"نوبيتكس: ذراع الحرس الثوري للوصول إلى أسواق العملات المشفرة العالمية
02/05/2026
سيرياستيبس
يسيطر شقيقان من عائلة نافذة في إيران تربطها علاقات وثيقة بالزعيم الأعلى الجديد مجتبى خامنئي على أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في البلاد، بعدما حولاها من شركة ناشئة إلى قناة تربط إيران بالاقتصاد العالمي، يستخدمها كل من المؤسسات الحكومية الخاضعة للعقوبات والمواطنين العاديين.
ووفقاً لتحقيق أجرته "رويترز"، نفذت منصة "نوبيتكس" التي أسسها الشقيقان تحت اسم عائلي آخر، منذ إنشائها تعاملات تراوح قيمتها ما بين عشرات ومئات ملايين الدولارات مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات، من بينها البنك المركزي الإيراني والحرس الثوري.
ينتمي الشقيقان إلى عائلة خرازي، إحدى أكثر العائلات نفوذاً في الجمهورية الإسلامية، لكن السجلات الرسمية تظهر أنهما استخدما اسماً نادراً ما يستخدمه أفراد العائلة عند تأسيس منصة التداول عام 2018.
وسرعان ما ترسخ حضور الشركة في الاقتصاد الإيراني، وتقول "نوبيتكس" إن عدد مستخدميها بلغ 11 مليون شخص، أي أكثر من 10 في المئة من سكان إيران، ومع استبعاد إيران من النظام المصرفي الدولي وتراجع قيمة الريال وارتفاع التضخم، يلجأ الإيرانيون إلى المنصة لشراء العملات المشفرة والاحتفاظ بها.
وعلى رغم خضوع إيران لعقوبات اقتصادية غربية شاملة، أفلتت المنصة من العقوبات الصارمة التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ولم تجد "رويترز" ما يشير إلى أن حكومات غربية فرضت عقوبات على أي فرد من عائلة خرازي، كذلك لم تتمكن من تحديد سبب استثناء "نوبيتكس" من العقوبات المفروضة على غيرها من الشركات الاقتصادية الإيرانية الكبرى.
يأتي الكشف عن ارتباط الشركة بمراكز النفوذ والنخبة في البلاد في لحظة حرجة بالنسبة إلى إيران، بخاصة الحرس الثوري، الذي تعززت سيطرته على الاقتصاد والأجهزة الأمنية منذ مقتل الزعيم الأعلى علي خامنئي بغارة جوية في فبراير (شباط) الماضي مع بداية الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.
ويمثل الشقيقان الجيل الثالث من عائلة خرازي التي ارتبط اسمها بدوائر الحكم في إيران، وقدم أفراد من العائلة المشورة للزعيمين السابقين للبلاد، وشغلوا مناصب سياسية ودبلوماسية ودينية رفيعة، وهناك صلات مصاهرة تربط العائلة بمؤسس الجمهورية الإسلامية الخميني، وكذلك بالزعيم الأعلى الراحل خامنئي، وابنه مجتبى الزعيم الحالي للبلاد.
وأسس علي ومحمد خرازي، اللذان استخدما اسم العائلة اقامير، شركة "نوبيتكس" لتصبح المزود الرئيس للعملات المشفرة في البلاد وتدير الشركة ما يقدر بنحو 70 في المئة من إجمال تعاملات العملات المشفرة في إيران. وعلى رغم أن استخدام بعض الإيرانيين ألقاباً عائلية بديلة ليس بالأمر النادر، يبدو أن الشقيقين هما الوحيدان في دائرتهما العائلية المقربة اللذان ينأيان عمداً عن نسبهما العريق.
جسر يربط إيران بأسواق العملات الرقمية العالمية
خلصت "رويترز" إلى أن "نوبيتكس" تعتبر جسراً يربط إيران بأسواق العملات الرقمية العالمية، وحلقة مركزية في نظام مالي موازٍ يستخدم لنقل الأموال بعيداً من نطاق العقوبات الغربية.
ووفقاً لتحليل سجلات تعاملات العملات المشفرة (بلوك تشين)، الذي أجرته شركة كريستال إنتليجنس المتخصصة في تحليل العملات الرقمية، ومقابلات مع أربعة محققين ماليين مستقلين، تستخدم الدولة الإيرانية المنصة لتحويل أموال إلى حلفائها خارج النظام المصرفي التقليدي.
وتحدثت "رويترز" أيضاً إلى تسعة إيرانيين عملوا لدى "نوبيتكس" أو تعاونوا معها، من بينهم ستة قالوا إنهم كانوا على علم بتحويل أموال حكومية خاضعة للعقوبات عبر المنصة.
في بيانات أرسلت إلى "رويترز" عبر البريد الإلكتروني، نفت "نوبيتكس" وجود أي صلات مباشرة لها بالحكومة أو تقديم أي مساعدة للدولة، وأكدت أن أي أموال غير مشروعة تم تداولها عبر منصتها حدثت من دون موافقة الإدارة أو علمها، وأوضحت الشركة أن الأخوين لم يغيرا هويتهما أو يستخدما هوية بديلة.
وذكرت الشركة أيضاً أن أي تعاملات شملت كيانات حكومية كانت أقل بكثير من التقديرات التي شاركها المحققون مع "رويترز".
وقالت "’نوبيتكس‘ شركة خاصة ومستقلة، لم تكن يوماً ذراعاً للحكومة، ولا تربطها أي علاقة أو ترتيب أو اتفاق أو عقد مع البنك المركزي الإيراني أو الحرس الثوري الإيراني أو أي جهة حكومية أخرى".
ولم ترد الحكومة الإيرانية على طلبات التعليق التي وجهت إليها عبر بعثتيها لدى الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف.
وفي رد مكتوب على أسئلة مفصلة حول نتائج التحقيق، كتب مسؤول في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب "في ظل القيادة الحازمة للرئيس ترمب، تكثف الولايات المتحدة تحركاتها في إطار سياسة الضغط الاقتصادي، مستخدمة جميع الأدوات المتاحة لممارسة أقصى قدر من الضغوط على إيران، وتقويض قدرة طهران بصورة منهجية على جني الأموال ونقلها وإعادتها للبلاد"، ولم يشر المسؤول إلى "نوبيتكس".
إتمام التعاملات طوال فترة الحرب
قالت ثلاث شركات متخصصة في تحليل بيانات البلوك تشين تتابع نشاط "نوبيتكس" ومنصات أخرى، إن "نوبيتكس" واصلت إتمام التعاملات طوال فترة الحرب وحتى في أثناء انقطاع الإنترنت على مستوى البلاد بأمر الحكومة وانقطاع الكهرباء على نطاق واسع في طهران.
ونفذت "نوبيتكس" خلال تلك الفترة تعاملات تجاوزت قيمتها 100 مليون دولار، أي نحو 20 في المئة من حجم نشاطها المعتاد بحسب شركة كريستال إنتليجنس التي تحقق في تدفقات العملات المشفرة الإيرانية منذ أكثر من أربعة أعوام.
وقال المسؤول الكبير في كريستال إنتليجنس نيك سمارت "المشكلة في ’نوبيتكس‘ أن حجم استخدامها من قبل إيرانيين عاديين كبير جداً، مما يجعل من الصعب التمييز بين النظام (الحاكم) ومستخدمي المنصة الأفراد".
وأشارت السيناتور الديمقراطية الأميركية إليزابيث وارن إلى أن ما كشف عن شركة "نوبيتكس" يدعو إلى القلق، وأضافت العضو الديمقراطي البارز في لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ، في بيان لـ"رويترز"، "هذا التقرير بمثابة جرس إنذار، يستخدم الخصوم الأصول الرقمية كبديل للنظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، ويحولون مليارات الدولارات بسهولة لأن كثيراً من الخدمات ضمن منظومة العملات الرقمية تفتقر إلى الضوابط الأساسية لمنع غسل الأموال والالتفاف على العقوبات".
الشقيقان المؤسسان
ضم مجلس الإدارة في البداية الشقيقين علي ومحمد وزميلهما في الدراسة أمير حسين راد، ودرس الثلاثة في جامعة شريف التكنولوجية المرموقة في طهران التي تعادل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
علي وراد، الذي لا تربطه صلة قرابة بالشقيقين، هما الواجهة العلنية للشركة إذ شغل راد منصب الرئيس التنفيذي، أما محمد فهو متخصص تقنية البلوك تشين.
وفي مقابلة أجريت ضمن كتيب تسويقي لـ"نوبيتكس" استخدم الشقيقان اسم اقامير، ووصف محمد شقيقه الأكبر بأنه "مستشاري في الحياة الذي أستعين برأيه دائماً في اتخاذ القرارات"، ووفقاً لسجلات حكومية ومصرفية اطلعت عليها "رويترز"، ولد علي عام 1986 ومحمد عام 1992.
وفي الكتيب نفسه، قال علي متحدثاً عن مشاعره تجاه الشركة إن "نوبيتكس" بمثابة "ابن" لمؤسسيها، مضيفاً "كثيراً ما شعرت بنوع من العون الإلهي في كل موقف".
وداخل الشركة، حرص الشقيقان على إخفاء اسم خرازي حتى عن أقرب المحيطين بهما، بحسب سبعة من الموظفين السابقين ومعارف في إطار العمل قابلتهم "رويترز"، وقال بعضهم إنهم يعرفون الشقيقين منذ أيام الدراسة الجامعية، آنذاك، كما هي الحال الآن، لم يستخدما اسم خرازي.
لم تتمكن "رويترز" من تحديد سبب اختيار الأخوين إخفاء أصولهما باستمرار.
ولم تجب "نوبيتكس" عن أسئلة حول صلة الأخوين بعائلة خرازي، ولم تذكر اسم العائلة في ردها، غير أن رسالة مقتضبة موقعة باسم الأخ الأكبر علي، وردت من عنوان بريد إلكتروني يتضمن اسم خرازي، وقالت شركة "نوبيتكس"، "ينتمي الشقيقان إلى عائلة اقامير محمد علي، وهو الاسم الذي يستخدمانه عادة".
ومن بين تسعة موظفين سابقين ومعارف مهنية قابلتهم "رويترز"، لم يطلع الشقيقان على هويتهما سوى واحد فقط، وقال آخر إنه اكتشفها بعد البحث عنهما، وكان من بين أكثر المتفاجئين زميل عمل سابق كان يعتبر محمد صديقاً مقرباً له أعواماً طويلة وعبر عن صدمته عندما كشفت له "رويترز" عن اسم العائلة.
وقال موظف سابق آخر في "نوبيتكس"، "كنت صريحاً جداً في انتقادي للنظام (الحاكم)، وكذلك زملائي"، وأضاف أن اكتشاف اسم العائلة "أصابني بالخوف، كنت أعبر كثيراً عن الكراهية للنظام".
شجرة العائلة
وفقاً لتقارير إعلامية إيرانية، كان جد الشقيقين عالم دين بارزاً ويحمل لقب آية الله، ودرس يوماً ما للزعيم الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، وكان عضواً في مجلس المتخصصين وهو الهيئة المسؤولة عن اختيار الزعيم الأعلى للبلاد.
وشغل عمهما الأكبر منصب وزير الخارجية، وعمل مستشاراً لزعماء البلاد المتعاقبين ومن بينهم مجتبى.
أما والدهما آية الله باقر خرازي فهو مؤسس "حزب الله" في إيران، وهو منظمة سياسية ودينية لا ترتبط بالجماعة المعروفة في لبنان، وكتب باقر، الذي ترشح للرئاسة عام 2013، في سيرته الذاتية المنشورة على موقعه الإلكتروني أنه شارك أيضاً في تشكيل كوادر الحرس الثوري الإيراني بعد الثورة الإسلامية عام 1979.
وعمة علي ومحمد متزوجة من شقيق الزعيم الأعلى الجديد.
وقال الصحافي فريبرز كلانتري، الذي حكم عليه بالسجن والجلد عام 2021 لكتاباته عن الفساد في إيران، ويعيش في الخارج حالياً "هناك دائرة داخلية وأخرى خارجية" للمؤسسة الدينية الإيرانية، وقال عن عائلة خرازي "كان هؤلاء الناس جزءاً من الدائرة المقربة لعلي خامنئي".
وأوضح كلانتري أن آخرين، وبخاصة المرتبطون بالثورة، لجأوا إلى استخدام ألقاب عائلية بديلة خلال الفترة التي سبقت عام 1979، عندما سجن كثير من النشطاء المناهضين للشاه إلى جانب مقاتلين من جماعات حرب العصابات المعارضة للملكية.
وأوضح بيان "نوبيتكس" أنه لم يسبق للشقيقين "ولا والدهما أن شغلوا أي منصب حكومي أو عسكري"، ولم يذكر البيان اسم والدهما.
وذكر أربعة أشخاص يعرفون علي ومحمد أنهما عاشا حياة متواضعة خلال دراستهما الجامعية وبداياتهما في ريادة الأعمال على رغم أصولهما العائلية المرموقة، وقال أحدهم إنه عندما اشترى محمد سيارته الأولى، كانت من طراز سايبا برايد، وهي من أرخص السيارات المتوفرة في إيران.
كان علي يعرف باسم السيد محمد علي اقامير محمد علي، ومحمد باسم السيد محمد اقامير محمد علي، وقال أحد معارفهما خارج نطاق العمل إن الأصدقاء كانوا يمازحونهما بسبب اسميهما الطويلين غير المألوفين، لكن الشقيقين لم يقدما أي تفسير لذلك.
وسرت إشاعات عن هويتهما عام 2024، عندما أشارت مدونة صينية إلى أن والد الشقيقين كان مساهماً رئيساً في منصة تداول العملات المشفرة من خلال ابنه محمد، الذي كان يستخدم لقب اقامير.
وعندما سجل السيد محمد علي اقامير محمد على النطاق الإلكتروني الخاص بمنصة "نوبيتكس" عام 2017، استخدم بريداً إلكترونياً يحمل اسم خرازي، وهو البريد الإلكتروني نفسه الذي استخدم لتسجيل الموقع الإلكتروني لجمعية خيرية دينية يترأسها والده، وتشير وثائق رسمية إلى أن علي، الشقيق الأكبر، كان يشغل منصب نائب رئيس تلك الجمعية، وهو أيضاً البريد الإلكتروني نفسه الذي استخدمه لإرسال الرسالة إلى "رويترز".
وتظهر إشعارات في السجلات العامة الصادرة عن المؤسسة الخيرية نفسها أن والدهما استخدم لقبين مختلفين تحت رقم الهوية الوطنية ذاته، ففي معظم السجلات يظهر باسم خرازي، لكنه استخدم في سجل واحد في الأقل يعود إلى عام 2011 لقب اقامير الذي استخدمه ابناه لاحقاً عند تأسيس "نوبيتكس".
تتبعت "رويترز" صلات "نوبيتكس" بعائلة خرازي من خلال سجلات الشركات والجهات الحكومية والبنوك الإيرانية، واستخدمت أدوات ذكاء اصطناعي لاستخراج أسماء وأرقام هوية أعضاء مجلس إدارة "نوبيتكس" ورسم خريطة للعلاقات بينهم، وكشفت قواعد بيانات مسربة بعد مطابقتها بأرقام الهوية الوطنية، أن الأشخاص المعنيين هم أب وابناه.
ويستخدم أفراد آخرون من العائلة، ومن بينهم عمة الشقيقين وأعمامهما وأبناء عمومتهما اسم خرازي علناً بصورة روتينية، واستخدم جدهما اسم اقامير في بعض الأحيان.
