تسوق القلق: لماذا نشتري ما لا نحتاجه في زمن الحرب؟
16/04/2026





في زمن الحرب، يحصل تغيير تلقائي وغريزي في سلوك الأفراد. فإذا بهم يهرعون لتخزين السلع بأنواعها، غذائية وطبية وغيرها التي يستخدمونها في حياتهم اليومية، وصولاً حتى إلى بعض السلع التي لا تعتبر حيوية، بل وحتى من الكماليات.

من اللحظة الأولى التي اندلعت فيها الحرب في لبنان والمنطقة، بدا وكأن تجارب الحرب السابقة عادت للأذهان مع الأزمات والحروب السابقة التي عاشها المواطنون، بكل ما رافقها من استغلال وارتفاع أسعار وانقطاع في السلع والأدوية والمحروقات، فتهافتوا إلى المحال التجارية في مختلف المناطق لشراء المنتجات بكميات إضافية وتخزينها لتوفير الشعور بالأمان الذي يعتبر مفقوداً في ظروف الحرب.

سلوكيات مختلفة في الحرب
في مختلف الأزمات والحروب السابقة، كان الأفراد يتهافتون إلى المحال التجارية أو إلى محطات الوقود أو الصيدليات لتأمين كميات إضافية من هذه السلع التي يحتاجون إليها تحسباً لاحتمال انقطاعها في وقت لاحق خلال الحرب. لكن في هذه المرة، بدا وكأن التهافت حصل في الساعات والأيام الأولى من المعارك، قبل أن تهدأ الأمور ويبدو وكأن الضغط على المنتجات قد تراجع وعاد الطلب لمستوياته الطبيعية.

 لكن في جولة سريعة قمنا بها على محطات المحروقات والمحال والصيدليات داخل العاصمة بيروت، يبدو أن مستويات الطلب لم تعد إلى تلك التي في الظروف العادية، وقد سجل تغيير في سلوكيات الأفراد، إذ إن الميل إلى التخزين قد تراجع بالمقارنة مع الأسبوع الأول من اندلاع الحرب، إنما في الوقت نفسه هم أكثر حرصاً اليوم على الإبقاء على مخزون كاف للشعور بالأمان، مثل ترك خزانات الوقود في السيارات ممتلئة وحفظ كميات إضافية من السلع الغذائية والأدوية الأساسية في المنازل.


تشير ساندرا إلى أنها مع اندلاع هذه الحرب لم تندفع لتخزين السلع بكميات كبيرة كما فعلت سابقاً في الأزمة الاقتصادية وفي ظل جائحة كورونا، فما فعلته آنذاك بدا لها غير منطقي، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من السلع التي خزنتها العائلة انتهت مدة صلاحيتها وأتلفت في تلك المرحلة. فلم يكن هناك أي مبرر لشراء هذه الكميات التي لا حاجة إليها، يضاف إلى ذلك أن الإمكانات المادية تراجعت بالمقارنة مع بداية الأزمة الاقتصادية، ولم تعد هناك قدرة على شراء سلع بهذه الكميات، لذلك تفضل اليوم شراء السلع كافة باعتدال وبحسب الحاجة.

أما كلويه فترى الأمور من منظار مختلف. من اليوم الأول الذي اندلعت فيه الحرب، سارعت العائلة إلى التبضع وشراء مختلف السلع من معكرونة ورز وخبز ومعلبات بكميات كبيرة تكفي لاحتياجاتهم لفترة، وصولاً إلى مساحيق التنظيف على اختلافها، لأن هذا يشعرها بالأمان في ظل كل الهواجس والمخاوف التي تغلب في ظروف مماثلة.

في الواقع، لم يتسن الوقت الكافي للمواطنين اللبنانيين هذه المرة ليتمكنوا من تخطي ظروف حرب "إسناد غزة" عام 2023 التي امتدت خلال أشهر طويلة، وقد سبقتها ظروف الأزمة الاقتصادية، وأيضاً تلك التي رافقت جائحة كورونا منذ نهاية 2019 وما تخللها كلها من نقص في بعض السلع وارتفاع في أسعار البعض الآخر مع زيادة معدلات الاحتكار.

وبصورة عامة يعتبر تخزين السلع هاجساً لدى الأفراد في الحروب والأزمات عموماً نظراً إلى الخوف من انقطاع الإمدادات وغلاء الأسعاء، وأيضاً بسبب كل الهواجس التي ترتبط بالحرب، ما يسهم إلى ارتفاع الأسعار ويدفع التجار إلى احتكار المواد.

سلوك طبيعي وغريزي
بالنسبة إلى الخبراء لا يعتبر هذا السلوك بالمستجد، بل هو غريزي وطبيعي لدى المواطنين وقد فرضته الحروب والأزمات عبر التاريخ. وما يوضحه الباحث والخبير في علم الاجتماع والديموغرافيا الدكتور شوقي عطيه أنه لا بد من التمييز بين السلوك العشوائي للمواطن والسلوك الذي له تفسير سوسيولوجي واجتماعي ونفس اجتماعي، لكن من المنظار الاجتماعي، كل سلوك للأفراد، وإن بدا عشوائياً وغير منظم، له تفسير سوسيولوجي. فبمجرد الشعور بوجود أزمة ما، يتصرف الأفراد إما وفق سلوك يستند إلى تجارب سابقة عاشوها، إما على أساس سلوك يهدف إلى حماية الذات. ففي الأزمات والحروب، يشعر الإنسان بصورة عامة بالعجز وتنبع سلوكياته من مقاربته الخاصة لحماية ذاته وسعيه إلى التأثير في مصيره الشخصي بتقليل الأخطار، لذلك يتجه كخطوة أولى إلى تأمين مستلزماته الأساسية، ومنها بصورة خاصة تلك التي قد تكون هناك صعوبة في تأمينها في ظروف معينة كالأدوية مثلاً، فهي تعتبر حيوية للأفراد، خصوصاً فئات معينة، ويشكل انقطاعها خطراً عليهم.

والسلع الغذائية، لا يصنفها عطيه في المرتبة الأولى بين السلع التي يتهافت الناس لتأمينها، بل يسبقها الدواء دائماً. وفي المرتبة الثانية، تحل السلع الغذائية والمستلزمات الخاصة بالفئات الأكثر ضعفاً مثل المسنين والأطفال، ويكون هناك تهافت لتأمينها وتخزينها بمعدلات زائدة. وهنا قد تكون لخبرة المجتمع في التجارب السابقة دور مهم في توجيه الأفراد في سلوكياتهم، وهي خبرة يتميز بها حكماً الشعب اللبناني نظراً إلى التجارب العديدة التي مر بها مع الأزمات والحروب.


الشعور بالاستقرار بعد الأمان
بصورة عامة، عند تخزين السلع في الأزمات والحروب، يكون التركيز على تلك القابلة للحفظ التي لها مدة صلاحية بعيدة المدى ولا تتلف سريعاً مثل المنتجات الجافة، والمعلبات والسلع الغذائية التي لا تحتاج إلى كهرباء لحفظها، هذا التموين هدفه تأمين الاستمرارية بالنسبة إلى الإنسان وتوفير الشعور بالأمان.

بعد تأمين السلع الضرورية التي تمنح الشعور بالأمان، يسعى الفرد عادة إلى تخزين المواد التي تمنحه الإحساس بالاستقرار التي ترتبط بنمط حياته، إذ يتجنب بذلك حصول تغييرات في نمط حياته بسبب عدم توافرها.

هذا ما يفسر تخزين بعضهم مواد هي من الكماليات أو من تلك التي يبدو تخزينها غير مبرر للآخرين أو فيه شيء من السخافة حتى، فهي سلع لا تعتبر حيوية أو أساسية، إنما هي كذلك بالنسبة إلى الشخص المعني، مثل مستحضرات التجميل، أمور تتعلق بالنظافة الشخصية، مكملات غذائية بخاصة لمن هم رياضيين، وفي بعض الحالات الثياب.

مثلاً، قد تلجأ النساء أحياناً إلى تخزين مستحضرات العناية بالبشرة ومواد التجميل كوسيلة لرفع المعنويات والشعور بالثقة والتمسك بالأنوثة في ظروف الحرب القاسية. وقد اعتبرت العناية بالمظهر في أربعينيات القرن الماضي في ظروف الحرب، وتحديداً خلال الحرب العالمية الثانية، سلاحاً لرفع معنويات الجنود والنساء العاملات.

وفيما يتطلب شراء هذا النوع من المنتجات أموالاً طائلة، لكن تحرص كثيرات على تخزينها خشية انقطاعها حتى أو أحياناً خوفاً من ارتفاع الأسعار.


أيضاً، يلجأ بعضهم إلى تخزين الشوكولا في الحرب خشية انقطاعه إذا كانوا من عشاقه. كما أنه يعتبر بالنسبة إليهم مصدراً للطاقة ووسيلة لتحسين المزاج في الظروف الصعبة، فتناوله ينعكس إيجاباً على النفسية.

كذلك الزيوت العطرية، التي على رغم أنها لا تعتبر أساسية، يلجأ بعضهم إلى تخزينها.

وبالنسبة إلى من يعيشون أوضاعاً معيشية صعبة، يبدو اقتناء مثل هذه السلع بمثابة الحلم، لكن بالنسبة إلى من اعتادوا الحصول عليها، تبدو فكرة انقطاعها أقرب إلى الكابوس. لذلك، في ظروف الحرب، هي لا تقل أهمية عن السلع الغذائية الأساسية التي من المفترض تموينها وخوفاً من انقطاعها أو من ارتفاع أسعارها أكثر بعد، وبالتالي هم يحرصون على تخزينها. بهذه الطريقة لا يكون هناك أي تأثير لهذا الانقطاع في نمط حياتهم المعتاد، ويكون من الممكن الحفاظ على مستوى معين من الرفاهية.

وأخيراً يلجأ بعضهم لتخزين المشروبات الغازية، فبالنسبة إلى من اعتاد على تناولها يومياً، يعتبر التخزين ضرورياً في الحرب، وإن كان تخزينها ليس عملياً ولها مدة صلاحية قصيرة عادة.

تجارب سابقة تركت أثراً والقلق طبيعي
تسهم التجارب السابقة التي مر بها الشعب اللبناني في رسم سلوكياته بصورة معينة، وهذا ينطبق على مختلف الشعوب. فبعد المرور بعدد كبير من الأزمات من عقود إلى اليوم، يتجه معظم الناس إلى تخزين المواد والتموين. بدءاً من الحرب العالمية الأولى والمجاعة الكبرى فيها التي تركت أثراً في سلوك اللبنانيين. وعند بداية الحرب العالمية الثانية، تهافت الناس للتخزين تماماً كما يحصل اليوم، ومن بعدها كذلك في مختلف الحروب والأزمات التي مرت بها البلاد.

هذا السلوك الذي يتكرر مع كل أزمة وحرب تبرره كل التجارب السابقة بسبب الإحساس بالخوف الذي له تفسير اجتماعي في نظرية يشير إليها عطية بـ"السلوك الجماعي والعدوى الاجتماعية"، فيرى الفرد أن كثيرين ممن حوله يتجهون إلى تخزين السلع فيفعل بالمثل ظناً أن ما يفعله منطقي ومبرر متأثراً بهم. حتى أن رؤية الطوابير أمام المحال التجارية أو في الصيدليات أو في محطات الوقود، يدفع آخرون لا شعورياً إلى الوقوف فيها والاندفاع للقيام بالمثل.

ويضيف "هناك تأثير اجتماعي للآخرين حيث يتأثر الناس إحساساً منهم بالاندماج الاجتماعي في الأزمات والحروب، وهذا لا يعتبر أنانية ولا مبالغة، بل هي درجات أعلى من الاستعداد. أيضاً يعتبر كل إنسان ابن بيئته وتؤثر مجموعة العادات والسلوكيات التي نكسبها عبر الأجيال في سلوكياتنا.

ويشير مثلاً إلى أن الولايات المتحدة الأميركية لم تشهد مثل هذه الأزمات ولم تندلع يوماً حرب على أرضها، لكن في عام 1929 شهدت البلاد أزمة كبرى، وهناك شريحة من المواطنين الأميركيين لا تزال متأثرة بهذه الأزمة من جيل إلى جيل. ومنذ الحرب الباردة، شيد أشخاص في الولايات المتحدة الأميركية ملاجئ محصنة ضد الهجمات النووية تحت المنازل، ويحرصون على إبقاء كميات من السلع الغذائية التي لا تفسد فيها مع مستلزمات العيش كافة، ويجددون ما فيها من مخزون باستمرار.

تبدو سلوكيات الأفراد في الأزمات لافتة، وهي من المجالات التي يجري التركيز عليها في علم الاجتماع لما فيها من ظواهر، ويبدو لافتاً مثلاً أن من السلع التي انقطعت أولاً من الأسواق على مستوى العالم، ومنها أستراليا، في ظل جائحة كورونا، ورق المرحاض، ما يبدو مفاجئاً إلى حد كبير. وعلى رغم أنها ظاهرة مستغربة لكن في الواقع، يبرر ذلك بأن ورق المرحاض من السلع التي لا توضع بكميات كبرى منها في السوبرماركت بسبب حجمها، كما بالنسبة إلى المعلبات ذات الحجم الصغير، وفق ما يوضحه عطيه. فإذا اشترى بعض منها هي تنفذ سريعاً من الرفوف في السوبرماركت. ومع رؤية الرفوف فارغة من هذه السلعة يتهافت الناس لشرائها بكميات كبرى، مما يؤدي إلى انقطاعها.

حتى أنه في الأزمات، يزيد الاستهلاك التعويضي ومعه الطلب على السلع بكميات كبرى تفوق تلك التي كانت تستهلك سابقاً، وكأن في ذلك تعويض عن النقص الحاصل في الحياة الطبيعية. فيشعر الفرد بالسيطرة على المصير والحياة، وهذا ما حصل في ظل جائحة كورونا، إذ ازدهرت شركات التجارة الأونلاين، بما أن الشراء فاق إلى حد كبير المعدلات الطبيعية.

كيف يفسر علم النفس هذا السلوك؟
أما حول التفسير النفسي لسلوكيات الأفراد في ظروف الحرب، فأوضحت الاختصاصية في المعالجة النفسية الدكتورة كارول سعادة أنه في الحرب ثمة رد فعل طبيعي لدى الأفراد يظهر في آلية دفاعية ناتجة من القلق والخوف من المستقبل. إنما في الوقت نفسه، نظراً إلى التجارب العديدة السابقة في لبنان، وفي ظل انعدام الاستقرار، يعتبر القلق حالة طبيعية تدفع كثيرين إلى الاندفاع للتموين وتخزين السلع. بالتالي يعتبر هذا الميل مبرراً في ظروف معينة. وتسيطر على كثيرين حالة قلق من انقطاع بضائع وعدم استمرار وصول الشحنات بصورة طبيعية من الخارج في حال تأزم الوضع، خصوصاً في ما يتعلق بالسلع الغذائية.

لكن بحسب سعادة هذا الميل يختلف بين شخص وآخر، فثمة أشخاص هم أكثر يواجهون مستويات أعلى من القلق ويكونون عرضة للخوف بمعدلات كبرى. كما تشير إلى العدوى الاجتماعية والعاطفية، التي تدفع كثيرين إلى اعتماد سلوكيات مشابهة لتلك التي يعتمدها آخرون لتوفير الشعور الذاتي بالأمان.

وضع تحت السيطرة ولا أزمة في الأفق
يؤكد نقيب مستوردي السلع الغذائية هاني بحصلي أنه بعد ارتفاع الطلب خلال الأسبوعين الأولين من بداية الحرب على السلع كافة التي من الممكن تخزينها، هدأت الأمور ولم يعد يسجل إقبال كثيف. ويشير إلى أنه لو كانت هناك أزمة لرأينا انقطاعاً في منتجات أو رفوفاً فارغة في المحال التجارية ما لم يحصل أبداً، وهذا لم يحصل حتى في حرب عام 2024. لذلك من الناحية الاقتصادية لا تسجل أية مشكلة أو أزمة، وما من داع إلى القلق، علماً أن المرة الأخيرة التي حصل فيها انقطاع في المنتجات كانت من 40 عاماً في لبنان.

يعتبر بحصلي أن المخاوف مبررة أحياناً، خصوصاً في حال وجود أفراد مسنين أو أطفال في المنازل أو مرضى لتأمين احتياجاتهم بصورة متواصلة. أما في ما عدا ذلك، فما من دواع لتخزين كميات السلع بكميات مبالغ فيها، والأفضل هو الشراء ضمن حدود المنطق.

اليوم، وبعد مرور أكثر شهر على بداية الحرب، يشير بحصلي إلى من أراد الشراء لتخزين السلع سبق أن فعل في الأسبوع الأول من الحرب وعادت الأمور لطبيعتها لاحقاً. أما مع النزوح، فإن الوضع مختلف لما يترتب عنه من ضغط على المحال التجارية في المناطق التي حصل فيها نزوح. إنما في كل الحالات، تسير الأمور بصورة طبيعية، وما من أزمة أو انقطاع في أي منتجات على رغم استمرار الحرب.

ويختم بالتأكيد على أنه حتى اللحظة يعتبر الوضع مطمئناً وطبيعياً بما أن الشحنات تصل بصورة طبيعية بخاصة إلى مرفأ بيروت، وحركة الشحن براً وبحراً وجواً طبيعية، لكن لا ينكر أن تهديد معبر المصنع شرق البلاد الذي يشكل البوابة البرية التجارية الأهم، وتمر من خلاله البضائع على الحدود اللبنانية - السورية، قد يشكل مشكلة في المستقبل.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=200&id=205255

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc