صدمة مزدوجة للعمالة الوافدة في الخليج من الحرب... خفض الأجور وارتفاع كلفة المعيشة
04/05/2026





سيرياستيبس 

تتسارع تداعيات الحرب على إيران لتطاول أحد أكثر الملفات حساسية في اقتصادات دول الخليج، وهو ملف العمالة الوافدة التي تشكل العمود الفقري لقطاعات البناء والخدمات والطاقة. وبينما تتراجع وتيرة النشاط الاقتصادي، وتتعطل سلاسل الإمداد، تظهر مؤشرات متزايدة على انكماش الطلب على العمالة وتراجع دخلها، بالتوازي مع ضغوط معيشية متصاعدة، ما ينعكس مباشرة على التحويلات المالية إلى الدول المصدرة للعمالة، ويهدد استقرارها الاقتصادي. وبدأ حجم التأثر في سوق العمل الخليجي يتخذ طابعاً واسعاً، بعدما أدت اضطرابات الطاقة وتعطّل الإنتاج إلى خفض توقعات النمو في دول الخليج من 4.4% إلى نحو 1.3% خلال 2026، حسب بيانات البنك الدولي، وهو تراجع حاد ينعكس تقليصاً في فرص التوظيف الجديدة، وتباطؤاً في مشاريع البنية التحتية.ويشير هذا التباطؤ إلى أن العمالة الوافدة، خاصة منخفضة المهارة، ستكون الأكثر عرضة لتقليص العقود، أو تجميد الأجور في المدى القصير، وفقاً لما أورده تقرير البنك الصادر في 8 إبريل/ نيسان الماضي، فيما تشير تقارير حقوقية إلى انخفاض أجور عمال آسيويين في الخليج، نتيجة تراجع الطلب في قطاعات رئيسية، مثل الإنشاءات والخدمات اللوجستية، وهو ما يضغط على قدرتهم على الادخار والتحويل. وفي هذا الإطار، يشير تقرير نشرته "بيزنس هيومن رايتس" في 15 إبريل الماضي إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة، مدفوعاً بزيادة أسعار الطاقة والسلع، أدى إلى تآكل فعلي في دخول العمالة الوافدة بدول الخليج، ما يجعل العمال أمام معادلة صعبة بين البقاء وتحمّل التكاليف أو العودة إلى بلدانهم.


يمتد هذا الضغط ليصيب التحويلات المالية التي تمثل شريان حياة لاقتصادات عدة دول آسيوية وأفريقية، إذ تواجه هذه التحويلات مخاطر انكماش ملموس، مع توقعات بتراجعها بمليارات الدولارات إذا استمرت الأزمة، في ظل انخفاض الأجور أو فقدان الوظائف، وتبرز الهند مثالاً واضحاً في هذا السياق، حيث باتت تحويلات تقدر بنحو 50 مليار دولار سنوياً مهددة، في وقت يعيش فيه ملايين العمال حالة عدم يقين بشأن وظائفهم في الخليج، حسبما أورد تقرير نشرته "فاينانشال تايمز" في 26 مارس/ آذار الماضي.وتشير تقديرات حديثة إلى أن دولاً مثل بنغلادش ونيبال تعتمد على الخليج في ما يصل إلى 40-50% من إجمالي التحويلات المالية الواردة إليها، ما يجعل أي انكماش في هذه التدفقات تهديداً مباشراً لاستقرارها المالي وقدرتها على تمويل الواردات والإنفاق الحكومي، كما أن اضطراب شبكات التحويل غير الرسمية خلال الأزمة زاد من تعقيد المشهد، وفقاً لما أورده تحليل نشرته منصة ACAPS الأوروبية في 20 مارس الماضي. وبالتوازي، تتزايد الضغوط الاجتماعية والإنسانية على العمال، إذ يجد كثير منهم أنفسهم عالقين في مناطق النزاع، أو في وظائف غير مستقرة، مع صعوبة مغادرة المنطقة بسبب ارتفاع تكاليف السفر، أو القيود اللوجستية، ما يزيد من هشاشتهم الاقتصادية والنفسية، كما أن استمرار الحرب يهدد بتآكل صورة الخليج بوصفها وجهة آمنة للعمل، ما قد يؤدي إلى تحولات طويلة الأمد في تدفقات العمالة العالمية، خاصة في حال استمرار التوتر الجيوسياسي لمدة طويلة، حسب تقرير نشرته صحيفة "إلبايس" الإسبانية في 22 مارس الماضي.

القطاعات الأكثر تأثراً في الخليج
في هذا الإطار، يؤكد الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ "العربي الجديد"، أن إجمالي سكان دول الخليج الست بلغ في أواخر إبريل/نيسان 2026 نحو 62 مليون نسمة، يشكّل العمال الأجانب منهم نحو 35 مليون عامل، أي أكثر من نصف السكان، مشيراً إلى أن تداعيات الحرب لم تؤثر بهذا العدد الغفير بالتساوي، إذ يتأثر العاملون في قطاع السياحة بشكل أكبر بعدما أدى إلغاء أكثر من 70% من الرحلات الجوية إلى الإمارات وقطر والبحرين إلى شل القطاع فعلياً، وهو محور استراتيجيات التنويع الاقتصادي. فدبي وحدها كانت تستهدف استقبال 25 مليون زائر في عام 2026، بينما أدت تداعيات الحرب إلى خسائر يومية في الإنفاق السياحي تقدر بـ600 مليون دولار، حسب بيانات مجلس السفر والسياحة العالمي، وأسفر انكماش الطلب على العمالة في قطاع السياحة بنسبة تتراوح بين 65% و80% خلال أسابيع قليلة عن تسريح جماعي للآلاف من العاملين في الفنادق والمطاعم والنقل السياحي، معظمهم من القادمين من الهند وأفريقيا وشرق آسيا الذين لا يمتلكون شبكات أمان، حيث أصبحت فنادق دبي شبه خالية، وتراجع عمل سائقي تطبيقات النقل بشكل حاد، بحسب الخوري.


وعلى صعيد قطاع الإنشاءات، سادت حالة "تجميد شاملة دون انهيار فوري"، حسب توصيف الخوري، حيث جرى تجميد ما بين 50% و80% من عروض التوظيف النشطة في الخليج خلال الأسابيع الستة الأولى من الحرب، وتوقفت تماماً عمليات التوظيف الخارجي في هذا القطاع، بينما علقت بعض البنوك متعددة الجنسيات وشركات التكنولوجيا خططها التوسعية في دبي والرياض. ويحذر الخوري من أن امتداد حالة "اللاسلم واللاحرب" الجارية لأكثر من ثلاثة أشهر قد يؤدي إلى تجميد مشاريع رؤية 2030 الكبرى، وبالتالي إلى تراجع الطلب على عمالة الإنشاءات بنسبة 40% إلى 55%. يؤدي ذلك، بحسب الخوري، إلى تآكل الدخل الحقيقي للعامل الوافد مقارنة بمستويات يناير/ كانون الثاني الماضي، نتيجة اقتران خفض الرواتب بنسبة 30%، مع ارتفاع تكاليف المعيشة بنسبة 40% إلى 50%، في بيئة تجمع بين صدمة العرض وارتفاع تكاليف الاستيراد، ما يجعل عامل الإنشاءات الذي يتقاضى 700 دولار شهرياً، ويحول عادة 450 دولاراً يكافح لتأمين إيجاره وغذائه قبل التفكير في أي تحويل. ويلفت الخوري إلى أن دولاً مثل الهند وباكستان وبنغلاديش ومصر تعتمد بشكل كبير على تحويلات العاملين في الخليج، حيث استقبلت الهند 135 مليار دولار في تحويلات عام 2025 جاء نحو 40 مليار دولار منها من الخليج لتمثل 38% من إجمالي تحويلاتها، وتجني مصر نحو 40 مليار دولار سنوياً، وحققت باكستان رقماً قياسياً بـ38 مليار دولار في السنة المالية 2024 - 2025 مع وجود 96% من عمالتها المهاجرة في الخليج، كما تستقبل بنغلاديش نحو 30 مليار دولار سنوياً معظمها من الخليج أيضاً.وقد يؤدي تراجع هذه التحويلات بنسبة 30% إلى 40% في سيناريو استمرار التوتر الجيوسياسي من 6 إلى 9 أشهر إلى خسارة إجمالية تتراوح بين 30 و45 مليار دولار موزعة على هذه الدول، مضافاً إليها الأثر المزدوج لارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، حيث تواجه باكستان أكبر قدر من الهشاشة مع توقعات بارتفاع التضخم إلى 7.4% في 2026، وقد يكلفها تراجع التحويلات بنسبة 35% خسارة تتراوح بين 13 و15 مليار دولار تعادل 3.5% إلى 4% من ناتجها المحلي الإجمالي، حسب تقدير الخوري.
تماسك نسبي
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي، ربيع بدواني مخلوف، لـ"العربي الجديد"، أن سوق العمل في دول الخليج يظهر حالة من الحذر المتزايد، نتيجة تداعيات الحرب والتوترات الإقليمية، مع ضرورة التمييز بين التباطؤ والانكماش، إذ لا توجد مؤشرات حتى الآن على انهيار واسع في التوظيف، بل على إعادة ضبط تدريجية. فاقتصادات المنطقة تعتمد بشكل كبير على العمالة الوافدة التي تتجاوز 85% في القطاع الخاص أحياناً، حسب مخلوف، ما يجعل السوق مرناً نسبياً، لكنه في الوقت نفسه أكثر حساسية للصدمات، نظراً لأن إجمالي العاملين يقدر بنحو 30 إلى 32 مليون عامل غالبيتهم من الوافدين.


وتتعرّض القطاعات الأكثر ارتباطاً بالطلب الاستهلاكي، مثل السياحة والتجزئة لضغوط أكبر، حسب مخلوف، لافتاً إلى أنها قطاعات تشغل في بعض الدول ما بين 15% إلى 25% من إجمالي العمالة، ما ينعكس مباشرة على استقرار العاملين فيها.وتعد التحويلات المالية من أهم القنوات التي تربط اقتصادات الخليج بالدول المصدرة للعمالة، وتقدر بنحو 120 إلى 130 مليار دولار سنوياً في السنوات الأخيرة، حسب مخلوف، أي ما يقارب 20% إلى 25% من إجمالي التحويلات العالمية، لافتاً إلى أن العمالة الوافدة تواجه ضغوطاً من اتجاهين، أولهما ارتفاع تكاليف المعيشة داخل بعض دول الخليج، حيث شهدت بعض بنود الإنفاق، خاصة السكن والخدمات، زيادات تراكمية تتراوح بين 5% و15% في فترات حديثة، مما يقلص القدرة على الادخار. أما الاتجاه الثاني فيتمثل في تآكل القيمة الحقيقية للتحويلات، بسبب التضخم وتقلب أسعار الصرف في الدول المستقبلة، حيث فقدت بعض العملات في جنوب آسيا ما بين 10% إلى 25% من قيمتها خلال السنوات الأخيرة، ما يضعف القوة الشرائية للأسر المستفيدة، بحسب مخلوف. ومع ذلك، يؤكد مخلوف أن التحويلات لا تزال تظهر درجة من الاستقرار النسبي حتى الآن، إذ إن أي تراجع حاد يتطلب صدمة مباشرة في التوظيف أو الأجور، وهو ما لم يحدث على نطاق واسع حتى الآن.ويشير مخلوف إلى أن تأثر تلك التحويلات في المدى القصير يبقى محدوداً وقابلاً للاحتواء، إلا أنه يحذر في الوقت ذاته من أن سيناريو استمرار تداعيات الحرب أو اتساع نطاقها، يمكن أن يتسبب في عواقب، منها تراجع تدريجي في التحويلات.ويوضح مخلوف أن انخفاضاً بنسبة 5% فقط في تحويلات العمالة الوافدة يمثل خسارة تتراوح بين 6 إلى 7 مليارات دولار سنوياً على مستوى التدفقات من الخليج.

العربي الجديد



المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=131&id=205513

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc