هل لبنان المكلوم والمنقسم مستعد لفكرة السلام مع إسرائيل؟
03/05/2026





سيرياستيبس 

يبدو مسار التفاوض مع إسرائيل أقرب إلى استجابة فرضتها الحرب منه إلى خيار سيادي ناضج، في بلد منقسم داخلياً ويفتقر إلى الإجماع والأدوات اللازمة لفرض أو تنفيذ أي اتفاق. فبين هدنة هشة أعقبت حرباً دامية، ومواقف شعبية متباينة بين رفض التطبيع والسعي إلى وقف النزف، تتكشف فجوة واضحة بين الطرح السياسي والواقع، في مشهد يروي قصة مفاوضات تدار تحت الضغط… أكثر مما تبنى على شروط سلام فعلي.

تشهد الساحة اللبنانية انقساماً حاداً حول المحادثات النادرة مع إسرائيل، التي تأتي بعد حرب مدمرة أودت بحياة أكثر من 2000 شخص وأعادت البلاد إلى واجهة المواجهة المباشرة، بعضهم يرى في الحوار ضرورة لوقف النزف، والبعض الآخر يراه انزلاقاً نحو تنازل غير محسوب. وبين الفريقين، دولة تحاول التفاوض، من دون أن تملك وحدها قرار الحرب.

وفي حين أدت جولة مفاوضات برعاية أميركية إلى هدنة موقتة أوقفت القتال بين إسرائيل و"حزب الله"، لا يزال هذا الهدوء هشاً في ظل خروقات ميدانية وتصاعد التوتر. في هذا السياق، يطرح الحوار كسؤال إشكالي: هل هو ضرورة لتفادي مزيد من الدماء، أم خطوة تمس بالثوابت الوطنية وتمهد لتطبيع غير محسوب؟

عندما فتح الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام باب التفاوض مع إسرائيل، لم يكن لبنان يخطو نحو السلام، بل كان يحاول الهرب من الحرب. وجاءت الخطوة على إيقاع غارات الثامن من أبريل (نيسان) الذي بات يعرف بـ"الأربعاء الأسود"، حين سقط مئات القتلى في بيروت ومناطق أخرى خلال دقائق. في تلك اللحظة، لم يكن السؤال كيف يبنى السلام، بل كيف يتوقف الانهيار.

وحين سئل الرئيس عون عن الانتقادات التي طاولت مسار "السلام"، رد بسؤال بدا مباشراً وصادماً في آن، "عندما ذهبتم إلى الحرب، هل حصلتم على إجماع وطني؟". عبارة أراد بها تثبيت حق الدولة في التفاوض، لكنها كشفت في الوقت نفسه عمق المأزق، دولة تدافع عن قرارها، في بلد لا يملك قرار الحرب أصلاً.

لكن في لبنان نادراً ما تبقى الخطوات في حدودها، فما بدأ كمحاولة لاحتواء الضربة، تحول سريعاً إلى نقاش أكبر: هل نحن أمام مسار تفاوضي أم أمام بداية تطبيع؟ خصوصاً مع دخول العامل الخارجي على الخط، بعد دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرئيسين عون وسلام إلى الانتظام في هذا المسار، في إشارة عكست حجم الضغط الدولي المرافق له.

داخلياً، يتوزع اللبنانيون بين مواقف متباينة تعكس الانقسام الطائفي والسياسي، فجزء من البيئة الشيعية يرى في التفاوض نوعاً من "الخيانة"، فيما تعبر شرائح أخرى عن غضبها من جر البلاد إلى الحرب، مع تشكيك واسع بقدرة الدولة على فرض قرارها أو تحقيق نتائج ملموسة. وفي ظل نفوذ "حزب الله" ودوره العسكري، تبدو الحكومة محدودة التأثير في مسار المفاوضات. وبين الدعوات لتعزيز الموقف اللبناني عبر تحصيل دعم دولي وتوحيد الصف الداخلي، ومخاوف من نيات إسرائيل واستمرار التصعيد، يبقى السلام رهن عوامل داخلية معقدة، تتجاوز مجرد الجلوس إلى طاولة التفاوض.

