سيرياستيبس :
في خطوة تحمل دلالات عميقة تتجاوز الإجراءات المصرفية التقنية، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية عن بلوغ المصرف المراحل النهائية لإنشاء حساب مصرفي مراسل مع البنك المركزي التركي، مع بحث متزامن لآلية تبادل العملات بين البلدين.
الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة يرى أن هذا الإعلان في سياق زيارة رسمية إلى أنقرة، يأتي ليؤشر على تحول نوعي في توجهات السياسة النقدية السورية، وليطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الاقتصاد السوري على إعادة التموضع في المنظومة المالية الإقليمية بعد أكثر من عقد من القطيعة المصرفية مع العالم الخارجي.
وأوضح في حديثه لـ”الوطن” أنه لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن المشهد الأوسع الذي تكشف معالمه مؤخراً، والمتمثل في مساعي سوريا للعودة إلى نظام سويفت العالمي للتحويلات، وفتح حسابات لدى بنوك مركزية كبرى تشمل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والمركزي الكندي والإماراتي، فهذه التحركات المتزامنة تشكل في مجموعها استراتيجية متعددة المسارات تهدف إلى إنهاء العزلة المالية التي فرضتها سنوات الحرب والعقوبات الدولية، وإعادة بناء الجسور المصرفية التي من دونها يظل التعافي الاقتصادي مشروعاً ناقصاً.
الضرورة الوظيفية والفجوة القائمة
ويرى أستاذ المصارف أنه ولفهم أهمية الحساب المراسل بين مصرف سوريا المركزي ونظيره التركي، لا بد من استحضار الواقع الميداني للمبادلات التجارية بين البلدين، إذ تشير بيانات رسمية إلى أن الصادرات التركية إلى سوريا بلغت 3.5 مليارات دولار خلال العام الماضي، بزيادة 60 % عن الفترة السابقة، فيما يسعى البلدان لرفع حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار على المدى المتوسط.
غير أن هذا النمو الكمي يصطدم بعائق هيكلي يتمثل في غياب نظام مدفوعات عابرة للحدود، حيث تتم التسويات التجارية حالياً بشكل شبه كامل عبر النقد المحمول ومكاتب الحوالات التقليدية، فهذا الواقع يفرض تكاليف باهظة على التجار في كلا البلدين: تكاليف مباشرة تتمثل في فروق أسعار الصرف غير الرسمية وعمولات التحويل المرتفعة، وأخرى غير مباشرة تتعلق بمخاطر حمل النقد وتكاليف التأمين والتأخير في التنفيذ، والحساب المراسل المقترح سيمكّن المصارف المركزية من تسوية المعاملات بين المستوردين والمصدرين عبر قنوات رسمية، ما يخفض تكلفة التحويل ويقلص زمن التنفيذ ويضفي شفافية على التدفقات المالية العابرة للحدود.
أكثر من مجرد أداة لتسهيل التجارة
لفت محمد إلى أنه يتجاوز البحث في آلية تبادل العملات بين البنكين المركزيين البعد التقني إلى معالجة إشكالية مزمنة في الاقتصاد السوري: أزمة تدبير القطع الأجنبي، إذ تقوم آلية المبادلة على اتفاق ثنائي يسمح للبلدين بتبادل عملتيهما المحليتين بقيمة محددة، مع الالتزام بإعادة المبادلة في تاريخ لاحق وفق سعر صرف متفق عليه مسبقاً، بالنسبة لسوريا، تحمل هذه الآلية ثلاث مزايا استراتيجية:
الأولى: تخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي الشحيحة أصلاً، حيث يمكن تمويل جزء من الواردات التركية بالليرة السورية بدلاً من الدولار أو اليورو.
الثانية: توفير غطاء تحوطي ضد تقلبات أسعار الصرف التي تضرب الليرة السورية، إذ يثبت الاتفاق سعر الصرف للمعاملات المشمولة.
الثالثة: خلق قناة غير مباشرة لتوفير السيولة بالعملة الصعبة للمصرف المركزي السوري في أوقات الأزمات، بما يشبه خط ائتمان مقنعاً.
لكن فعالية هذه الآلية مرهونة بمدى عمق السوق التجاري بين البلدين وحجم الطلب الحقيقي على العملتين. فإذا ظل الميزان التجاري مائلاً بشدة لمصلحة تركيا كما تشير الأرقام الحالية، فإن آلية المبادلة قد تتحول إلى أداة لتمويل العجز التجاري السوري بدلاً من كونها أداة متوازنة لتسهيل التبادل.
دخول المصارف التركية
نوه محمد بأن إعلان حاكم المركزي عن توقع بدء عمليات بنك زراعات الحكومي وبنك أكتيف الخاص داخل الأراضي السورية في المدى القريب يعتبر تطوراً لا يقل أهمية عن الحساب المراسل نفسه، فدخول مصارف أجنبية إلى السوق السورية بعد قطيعة تجاوزت العقد يحمل آثاراً تمتد إلى بنية القطاع المصرفي برمته، فمن منظور الرقابة المصرفية، سيفرض وجود مصرف تركي حكومي كبنك زراعات تحديثاً فعلياً لمعايير الامتثال والحوكمة والتدقيق الداخلي في السوق السورية، بما يتوافق مع متطلبات مجموعة العمل المالي (FATF) والمعايير المصرفية الدولية، وهذا بحد ذاته خطوة ضرورية لتمهيد طريق عودة سوريا إلى المنظومة المالية العالمية.
أما من منظور الخدمات المصرفية، فسيوفر وجود هذه المصارف قنوات رسمية لتمويل التجارة تشمل الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان، وهي أدوات غائبة بشكل شبه كلي عن السوق السورية حالياً. هذا الغياب يجبر المستورد السوري على الدفع النقدي المسبق، ما يكبده تكاليف تمويلية باهظة ويجمّد رأس ماله العامل لفترات طويلة.
بين الرمزية السياسية والفعالية العملية
يرى محمد أنه لا يمكن إغفال الدلالة الاستثنائية لفتح المركزي السوري حسابات لدى الاحتياطي الفيدرالي والمركزي الكندي، وهما مؤسستان تقعان في قلب النظام المالي الغربي الذي ما زالت عقوبات قانون قيصر وغيره تلقي بظلالها على سوريا، وهذه الخطوة، وإن كانت لا تعني رفعاً فورياً للعقوبات، تشير إلى انفراجة في الجدار المالي المضروب حول سوريا، وتمهد عملياً لاستئناف التحويلات المصرفية الدولية عبر القنوات الرسمية.
وأضاف: غير أن التفاؤل بهذه الخطوة يجب أن يظل مشروطاً بإدراك الفارق بين فتح حساب وبين استخدامه الفعلي في المعاملات التجارية والمالية. فوجود حساب في الاحتياطي الفيدرالي لا يعني بالضرورة قدرة المصارف السورية على تنفيذ حوالات دولية دون عوائق، طالما بقيت العقوبات الأولية والثانوية سارية. لكنه يضع البنية التحتية المصرفية جاهزة للحظة رفع القيود، ويوفر قناة اتصال مباشرة مع منظومة المقاصة الدولية.
التحديات الهيكلية
لفت محمد إلى أنه ورغم الأهمية الاستراتيجية للخطوات المعلنة، فإن الطريق نحو إعادة اندماج مالي كامل لا يزال محفوفاً بتحديات جوهرية:
التحدي الأول يتعلق بالعقوبات الدولية، فوجود حسابات مصرفية لا يعفي المصارف المراسلة العالمية من التزاماتها بالامتثال لأنظمة العقوبات، ما قد يحد من شهيتها للمخاطرة بالتعامل مع كيانات سورية حتى مع وجود غطاء من البنك المركزي.
التحدي الثاني هو الفجوة التقنية والبشرية، فالقطاع المصرفي السوري عانى من هجرة كفاءاته وتقادم أنظمته المعلوماتية خلال سنوات العزلة. تحديث هذه الأنظمة لتتوافق مع متطلبات سويفت ومعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يتطلب استثمارات كبيرة وبرامج تدريبية مكثفة.
التحدي الثالث هو تحدٍ نقدي محض: استقرار سعر الصرف. فمن دون إصلاح نقدي شامل يعالج تشوهات سوق القطع وتعدد أسعار الصرف، ستظل فعالية الحسابات المراسلة وآليات المبادلة محدودة، وستستمر السوق الموازية في استقطاب الجزء الأكبر من التحويلات والتسويات التجارية.
وأوضح محمد أنه يمكن القول إن الخطوات التي أعلنها حاكم مصرف سوريا المركزي تمثل منعطفاً نوعياً في مسار إعادة دمج سوريا في النظام المالي الإقليمي والدولي، لكن التقييم الموضوعي يقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات من التحليل:
المستوى الأول هو مستوى البنى التحتية المالية، حيث تمثل الحسابات المفتوحة والاتفاقيات قيد التفاوض إنجازاً حقيقياً يضع الأساس التقني والمؤسسي لعودة التدفقات المالية الرسمية.
المستوى الثاني هو مستوى الفعالية العملية، وهنا يظل الحكم معلقاً على تطورات المشهد السياسي والعقوباتي. فالفجوة بين وجود حساب واستخدام الحساب هي فجوة تملؤها اعتبارات الامتثال والمخاطر السمعة التي تحكم سلوك المصارف العالمية.
المستوى الثالث هو مستوى الإصلاح الداخلي. إذ مهما تعددت الحسابات المراسلة، فإن استدامة الاندماج المالي مشروطة بإصلاحات هيكلية عميقة تشمل تحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة المصارف العامة، وتحديث منظومة المدفوعات الوطنية، وبناء القدرات المؤسسية في مجالات الرقابة والامتثال.
وختم محمد بالقول يمكن النظر إلى هذه التطورات بوصفها الخطوة الأولى الضرورية في رحلة طويلة ومعقدة. وكما تبدأ التجارة بطريق، فإن عودة سوريا المالية تبدأ بحساب مصرفي، لكن الطريق يحتاج إلى من يعبده، والحساب يحتاج إلى من يستخدمه. والتحدي الحقيقي أمام صانع القرار الاقتصادي السوري هو تحويل هذه الانفراجات التقنية إلى مكاسب ملموسة تنعكس على حياة المواطن واستقرار الليرة وانسياب السلع، وهو امتحان لا تقل صعوبته عن امتحان فتح الحسابات ذاتها