عناوين مخفية
تقول "نوبيتكس" إن هدفها هو تمكين الإيرانيين من الاستثمار في العملات المشفرة "في ظل العقوبات"، وتقديم المشورة لعملائها في شأن أفضل السبل لتجنب رصد تعاملاتهم أو اعتراضها من قبل حكومات غربية.
وتعاملت "نوبيتكس" مع بعض أكبر الأسماء في قطاع العملات المشفرة في العالم، وأفادت "رويترز" عام 2022 أن منصة "بينانس" - أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم - حولت لـ"نوبيتكس" 7.8 مليار دولار، في انتهاك للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران.
وحكم على مؤسس "بينانس" تشانغ بينغ تشاو بالسجن عام 2024 بتهمة انتهاك القوانين الأميركية لمكافحة غسل الأموال قبل أن يصدر الرئيس دونالد ترمب عفواً عنه في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
ولم ترد "بينانس" على استفسارات حول جهودها لمنع الكيانات الإيرانية الخاضعة للعقوبات من الوصول إلى منصتها.
ولإخفاء أثر تعاملاتها، تغير "نوبيتكس" عناوين المحافظ الرقمية التي تستخدمها في تحويل الأموال، وطورت أيضاً أدوات تشفير لزيادة إخفاء الروابط بين المحافظ ذات الصلة، وأرجع الشقيق الأصغر في تقرير الشركة السنوي لعام 2021 سبب ذلك إلى "زيادة القيود المتعلقة بالعقوبات الدولية".
وإضافة إلى ذلك، تنصح "نوبيتكس" عملاءها أيضاً بتقسيم التعاملات الكبيرة عبر كثير من المحافظ الرقمية بما يجعل تتبعها صعباً على المحققين الغربيين.
يتمتع مؤسسا "نوبيتكس" بعلاقات مع النخب ودوائر النفوذ لكن الشركة كان عليها من البداية الموازنة بين المطالب المتعارضة لمختلف الأجهزة النافذة في الدولة الإيرانية، وفقاً لما ذكره موظفون سابقون.
منع البنك المركزي الإيراني بصورة دورية شركات التداول، بما فيها "نوبيتكس"، من الوصول إلى النظام المصرفي المحلي.
وذكر ثلاثة موظفين سابقين أنه بعد فترة وجيزة من بدء "نوبيتكس" نشاطها عام 2018، زار الحرس الثوري مكاتبها في طهران واستجوب راد، الذي كان يشغل حينها منصب الرئيس التنفيذي، وقال اثنان منهم إن الحرس الثوري دهم المكتب مجدداً بعد ذلك ببضعة أعوام واعتقل راد وصادر أجهزة حاسب آلية خاصة بالموظفين وأغلق المقر، ولا يوجد ما يشير إلى توجيه أي تهمة إليه.
وسادت داخل الشركة تفسيرات مختلفة حول زيارات الحرس الثوري المتكررة، وقال أحدهم إنها كانت انتقاماً لرفض الشركة تنفيذ تعاملات للحرس الثوري مرتبطة بمبيعات النفط الخاضعة للعقوبات، وأشار آخران إلى أن الأمر يعود إلى شكوى قدمها منافس، زاعماً أن "نوبيتكس" تحتال على العملاء.
وقال راد في مقابلة مع بودكاست إيراني أذيعت في ديسمبر (كانون الأول) 2025، إن اعتقاله عام 2021 كان نتيجة سوء فهم في شأن علاقة بين "نوبيتكس" وشركة أخرى لها ممارسات تجارية مشبوهة، ووصف راد، الذي لم يفصح عن اسم الشركة الأخرى، اعتقاله عام 2021 بأنه "أحد تبعات العمل في إيران، أعتقد أن قلة قليلة من رواد الأعمال في إيران لم يمروا بتجربة مماثلة".
وذكر ستة من الموظفين السابقين، الذين أجرت "رويترز" مقابلات معهم، أنهم كانوا على علم بأن الحكومة الإيرانية والأجهزة الأمنية تستخدم المنصة للالتفاف على العقوبات المالية الغربية الصارمة، ونفت "نوبيتكس" وجود أي اتفاق مع أي جهة حكومية، ولم يكن أي من الموظفين الذين قابلتهم "رويترز" على علم بأي اتفاق من هذا القبيل.