 
1949 – أواخر الستينيات: هدنة تؤسس لاستقرار هش
ولفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى التاريخ. ويشير المؤرخ عماد مراد إلى أن "اتفاق الهدنة لعام 1949، الذي توصل إليه بعد قيام إسرائيل عام 1948، شكل نقطة الانطلاق في العلاقة بين لبنان وإسرائيل، إذ وقع في جزيرة رودوس ثم الناقورة بجنوب لبنان، وأرسى قواعد عدم الاعتداء وترسيم الحدود، مما وفر استقراراً ميدانياً استمر حتى أواخر الستينيات، وانعكس ازدهاراً اقتصادياً على رغم غياب السلام الشامل. إلا أن هذا التوازن بدأ بالاهتزاز مع تصاعد دور الفصائل الفلسطينية في لبنان، واستخدام أراضيه لشن عمليات ضد إسرائيل، مما أدى إلى ردود عسكرية إسرائيلية، خصوصاً في عامي 1968 و1972، مما أدخل البلاد في مرحلة تصعيد مرتبطة بعامل خارج عن الدولة".

1982 – 2006: فرص سلام سقطت وهدوء مشروط
أما اجتياح عام 1982 فشكل بحسب مراد "محطة مفصلية، إذ أتاح فرصة لتوقيع اتفاق سلام عام 1983 (اتفاق 17 مايو "أيار")، لكن هذا المسار سقط بفعل الانقسامات الداخلية والرفض السوري، على رغم إمكان فتحه باب استقرار طويل الأمد. وفي التسعينيات برزت محاولات تهدئة محدودة، أبرزها تفاهم أبريل (نيسان) 1996 الذي ركز على حماية المدنيين من دون الوصول إلى سلام، قبل أن يكرس القرار الأممي رقم 1701 الذي توصل إليه عام 2006 واقع هدوء مشروط مع انتشار الجيش اللبناني وقوات ’اليونيفيل‘، من دون إنهاء أسباب التوتر، خصوصاً مع استمرار التسلح".

ما بعد 2023: السلام بين الضغط والواقع السياسي
بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 يعتبر مراد أن "قواعد الاشتباك شهدت تحولاً جذرياً مع دخول لبنان في مواجهة مباشرة، مما أعاد طرح السلام كخيار سيادي، مدفوع بمحاولات احتواء التصعيد وبروز توجهات داخلية لحصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك يبقى هذا المسار رهناً بتوازنات داخلية وخارجية معقدة، إذ أثبتت الهدنة في محطات سابقة قابليتها للتحقق، بينما ظل السلام الشامل أسير الانقسامات والتشابكات الإقليمية، على رغم انتقال النقاش حوله من الإطار النظري إلى المسار السياسي".

وفي بلد يسعى إلى تأكيد سيادته بينما تفرض الوقائع إيقاعها، يعود السؤال: هل يفاوض لبنان بقراره أم بضغط الحرب؟

وبين خطاب رسمي يرفع شعار القرار الوطني، وميدان يرسم حدوده بالنار، تتكشف مفارقة عميقة: سيادة معلنة في السياسة وواقع يضيق هامش القرار.

من التاريخ إلى الحاضر: المفارقة السيادية
هنا تحديداً، ينتقل النقاش من الوقائع التاريخية إلى الواقع السياسي. في هذا الإطار، يرى مدير التحرير في مركز "مالكوم كير– كارنيغي" للشرق الأوسط في بيروت، مايكل يونغ، أن "طرح السلام في لبنان يبدو، من ناحية الشكل، خياراً سيادياً، إذ قدمت قيادة البلاد مسار التفاوض مع إسرائيل على أنه قرار لبناني خالص، مع تأكيد أن الدولة تفاوض بنفسها لا عبر أطراف أخرى". إلا أن الواقع، برأيه، أكثر تعقيداً، "إذ لم يكن لبنان ليذهب في هذا الاتجاه لولا التصعيد الإسرائيلي الواسع، مما يجعل هذا المسار أقرب إلى محاولة لوقف الهجوم واحتواء الحرب، لا إلى خيار استراتيجي مستقل بالكامل".

ويعتبر يونغ أن "الحديث عن قرار سيادي يخفي حقيقة مختلفة: لبنان لم يذهب إلى التفاوض لأنه أراد، بل لأنه اضطر، فالحرب والتصعيد، من إطلاق الصواريخ إلى الرد الإسرائيلي، ضيقا الخيارات إلى حد دفع الدولة نحو هذا المسار كخيار أقل كلفة، لا كقرار مستقل، بمعنى آخر، التفاوض لم يكن قراراً حراً بالكامل، بل نتيجة ضغط الوقائع".

مفاوضات لوقف الحرب لا لصناعة السلام
وعن وجود مفاوضات سلام حقيقية، يرى يونغ أن "هذا سؤال محوري"، لكنه يعتقد أن "اللبنانيين بدأوا يدركون تعقيدات أي مسار قد ينتهي باتفاق سلام"، فالمشهد الداخلي برأيه، "منقسم بوضوح، إذ لا يوجد إجماع شعبي أو سياسي على خيار السلام، بل إن شريحة واسعة لا تزال متحفظة أو معارضة له، ولا يقتصر ذلك على 'حزب الله'، بل يمتد إلى قوى ومكونات أخرى، بما فيها البيئة السنية التي لا يبدو أن هذا الملف يشكل أولوية لديها".

