لمكافحة التضخم والبطالة والفقر.. ورشات صغيرة تقودها نساء سوريات
30/04/2026
سيرياستيبس
لا تسحرهنّ الأضواء، أو هاجس استقطاب المتابعين على السوشيال ميديا، لكنّهن مشغولاتٌ بتحسين المستوى الاقتصادي للأسرة، وإرضاء شغفهنّ بالانتاج عبر ورش صغيرة، تقاوم بشراسةٍ، أحوال المعيشية الصعبة.
هكذا تمكنت العديد من نساء سوريا، من ترك أثرٍ في سوق العمل المحلي، والتغلب على البطالة ورفع مستوى الدخل، الذي تربطه تلك النساء العاملات، بمستوى الأمل والإصرار، وعدم الاستسلام لقدرية الفقر.
لا يهتمون بالنظريات الاقتصادية.. بل بالإنتاج
في مدينة سلمية بريف حماة الشرقي، الفكرة التي بدأت بها "أم علي السلوم" مشروعها، كانت بسيطة وبرأسمال قليل، لكن مع الوقت، أصبحت من أشهر العاملات في تجهيز مؤونة المنازل من المواد الغذائية الموسمية، إلى جانب عملها الدائم في صناعة مشتقات الحليب.
تقول أم علي لموقع تلفزيون سوريا، إنها اقتصرت على توصيات الزبائن، من المكدوس والزيتون والملوخية.. لكن بعد أن حققت سمعة طيبة، بدأت تصنع كمياتٍ تقوم بتجهيزها وتغليفها وعرضها للبيع، في المحل الذي استأجرته قرب الورشة.
لا تعرف أم علي شيئاً، عن الكلام النظري في الاقتصاد أو حسابات جدوى المشاريع، لكنها ترى بأن أي مشروع مهما بدا صغيراً، يمكن أن يصبح مصدر رزق للعائلة، إذا تم إنجازه بحسب الأصول، خاصة من جهة النظافة وجودة المواد الأولية.
تعتقد أم علي، أنها الأكثر حرية بين أقرانها النساء، بسبب استقلالها الاقتصادي، وعدم ارتهانها لراتب الوظيفة.. وتضيف: "طوابير الموظفين على الصرافات يبعث على الأسى، عدا تأخر رواتب المتقاعدين المتواضعة، ومعها التعويضات البسيطة التي ينالها الموظف بعد 30 سنة من الخدمة".
في الوقت نفسه، لا تخفي أم علي، قلقها من المستقبل، خاصة من ناحية تخصيص الطبابة وغلاء الأدوية.. وتقول: "نشاهد كل يوم كيف يعاني المرضى بسبب غياب الخدمات في المشافي، واضطرارهم لشراء أدوية الأمراض العضال".
تتحدث أم علي، باطمئنان وثقة، وهي تحرك قدر الحليب المغلي في ورشتها البسيطة، ففي هذا المكان تنتج لبن الغنم الطازج كامل الدسم، كما تعد الأكلات الشعبية الموسمية الشهيرة مثل "اللوف والسلبين والشنكليش المعفن"، وتقول: "الأرض خيّرة، وجميع المواد الأولية من الإنتاج المحلي، ولا ينقص المرء سوى اتخاذ القرار والبدء بالعمل، حتى يصبح حرّاً في الجانب الاقتصادي، وهو الجانب الأهم في الحياة".
عصفوران بحجر واحد: إرضاء النفس ورفع مستوى الدخل
في ورشة "أم رامز" لصناعة الجلديات، يحضر إرضاء الشغف والاحتفاء بالجماليات، إلى جانب الهدف الاقتصادي. حيث تحول المنزل إلى ورشة عمل تدرب النساء وتقوم بتشغيلهنّ حتى يؤمنّ مصدر دخل إضافي.
تقول أم رامز: "أتقن صناعة الحقائب الجلدية، منذ زمن طويل، وقد قمت بتدريب الكثير من النساء على هذه الحرفة، واليوم عدت إلى إحيائها بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة".
تنهمك أم رامز بالعمل خلف ماكينة الخياطة، وتتحدث عن جانب تراثي وفني، دفعها لتعلم المهنة منذ سنوات طويلة، قبل أن تعود لممارستها الآن من أجل إرضاء شغفها والمساعدة في تحسين دخل الأسرة. وتضيف: "أتقن عدة حرف أخرى، مثل صناعة أغطية الوسائد والأسرّة والطاولات، لكن المشكلة في غلاء المواد الأولية الواجب توفرها للشروع بهذا العمل".
مع الوقت، أصبح للحقائب الجلدية التي تصنعها أم رامز، مستهلكون يرغبون بامتلاكها، ومحالها تشتريها لتعرضها للمستهلكين. كما أصبحت ورشتها الصغيرة، تعيل عدة أسرٍ عبر تشغيل المتدربات. كما شكل نجاح المشروع، مفاجأة في وقت يعم فيه انخفاض الدخل، والبطالة وركود السوق.
ورغم أن أم رامز، تؤكد عدم معرفتها بالقواعد العلمية لتأسيس المشاريع الاقتصادية، تقول إن النجاح ربما يكمن في النية الطيبة، وعدم الغش والمهارة في الصناعة.
ولا يبدو غريباً، أن تحدثنا أم رامز، عن تاريخ صناعة الجلود في سوريا وشهرتها عالمياً، حيث تؤكد أنها قادرة على منافسة أشهر الماركات العالمية، لو توفرت لها المواد الأولية المناسبة والآلات الحديثة.
بعيداً عن الجدل.. نريد العمل والإنتاج
تجارب المشاريع الصغيرة لنساء سوريا، تستحق دراسة اقتصادية ونفسية موسعة، فتلك المشاريع لا تتميز بأنها بدأت من الصفر فقط، بل تحررت أيضاً من العجز والشكوى، مفضلةً التغيير بالإرادة والإبداع، كما تقول أم علي، وهي تراهن على أن "الشنكليش" المعفن الذي تصنعه، أفضل من أشهر أنواع الجبنة الفرنسية.
وفي وقت، تشهد فيه الساحة السورية، نقاشات حادة حول التضخم وسوق العمل والقطاع العام والخصخصة، تفضل أم علي وأم رامز، عدم الانتظار لحين حسم الجدل وتحديد هوية الاقتصاد، لأن الناس محكومون بقوتهم اليومي الذي لا يمكن تأجيله أبداً.
ولا يعتبر الأمر مفاجئاً، عندما يكتشف المتابع، ثقافة هاتين السيدتين ومعرفتهما التي تقدمانها كخبرة في الحياة. حيث تبدو الجرأة في اتخاذ القرار والبدء بالمشروع، هي الفاصلة في رسم الملامح الأولى لنجاح المشروع.
تحدثنا السيدات العاملات في المشغل، عن حقوق المرأة وإمكاناتها الكبرى في العمل وابتكار الجديد. وتقول إحداهن: "لو أن النساء لا يكتفين بمهمتهنّ كربات للمنازل، ويفكرن بفعل شيء على الصعيد الاقتصادي، لاختلف المشهد".
وفيما تتحدث أخرى عن ضرورة تحقيق المرأة العازبة، لاستقلالها الاقتصادي، قبل الإقدام على الزواج، تؤكد أخرى أن الأمهات يمكنهنّ المساهمة في دعم أبنائهن اقتصادياً عبر العمل، لتكون حياتهم أفضل في الدراسة وتطوير الذات.
نغادر ورشتي عمل أم علي وأم رامز، يرافقنا أمل غامض، وسعادةٌ خفية تقول: إن المجتمع السوري حيّ وقادر دائماً على الابداع والنجاح.. وكما تقول أم رامز: "نحن نخيط الحقائب لنخبَّأ حلمنا الثمين بالحياة، كما نصنع الأغطية المزركشة، حتى يبدو كل شيء جميلاً".
تلفزيون سوريا
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=127&id=205466