أسباب تدفع بسوء الدخل في سوريا الى السطح
سمير سعيفان : الجمعيات والشركات التعاونية لمواجهة فجوة توزيع الثروة وتحقيق العدالة في سوريا




 
مختصون اقتصاديون : سوريا تحتاج الى بناء عقد اجتماعي جديد .. والبداية من تضيق الفجوة بين الفقراء " الغالبية " والاثرياء " القلة  
توسيع قاعدة توزيع الدخل عبر مشاريع تنافسية ومنتجة بما يتفق مع آليات اقتصاد السوق
ربع السكان في سوريا يعانون من الفقر المدقع و56 في المئة يفتقرون للأمن الغذائي
 
 
يؤكد باحثون اقتصاديون سوريون أنه لابد من أن تخطو الدولة في سوريا باتجاه سياسات جديدة إن لم تؤدي الى عدالة توزيع الثروة بالشكل المطلوب فعلى الأقل ردم الفجوة بين الفقراء " الغالية " والاغنياء " الأقلية ,  واتباع سياسات تؤمن فرص العمل والتشغيل والعيش الكريم متفقين على أن العمل التعاوني يشكل أحد أدوات تحقيق ذلك

سيرياستيبس :

في بلد يعاني 80 في المئة من سكانه من الفقر , " تقارير أممية  تقول أن النسبة قد تصل  90 في المئة " , ومع وجود 65 في المئة من السكان  يفتقدون الى الأمن الغذائي ,  يبدو الحديث عن "عدالة توزيع الثروة في سوريا " في وقته المناسب , فسنوات الحرب أدت الى أزمات اقتصادية متلاحقة جعلت ملايين السوريين عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الرئيسية بينما يشير تقرير للبنك الدولي صادر عام 2024  أن ربع السكان يعانون من الفقر المدقع , على التوازي مع  تدهور مستوى رفاه الأسر السورية خلال السنوات الاخيرة بسبب الأزمة المالية التي ضربت لبنان عام 2019 وحيث ضاعت أموال السوريين وتقدر بمليارات الدولارات ,  الى جانب تأثيرات جائحة كوفيد , ومن ثم الزلزال الذي ضرب البلاد وحتى الحرب الروسية على اوكرانيا كلها أسباب ساهمت في تراجع معيشة ورفاه السوريين واستنزاف قدرتهم على الانفاق مع تراجع  الخدمات بشكل كبير خاصة في السنوات الاخيرة وزيادة معدلات البطالة .. 
 
يؤكد باحثون اقتصاديون سوريون أنه لابد من أن تخطو الدولة في سوريا باتجاه سياسات جديدة إن لم تؤدي الى عدالة توزيع الثروة بالشكل المطلوب فعلى الأقل ردم الفجوة بين الفقراء " الغالية " والاغنياء " الأقلية ,  واتباع سياسات تؤمن فرص العمل والتشغيل والعيش الكريم متفقين على أن العمل التعاوني يشكل أحد أدوات تحقيق ذلك

"جمعية العلوم الاقتصادية " وهي من أعرق الجمعيات التي اهتمت بالاقتصاد السوري على مدى اكثر من 60 عاما خصصت " الثلاثاء الاقتصادي " وهو موعد شهري لعقد ندواتها الحوراية الاقتصادية  , لطرح  موضوع  "عدالة توزيع الدخل والديمقراطية الاقتصادية  "  .  

المشاركون في الندوة من الخبراء الاقتصاديين , اتفقوا على أنّ الوقت قد حان لتمتلك سوريا منظومة اقتصادية قادرة على بناء "عقد اجتماعي جديد "  يقوم على توزيع عادل للثروة  , متفقين على أن العمل التعاوني يشكل أساساً لتحقيق ذلك , خاصة وأنّ  سنوات الحرب والسياسات الاقتصادية التي انتهجب على مدى عقود  أدت الى تمركز الثروات في يد قلة من المتنفذين والاثرياء ,في حين كان هناك اتفاق على أنّ اقتصاد السوق الحر الذي تحولت إليه سوريا  بعد سقوط النظام السابق  جاء تطبيقه بشكل متسرع  وظهرت نتائجه السلبية  قبل الايجابية ؟