ويشير إلى أن "الأولوية اللبنانية اليوم ليست الوصول إلى سلام شامل، بل وقف الهجوم الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، ينظر إلى أي تحرك باتجاه التفاوض كوسيلة لاحتواء التصعيد، لا كخيار استراتيجي نهائي. ومع ذلك، يبقى احتمال تحول هذه المفاوضات إلى اتفاق سلام فعلي موضع شك كبير، في ظل الانقسامات الداخلية".

 
توازنات إقليمية مقيدة
على المستوى الإقليمي، يشير يونغ إلى أن "مسار السلام اللبناني - الإسرائيلي لا يحظى في هذه المرحلة بزخم إقليمي واضح، في ظل تمسك عدد من الدول العربية مثل السعودية وتركيا وقطر ومصر، إلى جانب تركيا، بالمقاربة التي تربط أي تطبيع شامل بحل القضية الفلسطينية، استناداً إلى مبادرة السلام العربية لعام 2002"، ويضيف أن "هذه الدول تميل إلى إعطاء الأولوية لخطوات مرحلية، مثل تثبيت الاستقرار الأمني وترسيم الحدود، باعتبارها أكثر واقعية في الظرف الحالي، مع التركيز على احتواء التوترات وتفادي التصعيد"، لافتاً إلى أن "مقاربة بعض الملفات الحساسة، كمسألة السلاح خارج إطار الدولة، لا تزال تطرح ضمن سياقات غير مباشرة ولم تتبلور بصورة واضحة حتى الآن".

ويخلص يونغ إلى أن "السلطات اللبنانية باتت تدرك هذه المعادلات الداخلية والإقليمية، مما يجعلها اليوم أقل حماسة لفكرة اتفاق سلام شامل، مقارنة بالمراحل السابقة".

غياب الإجماع الداخلي
ويبدو أن مسألة تمرير أي اتفاق سلام ستصطدم أولاً بالانقسام الداخلي الحاد، فبحسب تقدير يونغ "لا يوجد إجماع لبناني حول هذا الخيار، بل على العكس، هناك تباينات عميقة بين المكونات السياسية والطائفية"، مشيراً إلى أن "البيئة الشيعية تحديداً تظهر تحفظاً كبيراً، بل معارضة واضحة لأي اتفاق سلام، خصوصاً في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان. وفي موازاة ذلك، يبقى ملف سلاح 'حزب الله' نقطة خلاف أساسية لم تحسم".

ويضيف أن "جزءاً كبيراً من هذه البيئة يشعر اليوم بحال من الهشاشة، مما يجعله غير مستعد للموافقة على نزع سلاح الحزب، باعتبار أن خطوة كهذه قد تفسر كمدخل لتهميشه داخل الدولة"، معتبراً أن "غياب التوافق الداخلي يجعل من الصعب جداً تمرير أي اتفاق سلام، إذ إن الحد الأدنى من الإجماع الوطني غير متوافر في هذه المرحلة".

ويرى يونغ أن "غياب التمهيد السياسي الداخلي لأي مسار سلام، في ظل طرحه من دون تأمين غطاء وطني واسع، من شأنه أن يضعف موقع السلطة ويزيد من احتمالات التباين الداخلي، لا سيما في ظل مواقف متحفظة من أطراف أساسية، بينها 'حزب الله'".

ويعتبر يونغ أن رئيس البرلمان "نبيه بري هو المفتاح الأساس، لأنه يشكل حلقة وصل نادرة بين الدولة والحزب من جهة، وبين القرار السياسي والبيئة الشيعية الأكثر تأثراً بالحرب من جهة أخرى عبر قدرته على إقناع 'حزب الله' أو التأثير في مساره. وعلى رغم صعوبة أن يواجه بري الحزب مباشرة، فإنه قد يدفع باتجاه تسويات جزئية، خصوصاً إذا استند إلى دعم وطني واسع".

وفي هذا الإطار يشير يونغ إلى أن "إيران و'حزب الله' لا يرحبان بتحديث اتفاق الهدنة، لأنه يحد من استخدام الجنوب كورقة ضغط عسكرية على إسرائيل، لكن بري يدرك أن إيران قد تقاتل 'حتى آخر شيعي لبناني' دفاعاً عن مصالحها، وهو ما يتعارض مع مصالح الطائفة نفسها، لذلك قد يميل إلى دعم مسار يخفف التصعيد العسكري في الجنوب، وهو خيار يحظى بتأييد شريحة واسعة داخل البيئة الشيعية، مما يمنحه هامشاً للتحرك ويفتح الباب أمام مقاربة أكثر واقعية للمفاوضات".

في سياق موازٍ، تطرح مقاربة تتناول بنية التفاوض نفسها، ويرى الأكاديمي المتخصص في السياسات العامة، الدكتور مروان حرب، أن "الخطاب المتداول حالياً حول المفاوضات بين إسرائيل ولبنان ينطوي، إلى حد كبير، على قدر من التبسيط غير الواقعي، بل يكاد يتجاهل اختلالاً بنيويا في شروط التفاوض نفسها: فالأطراف الجالسة إلى الطاولة لا تمتلك، فعلياً، القدرة السياسية أو العسكرية على الالتزام بما قد يتم التوافق عليه، ولا على فرضه داخلياً".


عقدة سلاح "حزب الله"
وفي صلب هذا الخلل تبرز عقدة أساسية، إذ يعتبر حرب أن "مطالب لبنان المشروعة تصطدم بشرط إسرائيلي سابق عليها وجوهري ضمن حسابات تل أبيب، يتمثل في تحييد التهديد الأمني على الجبهة الشمالية، أي نزع سلاح 'حزب الله' أو تقليص قدراته بصورة جذرية، وهنا تكمن المعضلة: فالدولة اللبنانية، كما أثبتت التجارب السابقة، لا تمتلك الأدوات السيادية أو التوازنات الداخلية التي تمكنها من حسم هذا الملف، بذلك يجد لبنان نفسه في موقع تفاوضي إشكالي، إذ يطرح مطالب مشروعة، لكنه يفتقر إلى الورقة الحاسمة التي تتيح له انتزاعها".

اختلاف الهدف بين الطرفين
ويشير حرب إلى أن "إسرائيل تنظر إلى هذا المسار من زاوية مختلفة تماماً، فهي لا ترى في المفاوضات هدفاً بحد ذاته، بل أداة لتكريس نتائج ميدانية لم تتحقق بعد بصورة كاملة، لذلك تميل إلى تأجيل أي تسوية جدية إلى ما بعد حسم ملف 'حزب الله'، لأنها تعتبر أن ترك هذا الملف مفتوحاً يعني ترحيل التهديد إلى المستقبل، وإعادة إنتاج دورة عدم الاستقرار، خصوصاً في جنوب لبنان، بعبارة أخرى، إسرائيل لا تفاوض على إنهاء نزاع، بل على تثبيت انتصار، وهو ما لم يتحقق حتى الآن بالشروط التي تراها كافية".

مفاوضات لإدارة الأزمة لا لحلها
هذا التباين الجوهري، بحسب حرب "يفرغ العملية التفاوضية من مضمونها الفعلي: فلبنان يفاوض من دون قدرة تنفيذية على تلبية الشرط الإسرائيلي المركزي، وإسرائيل ترفض الانتظام الكامل قبل تحقق هذا الشرط. وفي ظل غياب طرف قادر على فرض تسوية أو ضمان تنفيذها، تصبح المفاوضات أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى مسار حل. انطلاقاً من ذلك، يتعذر على الطرفين تقديم ضمانات ذات صدقية، مما يجعل أي حديث عن اتفاق وشيك أقرب إلى التمني منه إلى التقدير الواقعي"، مشيراً إلى أن "التجربة التاريخية تشير إلى أن السلام في مثل هذه السياقات لا يبنى على النيات، بل على موازين القوى: من ينجح في فرض وقائع الحرب، هو من يحدد شروط ما بعدها، وهذه المرحلة لم تنضج بعد".

بناءً عليه، يبدو مسار السلام ضبابياً وبعيداً، ليس فقط بسبب التعقيدات الإقليمية، بل لأن سلاح "حزب الله" بات يشكل عقدة مزدوجة: هو، في آن مصدر قلق استراتيجي لإسرائيل، ومصدر اختلال داخلي للدولة اللبنانية نفسها، وهذه عقدة بنيوية لا يمكن تفكيكها ضمن أطر زمنية قصيرة أو عبر مسار تفاوضي تقليدي.

داخلياً، يرى حرب أن "أي مسار تفاوضي يحمل كلفة سياسية داخلية، إذ إن كل سيناريو، سواء تسوية أو تصعيد، قد يعيد خلط التوازنات في لبنان، مع احتمال انتقال التوتر إلى الداخل إذا تعارضت خيارات الدولة مع حسابات 'حزب الله'". وعلى مستوى الخطاب يعتبر أن "الحديث عن اتفاق سلام لا يزال سابقاً لأوانه، لأن شروطه غير متوافرة بعد، فيما تبقى المفاوضات أقرب إلى إطار نظري لم ينضج فعلياً".

من السياسة إلى النسيج اللبناني
وفي مؤشر لافت إلى المزاج العام، أظهر "مؤشر الرأي العربي لعام 2025"، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الذي شمل 41130 مشاركاً في عدد من الدول العربية، أن نحو تسعة في المئة فقط من اللبنانيين يؤيدون الاعتراف بإسرائيل، وهو شرط أساس لأي اتفاق سلام، حتى مع هامش الخطأ، تبقى هذه النسبة متدنية بصورة لافتة، مما يعكس فجوة واضحة بين الطرح السياسي والمزاج العام.

بدوره يرى المحلل السياسي روني شطح أن "الأرقام، على رغم أهميتها كمؤشر إلى المزاج العام، لا تصنع واقعاً سياسياً ولا تنتج سلاماً بحد ذاتها، خصوصاً في ظل غموض مفهوم ’السلام‘ واستخدامه كشعار فضفاض".

وفي مقاربته، يربط شطح هذا النقاش ببعد داخلي أعمق يتمثل في تجربة المجتمع اليهودي في لبنان، فهو يدعو إلى طرح سؤال أساس يسبق أي حديث عن التطبيع: لماذا غادر يهود لبنان؟ وما الذي أدى إلى تلاشي هذا المكون الذي كان جزءاً من النسيج الاجتماعي؟ ويستعيد مرحلة ازدهار الحضور اليهودي قبل أن يتراجع تدريجاً منذ ستينيات القرن الماضي، معتبراً أن "فهم هذه التحولات ضروري لإعادة الاعتبار للتعددية اللبنانية".

الأولوية لفهم الداخل
ومن هنا، يرى شطح أن "استعادة هذا النموذج التعددي أهم من إقامة علاقات شكلية مع إسرائيل، بل يذهب إلى تفضيل رؤية يهود لبنانيين يمارسون حياتهم الدينية في بيروت على مشهد إسرائيليين يعبرون الحدود للسياحة، وبالنسبة إليه، "جوهر المسألة ليس في التطبيع الخارجي، بل في ترميم الداخل اللبناني".

ويخلص إلى أن "غياب هذا البعد الداخلي، إلى جانب غياب الشروط السيادية والسياسية، يجعل أي حديث عن السلام ناقصاً، إن لم يكن مضللاً"، مؤكداً أن "ما يطرح اليوم لا يتجاوز إطار النقاش النظري، فيما الواقع لا يزال بعيداً من تسوية فعلية".

عوائق دستورية وقانونية: السيادة وقانون المقاطعة

دستورياً، لا يعد توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل قراراً سياسياً بسيطاً، بل مساراً معقداً تصطدم بدايته بعقبات قانونية، أبرزها قانون مقاطعة إسرائيل الذي يجرم أي تعامل معها، مما يجعل إلغاؤه شرطاً أساساً قبل أي تفاوض.

ويوضح المحامي عادل يمين أن "أي اتفاق يجب أن يراعي أحكام الدستور اللبناني، ولا سيما السيادة والاستقلال ووحدة الأراضي ورفض التوطين والالتزامات العربية، مما يعني أن السلام يبقى مشروطاً بتحقق عناصر أساسية، من بينها الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف الاعتداءات، وتحرير الأسرى، وضمان حقوق اللاجئين، وفق مبدأ الأرض مقابل السلام".

 
ضغوط خارجية وتعقيدات داخلية تعرقل المسار
في هذا السياق، برزت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب تحدث فيها عن إمكان الضغط لإلغاء القوانين اللبنانية التي تجرم التواصل مع الإسرائيليين، مما يعكس توجهاً لتهيئة الأرضية القانونية قبل أي مسار سياسي. إلا أن هذا الطرح، بحسب مراد، "يصطدم بتعقيدات داخلية، إذ يتطلب إلغاء القانون مساراً تشريعياً عبر مجلس النواب، في ظل قوى قادرة على التعطيل، وعدم ضمان تأمين أكثرية، فضلاً عن احتمال الطعن أمام المجلس الدستوري، مما يجعل أي مسار نحو تطبيع قانوني تدريجي محفوفاً بعقبات كبيرة".

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=199&id=205495

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc