انفتاح تدريجي بين الأردن وسوريا بإيقاع حذر
14/04/2026
سيرياستيبس
في مشهد كسر كل القيود البروتوكولية المعهودة، شهد قصر الحسينية في العاصمة الأردنية عمان، انعطافة تاريخية في مسار العلاقات العربية – العربية، إذ لم يكن استقبال العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني وولي العهد الأمير الحسين وفداً سورياً يضم 30 وزيراً مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل كان إعلاناً سياسياً بالخط العريض عن ولادة محور استراتيجي جديد، لينهي بذلك عقوداً من حال الترقب، وينقل البلدين من مربع "تطبيع العلاقات" إلى التكامل الوجودي.
ضوء أخضر
ويرى مراقبون أن اللقاء الملكي بالوفد الوزاري السوري الموسع تجاوز البرتوكولات الدبلوماسية، فجلوس قيادة الدولة الأردنية مع هذا الزخم الوزاري السوري خارج إطار "اللجنة العليا المشتركة"، يعكس ضوءاً أخضر ملكياً لكل مؤسسات الدولة في الأردن للمضي قدماً في بناء الشراكة الاستراتيجية.
ولعل أبرز ما جاء في البيان الختامي هو الاتفاق على عقد "أسبوع تفاعل دبلوماسي" بين وزارتي خارجية البلدين. وهو مصطلح، الذي يُطرح للمرة الأولى بهذا الزخم، لا يعني مجرد التنسيق، بل يعني دمجاً للخبرات وتوحيداً للمواقف في المحافل الدولية.
وفق مصادر حكومية أردنية، يسعى الأردن إلى تقديم نفسه كمظلة دبلوماسية لسوريا الجديدة أمام الجهات المانحة والمجتمع الدولي، بهدف تسهيل تدفق تمويل برامج التطوير المؤسساتي وإعادة الإعمار التي تقدر ما بين 250 و400 مليار دولار.
أمن دفاعي
بدوره يتحدث نائب رئيس الوزراء أيمن الصفدي عن "تنسيق دفاعي وأمني قطع خطوات مهمة"، وهو مؤشر يحمل في طياته دلالات أمنية عميقة تتعلق باستقرار الجنوب السوري وتحديداً السويداء، حيث يدور الحديث عن إنجاز "خارطة طريق مشتركة" تحظى بقبول إقليمي ودولي.
وفي شأن متصل، تقول المصادر إن عمان ودمشق تجاوزا ملف تهريب المخدرات والسلاح، الذي شكل لأعوام معضلة مستعصية، إلى ملفات تعاون تقني وأمني أكثر أهمية وعمقاً.
مصالح متبادلة
ووقع الجانبان الأردني والسوري على عدة اتفاقات ومصالح متبادلة كان أبرزها استئناف تزويد سوريا بالغاز الطبيعي خلال 48 ساعة من انتهاء الاجتماعات، مع إصلاح خطوط الربط الكهربائي، إضافة إلى تقاسم مياه حوض اليرموك وتفعيل المنصات الرقمية لتبادل البيانات المائية.
هذا على جانب اتفاق ثلاثي (أردني – سوري - تركي) لتحويل معبر "جابر - نصيب" الحدودي بين البلدين إلى نموذج دولي، وفتح آفاق الربط السككي لربط البحر موانئ سوريا بالبحر الأحمر عبر ميناء العقبة، وصولاً إلى دول الخليج، كذلك شملت الاتفاقات تعاوناً ثلاثياً ما بين الأردن وسوريا والسعودية في مجال الربط الإقليمي للاتصالات وتقانة المعلومات.
ووضع المجلس تاريخ الأول من مايو (أيار) المقبل موعداً لبدء آلية المبادلات التجارية الجديدة القائمة على "المعاملة بالمثل" وتماثل الرسوم الجمركية، وهي خطوة يرى فيه المتخصصون والمراقبون إزالة للحواجز الجمركية، وجعل البلدين بمثابة سوق واحدة.
علاقات تتحدى الظروف
لا يمكن قراءة الاتفاقات الموقعة بين البلدين من دون العودة إلى الصلة التي ربطت البلدين على مدى عقود، حيث شكلت العلاقة الاقتصادية حالاً من الصمود لم تؤثر فيها أقسى الظروف السياسية.
ففي مرحلة الازدهار الذهبي أي ما قبل 2011 كانت سوريا تاريخياً الشريك التجاري البري الأول للأردن.
وفي العقد الأول من القرن الـ21، وصل حجم التبادل التجاري إلى مستويات قياسية تجاوزت 600 مليون دولار سنوياً في ذروتها.
كان الأردن يعتمد على سوريا كمصدر رئيس ورخيص للمواد الغذائية والمنسوجات، بينما كانت سوريا تستفيد من الموانئ والخبرات اللوجستية الأردنية.