أسباب  تدفع  بعدالة توزيع الدخل في سوريا الى السطح
 
    يقول المدير السابق لمركز حرمون للدراسات المعاصرة والباحث الاقتصادي السوري " سمير سعيفان " أنه وإضافة لويلات الحرب السورية ,  فإنّ القرارات التي تتخذها الحكومة السورية  تتسبب بارتفاع نفقات الأُسرة , بينما لا تملك الحكومة موارد كافية لزيادة الرواتب بما يعادل انعكاسات زيادات الأسعار وغلاء المعيشة على أكثر من  80 في المئة  حسب تقديرات بعض المصادر، مثل ارتفاع أسعار الخبز و الغاز المنزلي و حوامل الطاقة وتسريح مئات آلاف العاملين من عسكريين وأجهزة أمن وشرطة والموظفين المدنيين  الى جانب قرارات تتعلق بإيجارات العقارات من مباني تجارية ومساكن تعود للوقف ومواقفها من موضوع الاستثمارات السورية والأجنبية وغيرها , وهذه كلها  أسباب  تدفع بموضوع "عدالة توزيع الدخول " الى السطح، وتطرحه بقوة ، وهو الموضوع الذي لم يهتم به السوريون من قبل  .
 
في محاضرته يرى "سمير سعيفان " ,  أنه طالما أن اقتصاد السوق الحر بات قدر سوريا، فلابد من التوجه نحو اعتماد سياسات ومبادرات مجتمعية تسهم في تقليص فجوة توزيع الدخل وتحسين مستوى العدالة في توزيعها، وبالتالي العدالة الاجتماعية ، على أن تنبثق تلك السياسات والمبادرات من صلب اقتصاد السوق الحر" الذي جاء متوحشاً في سوريا حتى الآن "  ولا تتعارض مع مبادئه القائمة على حرية العرض والطلب وحرية الملكية الخاصة وحرية ممارسة الأعمال وحرية الدخول إلى السوق والخروج منه وحرية المبادرة الاقتصادية وحرية المنافسة وغيرها من مبادئ عريضة. أي تبقى حرية العمل لرأس المال بكافة أشكاله وحجومه
    
الجمعيات التعاونية لتوسيع قاعدة الملكية والدخل  في سوريا 

يقدم "المختص السوري "  وصفته لتقليص فجوة الدخل في سوريا , من خلال العمل التعاوني , إذ أنه يمكن تحقيق العدالة في توزيع الدخل عبر توسع قاعدة المالكين ،   من خلال زيادة حصة الملكيات الخاصة الجماعية , بمعنى أن يصبح معظم السوريين مالكين أو مساهمين في ملكيات صغيرة، مع تنمية تدريجية لحصة المؤسسات الفردية الصغيرة والتعاونية والمساهمة غير الاحتكارية والحكومية، إلى أن تصبح هذه الملكيات تنتج الجزء الأكبر من الدخل الوطني، وتشغّل العدد الأكبر من العاملين.  وصولا الى أن يصبح  الجزء الأكبر من الدخل وربما معظمه عائدًا للقسم الأكبر من المواطنين ، بدلاً من حفنة صغيرة من الأغنياء .
 
  و يقترح  "سعيفان "  ,  أشكال عديدة للملكية منسجمة مع قواعد عمل اقتصاد السوق و المنافسة , وتظهر "الجمعيات التعاونية "  لتكون الشكل الانسب لتطبيقه في سوريا باعتبارأكثر ديناميكية وعدالة لملكية وسائل الإنتاج، سواء كان من شكل ملكية الدولة التي انهارت تجربتها الرئيسة ، أو الملكية الرأسمالية الليبرالية السائدة اليوم  , مشيرا الى أن التعاونية تمتلك كل أسباب النجاح فهية منشأة جماعية وتشجع الديمقراطية وتقيم أسواقا حرة وترفع الكرامة البشرية.
   

" الاقتصادي السوري , أوضح أنه  لم يكتب للعمل التعاوني أن يلعب دوراً هاماً في سوريا ، فقد اتجهت سياسة الدولة سابقًا لتعزيز القطاع العام، كما لم يبادر الناس ليقيموا قطاعهم التعاوني، وحتى الأحزاب التي كانت تدعو للاشتراكية والعدالة الاجتماعية لم تضع في اهتمامها الفعلي ضرورة تنمية هذا القطاع. وقد لعبت ظروف عديدة دور المعرقل لقيام هذا القطاع . لذا نرى واقع هذا القطاع في سوريا متواضع نسبيًا ,  ورغم ذلك فقد لعب بعض الأدوار بنجاح منظور قبل أن ينخره الفساد الذي عم في جسد الدولة والمجتمع السوري , ومن ثم تم التوجه لتصفيته بعد التوجه نحو اقتصاد السوق الريعي الليبيرالي . و لعب التعاون على سبيل المثال , دورًا ملحوظًا في قطاع المساكن، وقدمت الجمعيات التعاونية السكنية مئات آلاف المساكن لمحدودي الدخل ، و شجعتها الدولة  بتخصيص الأراضي المجانية او الرخيصة وتأمين مواد البناء بأسعار مدعومة وتقديم القروض بفوائد منخفضة.   و يمكن الحديث أيضاً عن تشكيل مئات التعاونيات في القطاع الزراعي، غير أنّه بقي هامشياً عدا تجارب قليلة. كذلك فشل التعاون الاستهلاكي و لم يستطع النمو لأن الدولة سيطرت عليه ,  و هنا بالضبط يمكن للمبادرات المجتمعية تأسيس تعاونيات استهلاكية وإنتاجية ، تحقق مداخيل إضافية للمساهمين فيها، وتوسع قاعدة توزيع الدخل. 

 
" الشركات التعاونية وملكيات البلديات " اللامركزية  
 
على مدى السنوات الماضية  حاولت سوريا تطبيق حالة من اللامركزية في الادارة المحلية ,  مركزة على إدارة البلديات المحلية  لشؤونها وتأمين نفقاتها من خلال استثمار ملكياتها وامكانياتها , لكن التجربة بقيت منقوصة وهددها الفساد والتراخي الاداري منذ ولادتها , و يعتقد " سمير سعيفان " ,   أن الملكيات البلدية  باعتبارها  تشكل ميداناً واسعاً للعمل التعاوني , عبر استثمار المرافق التابعة لها من خدمية وسياحية وإدارة النفايات وإعادة تدويرها .. الخ  , متحدثاً عن تجربة سوريّة رائدة في هذا المجال , هي تجربة مياه عين الفيجة، فعندما طرح الفرنسيون سنة 1921 منح مشروع جر مياه الفيجة إلى دمشق لشركة فرنسية، اعترض الرئيس  فارس الخوري، واقترح فكرة  جعل المشروع ملك للسوريين، وفي عام 1922 طرح لطفي الحفار نائب رئيس غرفة تجارة دمشق فكرة تأسيس شركة مساهمة وطنية لنقل مياه الفيجة إلى دمشق وتم فتح باب الاكتتاب العام على شكل اشتراكات بالمياه، وبيع المتر الواحد من الماء بالتقسيط مقابل 30 ليرة ذهبية. وتم ربط الاشتراك بمياه الفيجة بملكية العقار بحيث لا يجوز التنازل عنه أو بيعه إلا مع بيع العقار
وفي السياق أكد أنّ النقابات العلمية الموجودة في سوريا  ميدان جاهز لإقامة شركات تعاونية تخصصية كل نقابة بحسب ميدانها، يساهم بها جميع النقابيين  . وتوزع أرباح هذه الشركات على جميع الأعضاء كعائد على الأسهم، أو الاحتفاظ ببعض الربح لتطوير الشركة. فيمكن لنقابة الأطباء إقامة شركة تعاونية لبناء مستشفيات ومستوصفات ، ويمكن لنقابة المهندسين إقامة شركة تعاونية للدراسات الهندسية والمقاولات, ويمكن لنقابة المعلمين إقامة شركة تعاونية لإقامة مدارس ومعاهد   .
 سعيفان , أكد أنّ التعاون ينشأ وينمو، ولا يُفرض بقرار كونه  يعبر عن الديمقراطية الاقتصادية و يجب أن ينمو عبر قناعة الناس واختيارهم الحر.  وعبر المنافسة مع قطاعات وأشكال الملكية الأخرى وخاصة الرأسمالية الكبيرة. ولا يعتبر التعاون شكلاً بديلاً أو منافساً للملكية الفردية والصغيرة، بل هما يتكاملان ,  وتفوقه يعتمد على إدراك الناس أن التعاون هو قطاعهم، وهم على استعدادهم لدعمه ,  وعلى غرار الشركات التعاونية يقترح  " الخبير السوري  إقامة شركات مساهمة غير احتكارية باعتبارها من أوعية العدالة في توزيع الدخل مشترطا أن لايملك أي فرد أو عائلته أكثر من 1 في المئة بحيث تكون أسهمها صغيرة ويمكن لاي مواطن أن يشتريها,  مذكرا في هذا السياق  أن الشركات السورية كانت تنحو منحى الشركة المساهمة حتى قبل عهد الوحدة مع مصر، وكان عشرات آلاف السوريين لهم مساهمات صغيرة فيها، ولكن بعد إجراءات التأميم غاب هذا الشكل من الشركات تقريبًا ونحا رأس المال منحى الشركة العائلية  