وقالت "نوبيتكس"، "واجهنا قيوداً تشغيلية كبيرة من الحكومة الإيرانية، شملت مداهمات للمكاتب، وحجب النطاقات الإلكترونية، وإغلاق بوابات الخدمات المصرفية، تعارض هذه الإجراءات تماماً مع فكرة أننا نتلقى أي صورة من صور الدعم الحكومي".
على رغم هذه الضغوط، ازدهرت منصة "نوبيتكس" وتضخمت معها ثروة الأخوين خرازي.
بحلول نهاية 2022، أعلنت المنصة أن لديها 4.3 مليون مستخدم و268 موظفاً، وأسهمت العقوبات، التي حرمت الإيرانيين من الوصول إلى النظام المالي العالمي، في تعزيز جاذبية "نوبيتكس" لعملائها الإيرانيين، وبصورة أساسية لم يكن بإمكان الإيرانيين إنشاء حسابات بصورة قانونية على منصات مثل "بينانس"، لكنهم كانوا قادرين على ذلك عبر "نوبيتكس"، مما أتاح لهم الوصول إلى أسواق العملات المشفرة العالمية التي لا تخضع لإطار رقابي دولي مكتمل.
وتغير الوضع نوعاً ما عام 2022 عقب احتجاجات واسعة بعد وفاة الشابة الكردية مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة بتهمة مخالفة قواعد الحجاب.
وقال موظف سابق "بدأ أمن المبنى وشرطة الأخلاق التدقيق في التزام الموظفات بالحجاب وهددوا بإغلاق المكتب".
وبحسب موظفين سابقين اثنين تم تشديد تطبيق قواعد اللباس في المكتب بعد ذلك.
وذكر شخص كان يتردد إلى مكاتب "نوبيتكس" بانتظام ويعرف مؤسسيها جيداً "أصبحت الإدارة أكثر صرامة في شأن الحجاب والإجراءات الأمنية، كانت الشركة حتى ذلك الحين تبدو كأنها شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا".
وزادت مخاوف الموظفين في شأن صلات شركتهم بالحكومة بعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة مرتبطة بمحمد باقر نهفي، أحد أكبر المستثمرين في "نوبيتكس"، لتزويدها روسيا بطائرات مسيرة.
وقالت وزارة الخزانة الأميركية في سبتمبر (أيلول) 2022 إن شركة سفيران لخدمات الطيران والشحن نسقت "رحلات جوية بين إيران وروسيا، كان من بينها رحلات متعلقة بنقل طائرات مسيرة إيرانية وأفراد ومعدات ذات صلة".
و"سفيران" شركة خاصة ويشغل نهفي منصب نائب رئيس مجلس الإدارة فيها، ونهفي هو الرئيس السابق لـ"نوبيتكس" وكان من أوائل وأكبر المستثمرين فيها.
ووصف علي خرازي في الكتيب التسويقي الصادر عام 2022 نهفي بأنه كان متحمساً للمشاركة منذ البداية، ولم يجب نهفي على طلب للتعقيب على دوره في "نوبيتكس".
وخلال عملية اختراق لـ"نوبيتكس" نفذتها مجموعة (بريداتوري سبارو) عام 2025، تم تحويل عملات مشفرة بقيمة 90 مليون دولار تقريباً إلى محافظ لا يمكن الوصول إليها تحمل أسماء بذيئة ومعادية للحرس الثوري، وفي مؤشر إلى ضخامة أرباح "نوبيتكس" قامت الشركة ومساهموها، ومن بينهم علي ومحمد، بتعويض العملاء مباشرة عن الأموال التي سرقت.
وقال مسؤول كبير سابق في وزارة الخزانة الأميركية، أسهم في وضع سياسة العقوبات على إيران، إن الحرس الثوري الإيراني متغلغل في كل جانب مهم من جوانب الاقتصاد الإيراني، ومن المرجح أن يبدي اهتماماً كبيراً بشركة حيوية للاقتصاد مثل "نوبيتكس".
وذكر مياد مالكي الذي عمل في وزارة الخزانة الأميركية بين 2017 و2025، وشغل سابقاً منصب المدير المساعد لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية بالوزارة، ويعمل حالياً باحثاً في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات "ما إن يحقق أي مشروع تجاري في إيران أرباحاً ملموسة، حتى تتدخل الحكومة للحصول على نصيبها، أي نشاط تجاري يحقق نجاحاً سرعان ما يخضع لسيطرة النظام".
شكوى من مختلس
ظهرت أدلة على تورط "نوبيتكس" في منظومة إيران للالتفاف على العقوبات من طريق مصدر غير متوقع هو الملياردير الإيراني بابك زنجاني الذي دين بالاختلاس.
كثيراً ما كان زنجاني شخصية محورية في الشبكات الإيرانية للتهرب من العقوبات، وحكمت عليه السلطات الإيرانية عام 2016 بالإعدام بعد إدانته بالاختلاس، قبل أن تخفف عنه الحكم عام 2024، لكنه لا يزال في خلاف علني مع البنك المركزي الإيراني الذي اتهمه بعدم رد الأموال المختلسة.
وفي حملة شنها زنجاني في ديسمبر الماضي على البنك المركزي، نشر عناوين محافظ رقمية على وسائل التواصل الاجتماعي، مما مكن محللي العملات الرقمية في الخارج من كشف مخطط معقد للتهرب من العقوبات، كانت "نوبيتكس" محوره.
تضمن جزء من المخطط تحويل ما لا يقل عن 20 مليون دولار من أموال البنك المركزي الخاضعة للعقوبات إلى عناوين محافظ رقمية تسيطر عليها "نوبيتكس"، وفقاً لسمارت المسؤول في شركة كريستال إنتليجنس، ومحلل آخر في مجال العملات الرقمية.
وخلصت شركة إليبتيك المتخصصة في تحليلات البلوك تشين إلى أن هذه التعاملات مجرد جزء صغير من شبكة محافظ إلكترونية أكبر يسيطر عليها البنك المركزي الإيراني، التي اشترت عملات مشفرة بقيمة تزيد على 500 مليون دولار تقريباً بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 ويونيو (حزيران) 2025.
وأوضحت "إليبتيك" أن البنك المركزي، الخاضع لعقوبات أميركية، حول نحو 347 مليون دولار من هذا المبلغ إلى "نوبيتكس" خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025، ويمكن أن يؤدي تحويل الأموال عبر "نوبيتكس" بعد سلسلة من التعاملات إلى طمس مصدر هذه الأموال.
وقالت "نوبيتكس" إن أي أموال يزعم أنها غير مشروعة تمر عبر منصتها تمثل "جزءاً ضئيلاً جداً من الحجم الإجمال" لتعاملاتها، وإنها تمت من دون علم الشركة، وأضافت "عند رصد أي سلوك مشبوه أو مخالف للقوانين، فإن ’نوبيتكس‘ تتخذ موقفاً حازماً، بما في ذلك إغلاق الحسابات نهائياً"، ولم يحدد البيان "السلوك المخالف للقوانين".
وتتفاوت تقديرات إجمال التعاملات غير المشروعة لـ"نوبيتكس" بصورة كبيرة، وتستند هذه التقديرات في معظمها إلى عناوين محافظ رقمية تم تحديدها وفرض عقوبات عليها من قبل حكومات، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة.
وقدرت "إليبتيك" أن المنصة نفذت تعاملات بنحو 366 مليوناً، بينما تقدر شركة تشيناليسيس المبلغ بنحو 68 مليون دولار، وتقدر "كريستال إنتليجنس" التحويلات المباشرة من محافظ خاضعة للعقوبات عند 22 مليون دولار. وحتى أعلى هذه التقديرات لا يتجاوز ثلاثة في المئة من إجمال 11 مليار دولار من تعاملات العملات المشفرة التي نفذتها "نوبيتكس".
وترجح كل الشركات أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير.
ومن بين حلفاء إيران رصدت شركتان في الأقل تعاملات عبر "نوبيتكس" شملت حسابات مرتبطة بجماعة الحوثي في اليمن، وهي حركة مدعومة من طهران وتخضع بدورها لعقوبات غربية، ولم ترد الوكالة الإعلامية التابعة للحوثيين على طلب للتعليق في شأن تعاملات تتعلق بـ"نوبيتكس".
وأدرجت العقوبات التي فرضتها الحكومتان الأميركية والإسرائيلية عشرات المحافظ الرقمية المرتبطة بالبنك المركزي الإيراني والحرس الثوري الإيراني. وتتبعت "كريستال إنتليجنس" ومحققون من شركات تحقيق خاصة كيف جرى تحويل الأموال من تلك المحافظ عبر "نوبيتكس"، وشاركوا استنتاجاتهم ومنهجيتهم مع "رويترز".
وتستخدم الكيانات الإيرانية الخاضعة للعقوبات وسائل أخرى لتحويل الأموال غير منصة "نوبيتكس" أو العملات المشفرة، مثل نظام الحوالة غير الرسمي وشبكات مصرفية معقدة خارج البلاد، وفي الـ28 من أبريل (نيسان)، فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة استهدفت ما قالت إنه "البنية المصرفية الموازية" في إيران، ولم تكن "نوبيتكس" من بينها.
على القائمة البيضاء
برز الدور المحوري لمنصة "نوبيتكس" في النظام المالي الإيراني خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران هذا العام.
فمنذ الـ28 من فبراير الماضي حين بدأت الحرب لم يتمكن معظم الإيرانيين من الوصول إلى الإنترنت بسبب حجب حكومي يهدف إلى قمع المعارضة، لكن "نوبيتكس" واصلت العمل من دون انقطاع، ولم ترد الشركة على استفسارات حول كيف تمكنت من الوصول إلى خدمات الإنترنت خلال فترة الانقطاع.
وقالت شركة نت بلوكس لمراقبة انقطاعات الإنترنت إن الوصول إلى الشبكة خلال تلك الفترة اقتصر على المدرجين ضمن "قائمة بيضاء توافق عليها الدولة"، وهم ما بين واحد واثنين في المئة فقط من السكان تمكنوا من الوصول إلى الإنترنت خلال تلك الفترة في ظل تشديد السلطات قبضتها على استخدام روابط الأقمار الاصطناعية والشبكات الافتراضية الخاصة (في بي أن).
ووجدت "كريستال إنتليجنس" أن بعض أفراد هذه النخبة المحدودة سحبوا نحو 54 مليون دولار من المنصة خلال الحرب اختفى معظمها في الخارج لدى وسطاء يحولون العملات المشفرة إلى سيولة نقدية من دون طرح أي أسئلة عليهم.
ونشرت "نوبيتكس" رسالة في الأول من أبريل الماضي لطمأنة عملائها بأن أموالهم آمنة ويمكن الحصول عليها "على رغم عدم استقرار البنية التحتية وأنظمة الخدمات".
ولم يشر البيان صراحة إلى الحرب، لكن تداعيات الصراع اقتربت من الشقيقين في ذلك اليوم أكثر من أي وقت مضى، عندما استهدفت غارة جوية شقة عمهما الأكبر وزير الخارجية السابق كمال خرازي الذي كان مستشاراً للزعيم الأعلى الحالي وللزعيم السابق.
وأشارت وسائل الإعلام الرسمية إلى مقتل زوجة العم على الفور، بينما توفي كمال خرازي متأثراً بجراحه بعد ذلك بأيام.
وقدم الزعيم الأعلى الإيراني الجديد، الذي فقد زوجته ووالده في غارة جوية في اليوم الأول للحرب، تعازيه عبر وسائل الإعلام الرسمية، ودعا بالرحمة لعائلة "خرازي الكريمة".
رويتيرز
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=126&id=205487