ولأعوام طويلة، كان معبر "نصيب - جابر" بمثابة الشريان الأبهر للتجارة العربية، إذ كانت تعبره يومياً أكثر من 1000 شاحنة محملة بالبضائع المتجهة من تركيا وأوروبا إلى الخليج وبالعكس.
لكن ثمة أعواماً عجافاً امتدت من (2011 – 2021) شهدتها العلاقات الاقتصادية، حيث أدى إغلاق الحدود والظروف الأمنية إلى خسائر كبيرة للطرفين.
حينها خسر الأردن بوابة الصادرات البرية إلى أوروبا وتركيا ولبنان، مما رفع كلفة الشحن بنسبة وصلت إلى 300 في المئة بعد الاعتماد على الطرق البحرية البديلة.
أما سوريا ففقدت رئتها الجنوبية ومنفذها البري الوحيد المستقر نحو أسواق الخليج العربي، مما أسهم في تعميق أزمتها الاقتصادية.
وخلال هذه الفترة، تراجع التبادل التجاري إلى أدنى مستوياته التاريخية، واقتصر على مواد أساسية محدودة وضمن قيود صارمة.
علاقة مؤسساتية
ويرى مراقبون أن ثمة انتقالاً من "تفاهمات تجارية" إلى "مجلس تنسيق أعلى"، مما يعني أن العلاقة أصبحت مؤسسية وليست مرتبطة بأشخاص أو ظروف آنية.
كذلك أعطى دخول السعودية، كطرف في الربط الرقمي والاتصالات، العلاقة الأردنية السورية ثقلاً إقليمياً وأخرجها من حيز التعاون الثنائي الضيق إلى التكامل الإقليمي الواسع.
من بين المحللين الاقتصاديين الذين يرون أن العلاقات الأردنية - السورية ستأخذ شكلاً جديداً، الكاتب سلامة الدرعاوي، الذي يرى أن ثمة رغبة سياسية واضحة من الطرفين بفتح صفحة اقتصادية جدية، وأن ثمة فرصة استراتيجية أمام الأردن للدخول بقوة إلى السوق السورية، ليس فقط لدعم سوريا، بل لتعزيز الاقتصاد الوطني، بخاصة بالنظر الى ما تحتاج إليه دمشق اليوم في ظل مرحلة إعادة الإعمار، من خبرات ومواد وخدمات، تتوفر لدى الأردن بكفاءة عالية: من البنية التحتية والطاقة والصناعات الهندسية، إلى قطاع تكنولوجيا المعلومات والاستشارات.
يضيف الدرعاوي "سوريا بحاجة إلى دعم حقيقي في هذه المرحلة الحرجة، والأردن قادر على تقديم هذا الدعم مقابل مكاسب اقتصادية واقعية، فالتشاركية الاقتصادية بين البلدين ليست خياراً سياسياً فقط، بل ضرورة إقليمية، لما لها من أثر مباشر في استقرار المنطقة وتحفيز النمو".
أرقام تتحدث
وبينما كانت اللقاءات الرسمية ترسم ملامح التقارب، سجلت حركة الشاحنات على الأرض قفزات غير مسبوقة، إذ تشير الأرقام الرسمية إلى أن الميزان التجاري بين البلدين كسر حاجز الركود التاريخي، إذ سجلت الصادرات الأردنية إلى سوريا نمواً كبيراً بنسبة 355 في المئة خلال العام الماضي، وهو ما يتقاطع مع رؤية التحديث الاقتصادي التي أطلقها العاهل الأردني، والتي تضع قطاع النقل والخدمات اللوجستية في قلب التحولات.
وتشير التوقعات إلى أن الأردن وسوريا تجاوزا مرحلة "جس النبض" إلى واقع جديد تصبح فيه عمان "الرئة" التي تتنفس منها سوريا اقتصادياً وسياسياً.
وتقول الكاتبة نيفين عبدالهادي إن العلاقات الأردنية - السورية شهدت تقارباً كبيراً، ووضعت رؤى متكاملة لتعزيز التعاون المشترك وتحقيق مزيد من التقارب، تأسيساً لحال عميقة من التعاون بمجالات عدة على مختلف الصعد.
وأشارت إلى أن أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا على المستوى الوزاري، وقعت خلالها 10 مذكرات تفاهم واتفاقية تعاون، بحضور 30 وزيراً، إضافة إلى كبار المسؤولين الممثّلين عن أكثر من 20 قطاعاً من كلا البلدين.
ووصفت هذه اللقاءات بالقول إنها ابتعدت بتفاصيلها عن نمطية الاجتماعات البروتوكولية، باتجاه بناء شراكة استراتيجية شاملة.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=131&id=205236