إحياء دور القرية: طوق النجاة من حدة أزمة المعيشة الخانقة
15/04/2026
سيرياستيبس
د. إبراهيم محمد
في ظل الحروب المجنونة وتبعاتها الكارثية على مستوى المعيشة، لم يعد الحديث عن التنمية ترفًا ، بل أصبح البقاء دون جوع هو التحدي الأكبر.
وبينما تتلاشى فرص الدعم الخارجي، تبرز القرى من جديد كخط الدفاع الأول… فهل يمكن للريف أن ينقذ ما تبقى؟
وكأن الموت والدمار والفقر التي حلت بنا لا تكفي حتى تأتي الحرب المجنونة على إيران ولبنان لتفضي إلى مزيد من التدهور الأمني وغياب الاستقرار وإلى المزيد من الفقر بفعل ارتفاع الأسعار ونقص إمدادات الطاقة والأسمدة والأغذية والألبسة وبقية مستلزمات الحياة. ومع استمرار هذه الحرب التي تغذي المزيد من النزاعات والفتن وتقضي على المزيد من الأرواح والأرزاق والممتلكات فإنه لا مجال للحديث عن التنمية والازدهار لا في سوريا ولا في بلدان الشرق الأوسط الأخرى هذه الأيام. وإذا كان الأمر كذلك فإن الهدف ينبغي أن يتركز على التخفيف من حدة تدهور المعيشة ومنع اتساع نطاق الفقر والجوع ووضع الإطار السياسي والقانوني لنجاح مشروع الاعتماد على الموارد المحلية لضمان وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية في المدى المنظور على مدى الأشهر القادمة.
الاعتماد على الذات: الخيار الذي لا مفر منه
إن الاعتماد على حشد الموارد المحلية أضحى الخيار شبه الوحيد لنا، لاسيما وأن الدول التي كان يعول عليها لتقديم مساعدات تنموية لسوريا من خلال استثمارات كبيرة لن تقوم بذلك بسبب تغيير أولوياتها والأضرار التي تلحق بها جراء استمرار الحرب واحتمال اتساع نطاقها. ومن هنا لا خيار أمام السوريين سوى استنهاض قواهم وإمكاناتهم الذاتية من أجل تأمين الغذاء والدواء واللباس ومصادر الطاقة. ورغم سوء الإدارة الاقتصادية وغياب الرؤية السياسية ومحاصصة أصحاب النفوذ والمصالح الفئوية على ما تبقى من مقدرات الاقتصاد السورية، فإن هناك عوامل أساسية تساعدهم على ذلك. ومن هذه العوامل على سبيل المثال لا الحصر عودة آبار النفط والغاز شرق الفرات إلى يد الدولة، وسقوط أمطار غزيرة تجعل استغلال كل شبر من الأراضي الصالحة للزراعة أمرًا ممكنًا بعد سنوات الجفاف التي أوصلت المخزون المائي إلى مستويات خطيرة.
الريف والمشاريع الصغيرة مفتاح للأمن الغذائي
إن استنهاض القوى الذاتية الكامنة حاليًا من أجل تحقيق الحد الأدنى من الأمن الغذائي ومتطلبات العيش الضرورية لا يكمن في التعويل على المشاريع الكبيرة والضخمة، لأن عناصر المخاطرة الكثيرة من محلية وخارجية تجعلها غير قابلة للتنفيذ في المدى المنظور. ومن هنا فإن المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة هي المنقذ الوحيد في أيامنا هذه. أما المفتاح إلى إقامتها والدخول فيها فيكمن بشكل رئيسي في إحياء الدور الاقتصادي للقرى والمناطق الريفية في الدورة الاقتصادية بعدما فقدت معظم هذا الدور بشكل تدريجي على مدى العقود الأربعة الماضية لأسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها في هذه العجالة.
حين كانت القرية في الساحل السوري مكتفية بذاتها
ومما أتذكره عن هذا الدور عندما كنت في المدرسة الابتدائية أن جدي على سبيل المثال كان يفخر أمام زواره بأن أبناء قريتنا التي ترعرع وعاش فيها أكثر من قرن لم يكونوا يشترون على أيامه أشياء تُذكر من المدينة سوى ملحهم وسكرهم وألبستهم. أما طعامهم وشرابهم الخالي من المواد الكيميائية الضارة بالصحة فكان مصدره أرضهم أو حواكيرهم الضيقة وكروم عنبهم وتينهم وماعزهم وبقرهم ودجاجهم ومناحلهم.
من الازدهار إلى التراجع: ماذا حدث للريف في الساحل؟
من جملة ما أتذكره في طفولتي أن بيادر قريتي كما بيادر القرى المجاورة كانت عامرة بأكداس حصاد القمح والشعير والعدس خلال مواسم الحصاد. ولم تكن المزروعات الصيفية والشتوية تغادر الحواكير معظم أيام السنة. وكانت الكثير من القرى تنعم بحرفيين من أبنائها في مجالات النجارة وصناعة الفخار والحدادة والحرير الطبيعي وغزل الصوف وطحن الحبوب وغيرها لتلبية الاحتياجات المحلية. أما اليوم فقد بارت الأراضي وتدهورت الزراعة وماتت معظم الحرف في قرى الساحل كما في معظم القرى السورية. وبنتيجة ذلك أصبح تأمين الأرياف بالطعام والشراب واللباس والدواء مرتبطًا بتوفرها في أسواق المدن التي تستورد معظم سلعها من الصين وتركيا والأردن والأصقاع الأخرى البعيدة.
أزمة الإمدادات العالمية: الخطر القادم
إن العالم اليوم مقبل على زيادة جديدة في نقص الإمدادات وعلى مزيد من الارتفاع في أسعار الأغذية والأدوية والألبسة وغيرها من مستلزمات الحياة الضرورية. وقد يصل الأمر إلى حد لا ينفع فيه توفر النقود للشراء بسبب هذا النقص. ومن هنا فإن إحياء دور المشروع الفردي والصغير بالتزامن مع إحياء دور القرية تفرضه الضرورة الملحة أكثر من أي وقت مضى على مدى الخمسين سنة الماضية. وبالنسبة إلى أبناء الساحل السوري فإن هذه الضرورة أكثر إلحاحًا لأن مئات الآلاف منهم فقدوا مصدر رزقهم مؤخرًا على ضوء الطرد والتسريحات التي طالت العاملين منهم في مختلف الوظائف الحكومية.
الزراعة والتكنولوجيا: فرصة الشباب الممكن للخلاص من الفقر
صحيح أن طريق المبادرة الفردية والمشروع الصغير ليست بالأمر السهل في ظل هذا الوضع وفي ظل توقف القروض الصغيرة وغياب حاضنات الأعمال التي تدعمها الدولة، غير أن المبادرات الخلاقة ودعم الأسر القادرة والأصدقاء وأهل الخير في مجال إحياء الزراعات المحلية وتربية المواشي والأعمال والحرف الصغيرة والموسمية يمكن أن تكون طريق الخلاص من العوز والحرمان لقسم كبير من الشباب المبادر والمبدع والخلاق. وبالطبع فإن هذا الطريق ليس محصورًا بهذا النوع من الأنشطة، ففي عالم الإنترنت والذكاء الاصطناعي وثورة المعلوماتية يمكن للكثيرين من شبابنا صقل أفكارهم وتحويلها إلى مشاريع صغيرة تقوم على الإبداع والأفكار الخلاقة.
تجربة ألمانية ملهمة: كيف نهض الريف من جديد؟
وهنا لا بد من استحضار تجربة عايشتها في قرى وأرياف ولاية بافاريا الألمانية التي كانت حتى ستينات القرن الماضي ولاية زراعية من أفقر الولايات الألمانية، أما اليوم فهي واحدة من أغنى الولايات في ألمانيا. ومن أسرار هذا النجاح وجود مزارع الأبقار ومصانع الجبن والألبان إلى جانب مصانع قطع تبديل السيارات وأجهزة الاتصال ومكونات الأدوية وغير ذلك من الصناعات الحيوية الموجهة للسوق الداخلية والتصدير إلى مختلف أصقاع المعمورة.
الدكتور إبراهيم محمد، أكاديمي وخبير في السياسات الاقتصادية
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=127&id=205239