
سيرياستيبس :
الخطر الأكبر على الصناعة السورية ليس المنافس الأجنبي، بل الاعتقاد بأن ما نجح بالأمس سيبقى ناجحاً غداً
بهذه العبارة المكثفة افتتح الدكتور رازي محي الدين، رؤيته لمستقبل الصناعة السورية خلال المحاضرة التي أقامتها جمعية العلوم الاقتصادية في المركز الثقافي بأبو رمانة، واضعاً الحضور أمام سؤال مصيري: هل نحن مستعدون فعلاً للانتقال من اقتصاد الحماية إلى اقتصاد المنافسة؟
في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، لم تعد الآلات وحدها تصنع النجاح، ولم يعد حجم المصنع أو قيمة الموجودات هو المعيار الحقيقي للقوة. فالمؤسسات التي تقود الاقتصاد اليوم هي تلك القادرة على التعلم والتكيف والابتكار، بينما تتراجع المؤسسات التي تكتفي بالاعتماد على نجاحات الماضي.
ويرى محي الدين أن الصناعة السورية تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء نفسها على أسس أكثر متانة وكفاءة، لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى إنجاز ما لم ترافقها ثورة حقيقية في الفكر الإداري والثقافة المؤسسية.
عندما تصبح الفكرة الجديدة مصدر قلق
واحدة من أبرز المشكلات التي تعاني منها مؤسساتنا، حسب المحاضر، هي النظرة السلبية تجاه الأفكار الجديدة. ففي الوقت الذي تعتبر فيه الشركات العالمية الابتكار بوابة للنمو، ما زالت بعض المؤسسات تنظر إلى صاحب الفكرة المختلفة باعتباره مصدر إزعاج أو تهديد.
وحذر من أن تكرار عبارات مثل “لسنا بحاجة إلى ذلك” أو “جرّبنا هذا سابقاً” أو “دع الأمور كما هي” يمثل بداية مرحلة الجمود التي تسبق التراجع.
واستشهد بتجربة شركة غوغل التي جعلت من “الأمان النفسي” ثقافة عمل أساسية، بحيث يستطيع الموظف التعبير عن رأيه واقتراحاته من دون خوف. وقد أثبتت الدراسات أن هذا العامل كان من أهم أسباب نجاح فرق العمل الأكثر إنتاجية وابتكاراً.
البيانات تتكلم… والانطباعات لم تعد تكفي
في الماضي كانت القرارات تُبنى على الحدس والخبرة الشخصية، أما اليوم فقد أصبحت البيانات هي اللغة التي تتحدث بها الشركات الناجحة.
وأوضح محي الدين أن أنظمة إدارة الموارد المؤسسية ERP وإدارة علاقات العملاء CRM وذكاء الأعمال BI لم تعد أدوات تقنية ثانوية، بل تحولت إلى أدوات إستراتيجية تحدد مسار المؤسسة وقدرتها على المنافسة.
وضرب مثالاً بشركة تمتلك مخزوناً بقيمة مليون دولار، حيث يمكن للتحول الرقمي أن يحرر 150 ألف دولار من السيولة فقط من خلال خفض المخزون الراكد بنسبة 15 بالمئة، من دون اقتراض أو استثمارات إضافية.
الهدر… العدو الذي لا نراه
وأشار المحاضر إلى أن كثيراً من الشركات تركز على زيادة المبيعات بينما تتجاهل الخسائر المتراكمة داخل عملياتها اليومية.
فشركة تحقق مبيعات سنوية بقيمة عشرة ملايين دولار وتفقد 10 بالمئة من قيمتها بسبب الهدر التشغيلي تخسر فعلياً مليون دولار كل عام من دون أن تدرك حجم النزيف الحقيقي.
ولذلك فإن تخفيض الهدر وتحسين الكفاءة التشغيلية قد يحققان أثراً مالياً أكبر من زيادة المبيعات بالنسبة نفسها، لأن التنافسية تبدأ من داخل المؤسسة قبل أن تبدأ في السوق.
لماذا تغادر الكفاءات؟
وفي محور الموارد البشرية، طرح الدكتور محي الدين سؤالاً لا يقل أهمية: لماذا تخسر المؤسسات أفضل كوادرها؟
الإجابة، كما يرى، لا تتعلق بالراتب وحده. فالكثير من الكفاءات السورية غادرت لأنها لم تجد بيئة تسمح لها بالنمو والإبداع والمشاركة.
غياب العدالة، وضعف التقدير، وانعدام مسارات التطور المهني، وضعف القيادة المؤسسية، كلها عوامل تدفع أصحاب الخبرات إلى البحث عن فرص أخرى، وتؤدي إلى خسارة أحد أهم أصول الشركات: الإنسان.
المستثمر يبحث عن مؤسسة لا عن مبنى
وأكد محي الدين أن المستثمر المعاصر لا يستثمر في الآلات أو المباني بقدر ما يستثمر في مؤسسة قادرة على النمو المستدام.
وتظهر تجارب الأسواق الناشئة أن الشركات التي تطبق الحوكمة والرقمنة والإدارة الاحترافية تحقق زيادات ملموسة في الإنتاجية والربحية، كما ترتفع قيمتها السوقية أضعافاً خلال سنوات قليلة.
وضرب مثالاً بشركة صناعية تحقق مبيعات سنوية بقيمة عشرة ملايين دولار وقيمة سوقية تبلغ خمسة ملايين دولار، مبيناً أن تحسين الحوكمة والعمليات والرقمنة يمكن أن يضاعف قيمة الشركة تقريباً خلال فترة قصيرة من دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الأصول الثابتة.
صناعة المستقبل تبدأ اليوم
وفي ختام المحاضرة، أكد الدكتور رازي محي الدين أن السؤال لم يعد: “كيف نحمي الصناعة السورية؟” بل أصبح: “كيف نجعلها قادرة على المنافسة والبقاء والنمو؟”
فالدول التي حققت نجاحات اقتصادية لم تكن بالضرورة الأكثر امتلاكاً للموارد، لكنها كانت الأكثر قدرة على بناء مؤسسات فعالة وإدارات كفؤة وثقافات عمل تشجع الإبداع والتطوير.
لذلك فإن مستقبل الصناعة السورية لن تحدده أحجام المصانع ولا قيمة الآلات، بل ستحدده جودة الإدارة، وقوة الثقافة المؤسسية، وقدرة الشركات على استقطاب العقول وتمكينها. وفي اقتصاد يتغير كل يوم، لن يفوز من يملك رأس المال الأكبر، بل من يملك القدرة الأكبر على التعلم والتكيف والابتكار.
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=131&id=205963