 شروط بناء العقد الاجتماعي في سوريا
 
تحتاج سورية اليوم إلى صياغة رؤية تنموية تقوم على دعم الاقتصاد المنتج الحقيقي , وهذا لن يتحقق إلا بتوفر مجموعة من الشروط  , وأهمها بحسب " سعيفان " ,  إنتاج مناخ صديق للاستثمار المنتج ، وضمان مستويات دنيا من الفساد وفاعلية في مكافحته "في مجتمع أصبح فيه الفساد ثقافة مجتمعية " ,  وتوفير مناخ من الحريات العامة وبناء برجوازية وطنية لديها مشروع وطني , وإتاحة ألية فعالة للرقابة على أداء المؤسسات الحكومية المركزية والمناطقية , والقدرة على المحاسبة
مؤكداً أنّ  تحفيز التنمية العادلة التي تعود بمنافعها على الجميع، يتطلب فاعلية مجتمعية تجعل كتلة المشتغلين وكتلة صغار المالكين قادرةً على التعبير عن مصالحها وعلى التفاوض. كما يتطلب رؤية حكومية واضحة  تحفظ التوازن وتحقق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرسومة .
.
 "  اباحث الاقتصادي أوضح في حديثه , أن سوريا بحاجة الى  تشكيل مجلس اقتصادي اجتماعي، تتمثل فيه الأطراف الرئيسية الثلاثة للعقد الاجتماعي : الطرف الأول هو السلطة ممثلة بأجهزتها  والطرف الثاني هو قطاع الأعمال المنظم ممثلًا بغرف التجارة والصناعة واتحادات رجال الأعمال؛ والطرف الثالث هو المجتمع ممثلًا بنقابات العمال والنقابات المهنية والمنظمات الأهلية الكبرى للفلاحين والنساء والشباب والأحزاب السياسية والمؤسسات التمثيلية. ويكون هذا  المجلس ندوةً  للتشاور والاتفاق على قواعد تحفظ التوازن وتحفز التنمية الاقتصادية 
 مؤكداً على ضرورة وحتمية تحقيق أرضية صلبة لتوسيع قاعدة إنتاج الدخل، ليكون لدى سوريا المزيد من الدخل المتاح، وتأمين أرضية صلبة لتوسيع قاعدة توزيع الدخل  وصولاً  الى الهدف الأهم وهو  توزيع أكثر عدالة للدخول وبما يتفق مع آليات اقتصاد السوق، وقال : سوريا بحاجة اليوم وأكثر من وقت مضى  الى السير المتوازن و السريع للأمام قبل أن تصبح مخاطر عدم العدالة في توزيع الدخل خطر يتهددها وحيث لن تكون الأمور .  


  



المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=131&id=205344

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc