالمهم هو أن المنطقة تمتلك الآن أدوات وتطبيقات عملية لإدارة فضاءها الجيو- مكاني بشكل ديناميكي، إذا عمدت إلى ترتيبات إقليمية، تضع في قلبها قطاعات النقل والطاقة والأمن الغذائي والهجرة المناخية ، وأن تدرك أن المجتمع العالمي يطالب باستقرار منظومات الطاقة التي تعمد على النفط والغاز الخليجي، ومن ثم فإن استقرار الخليج  "بصفته صورة مصغرة عن العالم "  ليس ترفاً بل شرطاً ضرورياً لأي نموذج "رابح-رابح" وبما يراعي مصالح شعوب المنطقة أولاً وأخيراً. 
 
 وفي هذا السياق يؤكد " عربش " على ضرورة العمل على إنشاء هيئة تنسيقية رباعية تضم تركيا وسوريا  والأردن و العراق  لإدارة ممرات النقل والطاقة.
  والعمل على استثمار مبادرة السكة الحديدية التركية كـ مشروع اختبار، للتعاون الإقليمي، على غرار نموذج الاتحاد الأوروبي لربط الشبكات ,  الى جانب دمج الهجرة المناخية كأولوية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، مع إنشاء صندوق إقليمي للتكيف وأخيراً تقديم ضمانات دولية لدول العبور  "الأردن، سوريا، العراق  لتحفيز الاستثمار في البنى التحتية لممرات الطاقة البديلة  .
 
 
بالتحليل الأخير، يقول المستشار الاقتصادي السوري " زياد عربش " , إن الحراك المكوكي الحالي ليس مجرد دبلوماسية تفاعلية ، بل هو إعادة تشكيل منهجية لمكانة الشرق الأوسط نحو نموذج "رابح-رابح"، حيث يرتبط المتوسط بالخليج عبر بوابة المشرق العربي الذي هو نهاية العمل البحري وبداية العمل البري، في ظل مطلب عالمي باستقرار منظومات الطاقة التي تعمد على النفط والغاز الطبيعي، والخليج كصورة مصغرة عن العالم يفترض فيه سعي دوله مع الشركاء في حوض المتوسط إلى بلوغ الاستقرار الشامل ولمصلحة الجميع بدل اللعب على التناقضات التي عفا عنها زمن اليوم وبنظام عالمي جديد



المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=131&id=205159

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc