هل تفرض الموانئ السورية نفسها كعقدة وصل دولية بديلة؟
16/04/2026




سيرياستيبس 

شكّلت حركة الترانزيت البحري عبر الموانئ العربية عصباً رئيسياً للتجارة الإقليمية لعقود،غير أن التحولات الجيوسياسية والصراعات المستمرة في المنطقة فتحت الباب أمام إعادة رسم خرائط طرق الإمداد والعبور.
في هذا السياق، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية مطلع الأسبوع الفائت وصول أول حاوية ترانزيت قادمة من ميناء العقبة إلى مرفأ اللاذقية، في خطوة وصفتها بـ"تفعيل مسارات العبور الإقليمي"، فهذا التطور يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الموانئ السورية على فرض نفسها كعقدة وصل دولية بديلة في ظل بيئة إقليمية متغيرة، وما إذ كانت هذه الخطوة تمثل بداية تحول استراتيجي في منظومة النقل واللوجستيات بالمنطقة أم أنها تظل محصورة بإجراءات محدودة التأثير.
يستشرف هذا التقرير مستقبل الترانزيت البحري السوري في ظل الإمكانات والتحديات الراهنة، مع اختبار فرضية تحول اللاذقية وطرطوس إلى مراكز تنافسية للربط بين الموانئ والأسواق الإقليمية.
الموانئ السورية كمسار إضافي 
قال الباحث الاقتصادي في شركة كرم شعار للاستشارات، ملهم الجزماتي، لموقع تلفزيون سوريا، إن الموانئ السورية لا تلغي المسارات البحرية التقليدية، ولا تعني تلقائياً أن كل شحنة من الخليج إلى أوروبا ستصبح أرخص أو أسرع عبر سوريا، لكن في لحظة اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، فإن القيمة الاقتصادية للموانئ السورية ترتفع بوصفها نقطة تفريغ أقرب إلى شرق المتوسط، يمكن أن تُستخدم لإعادة توزيع جزء من البضائع براً أو بحراً قصيراً نحو أسواق مجاورة أو مرافئ أخرى.
وتابع أن هذه الميزة هنا ليست في "استبدال" مضيق هرمز أو قناة السويس، بل في خلق مسار إضافي يختصر جزءاً من زمن الانتظار والمخاطر عندما تصبح المسارات التقليدية أكثر كلفة أو أقل يقيناً، لكن تحقيق هذه الميزة فعلياً يحتاج إلى كفاءة تشغيلية عالية وربط بري سريع وموثوق، وإلا تبقى الفكرة جغرافياً صحيحة لكن اقتصادياً محدودة، مشيراً إلى أن التوترات في الخليج العربي والبحر الاحمر بالفعل دفعت معظم كبار مشغلي الحاويات في عام 2026 إلى العودة للتحويل حول رأس الرجاء الصالح، مع زيادة زمن الرحلة بنحو 10 إلى 15 يوماً مقارنة بمسار السويس، ما يفسر لماذا عاد الاهتمام بمنافذ المتوسط الشرقية كخيارات مرونة إضافية.


 علاقة تكامل أم منافسة؟
وأشار الجزماتي إلى أن موانئ اللاذقية وطرطوس ينظر إليها في المرحلة الحالية، كرئة إضافية أكثر من كونها منافساً مباشراً للعقبة، لأن المنافسة الكاملة تحتاج انتظاماً أعلى في الخطوط، وثقة تأمينية مستقرة، وقدرة لوجستية عابرة للحدود، وهذه أمور ما تزال قيد البناء في الحالة السورية، موضحاً أن "مايمكن قوله الآن هو أن وجود طرطوس واللاذقية ضمن مشهد إقليمي مضطرب يضيف مرونة إلى سلاسل الإمداد في المشرق، لأن الشركات والدول لا تبحث فقط عن الأرخص، بل عن تعدد الخيارات عندما تتعرض الممرات الأخرى للضغط".
وأضاف أن الموانئ السورية قد تكون مكملة للعقبة أكثر من كونها بديلاً عنه في الأجل القصير، خصوصاً إذا استُخدمت لاستيعاب جزء من الضغط أو لتوفير منفذ إضافي للبضائع المتجهة إلى الداخل السوري أو إلى بعض الأسواق المجاورة، أما الانتقال إلى منافسة حقيقية هو مرتبط بقدرة سوريا على تحسين الأداء التشغيلي والربط اللوجستي والامتثال الدولي.
من جانبه، بين الدكتور أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة، عبد الرحمن محمد، لموقع تلفزيون سوريا أن "وجود بديل جاهز وفعال يمنح المنطقة بكاملها مناعة ضد الصدمات الخارجية، ومن مصلحة المستثمرين وشركات التأمين أن لا تكون كل البضائع محمولة على مسار واحد، فتنويع المسارات العقبة واللاذقية وطرطوس يُوزع المخاطر الجغرافية، ويُقلل من احتمالية توقف كامل لسلاسل الإمداد".

"الاستثمارات كشهادة ثقة"
وحول مساهمة الاستثمارات في الموانئ السورية بإعادة الثقة الدولية، لفت الجزماتي إلى أن الاستثمارات في موانئ طرطوس واللاذقية مهمة لأنها تفعل شيئين في آن واحد: أولاً: تضخ رأس مال فعلي في البنية التحتية، وثانياً: تبعث إشارة ثقة إلى السوق الدولية بأن سوريا عادت قابلة للدخول في عقود طويلة الأجل مع مشغلين عالميين.  
بدوره، أوضح محمد أن اتفاقية موانئ دبي العالمية في طرطوس واستثمارات "CMA CGM" في اللاذقية تعتبران أكثر من مجرد صفقات مالية، فهما بمنزلة شهادة ثقة دولية في الجدوى الاقتصادية للبوابة السورية، مشيراً إلى أن دخول مشغلين عالميين يعني فرض أنظمة تشغيل رقمية متطورة وحوكمة شفافة في إدارة الأرصفة والجمارك، وهذا يقطع الطريق على البيروقراطية التقليدية ويُطمئن المستثمرين الأجانب بأن بضائعهم ستتم مناولتها بكفاءة عالمية.
وأضاف أنهما رسالة واضحة لبقية الشركات متعددة الجنسيات بأن سوريا أصبحت بيئة آمنة وقابلة للاستثمار طويل الأجل، فهذه الشركات لديها القدرة على التفاوض مع معيدي التأمين العالميين، مما يُسهل عملية خفض تكاليف الشحن والتأمين على البضائع المتجهة إلى سوريا، وهذه التحالفات تربط الموانئ السورية بشبكات خطوط الملاحة العالمية التي تديرها هذه التكتلات الكبرى، ما يعني أن سوريا لن تكون محطة هامشية بل جزءاً من جدول رحلات منتظم لأكبر سفن العالم.

الانعكاسات المحلية المتوقعة
وعن الانعكاسات المحلية، أشار جزماتي إلى أنه إذا نفذت الاستثمارات المينائية بصورة جدية، فالأثر المحلي لن يقتصر على العمالة داخل المرفأ فقط، فهناك طبقة أولى مباشرة من الوظائف تشمل (تشغيل،مناولة، صيانة، خدمات بحرية، أمن، تخليص جمركي، ونقل)، لكن الأهم هو الطبقة الثانية غير المباشرة التي تتضمن (التخزين،الشحن البري، الخدمات اللوجستية، المناطق الحرة، الصناعات الخفيفة المرتبطة بالتجميع أو التعبئة، والخدمات المساندة من صيانة وتموين واتصالات)، فهذا مهم لمدن الساحل لأن الميناء في الاقتصاد الحديث لا يعمل منفصلاً عن المدينة، بل يمكن أن يصبح محركاً لبيئة أعمال أوسع إذا جرى ربطه بمناطق صناعية وخدماتية.
قي ذات السياق، أضاف أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماه أن الانعكاس المحلي لهذا النشاط متعدد الأبعاد ويمثل طوق نجاة لاقتصاد الساحل السوري، لافتاً إلى أنه سيكون هناك زيادة إيرادات للخزينة العامة من رسوم الترانزيت والضرائب، مما يوفر موارد لتمويل إعادة الإعمار والخدمات الأساسية من دون الاعتماد الكلي على المساعدات الخارجية،وإحياء قطاع النقل البري ما ينعش اقتصاد المحافظات الداخلية أيضاً، بالإضافة إلى رفع تنافسية العامل السوري عالمياً لأن العمل مع مشغلين عالميين يفرض برامج تدريب مكثفة للشباب السوري على أحدث أنظمة إدارة اللوجستيات والسلامة المهنية واللغة الإنكليزية التقنية.

سوريا مركزاً لوجستياً
أما على صعيد المتطلبات التقنية لتصبح سوريا مركزاً لوجستياً، لفت الجزماتي إلى أن المتطلبات التقنية تبدأ من الأساسيات، وهي كالتالي:
تحتاج الموانئ إلى تعميق الأرصفة ورفع قدرتها على استقبال سفن أكبر، وتحديث الرافعات والمعدات وساحات التخزين
تحتاج إلى رقمنة العمليات
هناك حاجة إلى رفع سرعة المناولة وتقليص زمن بقاء الحاويات في الميناء، لأن الميناء لا يصبح مركزاً لوجستياً فقط لأنه كبير، بل لأنه سريع ويمكن التنبؤ بأدائه
لا بد من الربط بشبكة طرق وسكك ومناطق لوجستية داخلية، لأن أي ميناء من دون "ظهر بري" فعّال يبقى مجرد نقطة وصول لا منصة توزيع.
ويوافقه الرأي محمد، ويقول إن "الموقع الجغرافي المتميز شرط ضروري لكنه غير كافٍ، و للانتقال من مجرد ممر عبور إلى مركز لوجستي عالمي، يجب استيفاء المتطلبات التقنية الرئيسية المذكورة سابقاً".

وفيما يتعلق بكيفية تعامل الموانئ السورية مع متطلبات شركات التأمين العالمية، نوه الجزماتي إلى أن هذا الأمر هو الاختبار الأهم، لأن الميناء قد يُطوَّر تقنياً لكنه يبقى مكلفاً أو صعب الاستخدام إذا ظلت كلفة التأمين والغطاء الحربي مرتفعة، فشركات التأمين العالمية، خصوصاً أندية الحماية والتعويض وشركات التأمين البحري، تنظر إلى مجموعة من عوامل: أمن الميناء، شفافية الإجراءات، القدرة على إدارة المخاطر، الامتثال للعقوبات إن وُجدت، وسياق الحرب والمخاطر المحيطة.
ففي عام 2026 بقيت التغطية الحربية في البحر الأحمر والخليج متاحة على أساس كل رحلة على حدة، مع مراجعات مستمرة من شركات التأمين بسبب سرعة تغير البيئة الأمنية، هذا يعني أن الموانئ السورية، إذا أرادت جذب خطوط أكبر بشكل مستدام، ستحتاج إلى ما هو أكثر من تحسين الأرصفة: ستحتاج إلى بيئة امتثال موثوقة، وتقارير سلامة وأمن دورية، وتعاون أوضح مع المصنفين وشركات التأمين والهيئات البحرية الدولية، وفق جزماتي.

الترانزيت فرصة سوريا للعودة العالمية
وختم محمد حديثه، قائلاً إن "وصول حاوية الترانزيت الأولى من العقبة إلى اللاذقية هو أكثر من مجرد خبر اقتصادي عابر، لأنه أثبت مفهوم  أن الجغرافيا السورية قادرة على استعادة وظيفتها التاريخية كمعبر للثروات والأفكار بين الشرق والغرب، ونحن أمام فرصة نادرة لإعادة بناء الاقتصاد السوري وفقاً لنموذج اقتصاد الممرات بدلاً من نموذج الاقتصاد الريعي المغلق".
ونوه إلى أن الاستثمارات الحالية في البنية التحتية الصلبة (الأرصفة والآليات) يجب أن تواكبها استثمارات موازية وأكثرأهمية في البنية التحتية الناعمة: أي في الحوكمة الرشيدة، ومكافحة الفساد الجمركي، وتبسيط الإجراءات، وبناء نظام قضائي تجاري موثوق يحمي حقوق المستثمرين والناقلين على حد سواء.
وإذ نجحت سوريا في تحييد قطاع الترانزيت عن التجاذبات السياسية الداخلية والإقليمية، وأدارته بعقلية الحياد الإيجابي، كما تفعل سنغافورة أو دبي، فإن هذا القطاع لن يكون مجرد مصدر دخل، بل سيكون حجر الزاوية في عودة سوريا كدولة محورية فاعلة في الاقتصاد العالمي خلال العقدين القادمين، بحسب محمد.
فالموانئ السورية تملك مقومات جغرافية مؤهلة، لكن تحولها إلى عقدة لوجستية إقليمية يتوقف على مدى جدية تنفيذ الاستثمارات المبرمة مع المشغلين العالميين، فدخول شركات بحجم "موانئ دبي العالمية" و"CMA CGM" يفرض نقلة نوعية في الكفاءة والحوكمة، وهما مفتاحا الثقة الدولية، ومن دون ذلك، تبقى حاوية الترانزيت الأولى مجرد حدث إعلامي عابر لا أكثر، والموقع الجغرافي مجرد إمكانية غير مستثمرة.




المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=127&id=205249

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc