النفط يقود التقارب الاقتصادي بين دمشق وواشنطن
عبد النور : نجاح التجربة السورية قد يجعلها نموذجاً للتعافي الاقتصادي في المنطقة .. شرط الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية





 

استثمارات الطاقة الأميركية قد تمهد لمرحلة جديدة من التعاون بعد عقود من العقوبات والعزلة المالية

 


على رغم محدودية العلاقات الاقتصادية بين سوريا والولايات المتحدة بسبب العقوبات، فإن التعاون المتنامي في قطاع الطاقة بقيادة شركات أميركية كبرى قد يشكل نقطة تحول نحو جذب الاستثمارات وإعادة دمج الاقتصاد السوري تدريجاً في الأسواق العالمية
 
سيرياستيبس :


لا تزال العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية بين سوريا والولايات المتحدة محدودة للغاية، نتيجة عقود من العقوبات التي فرضتها واشنطن على دمشق، وأدت بصورة رئيسة إلى إخراج سوريا من النظام المصرفي العالمي، مما لا يزال يحد من تدفق الاستثمارات والتكنولوجيا إلى البلاد حتى بعد إلغاء قانون "قيصر".

وبحسب الإحصاءات، فإن حجم التبادل التجاري بين سوريا والولايات المتحدة لا يتجاوز بضعة ملايين الدولارات سنوياً، إذ تستقر قيمة الصادرات السورية إلى أميركا في نطاق يراوح ما بين 10 و11 مليون دولار، بينما لا تتعدى الواردات منها حاجز المليون دولار، مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري لمصلحة الولايات المتحدة. ويعود ذلك، إضافة إلى العقوبات، للرسوم الجمركية المرتفعة المفروضة على الصادرات السورية التي تصل إلى 41 في المئة، وهي من أعلى معدلات التعريفة الجمركية التي تطبقها الولايات المتحدة عالمياً.

لكن مؤشرات جديدة بدأت تلوح في الأفق، إذ يرى اقتصاديون سوريون أن توسع العلاقات الاقتصادية بين دمشق وواشنطن بات مرتبطاً بصورة وثيقة بالتعاون في قطاعات الطاقة والنفط والغاز، ولا سيما بعد إعلان شركة ""شيفرون"" رغبتها في التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية بالشراكة مع شركة "باور إنترناشيونال" القابضة القطرية، وتوقيع مذكرة تفاهم مع وزارة الطاقة السورية، وفي الوقت ذاته، بدأت شركة "كونوكو" العمل فعلياً في استكشاف واستثمار حقول الغاز الطبيعي، وتطوير بعض الحقول في محافظة دير الزور والمنطقة الشرقية.

محادثات سورية - أميركية في واشنطن

في وقت تحدثت تقارير إعلامية عن زيارة مرتقبة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، أجرى وفد سوري برئاسة وزير الطاقة محمد البشير محادثات مع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت وممثلين عن عدد من الشركات الأميركية ومسؤولي قطاع الأعمال الدولي.

وتناولت المباحثات التي جرت على هامش مشاركة سوريا في "المنتدى العالمي للطاقة" بالعاصمة الأميركية واشنطن، سبل تعزيز التعاون الثنائي في قطاع الطاقة والفرص الاستثمارية المتاحة في سوريا، إضافة إلى آفاق توسيع مشاركة الشركات الأميركية في مشاريع الطاقة والبنية التحتية.

وذكرت وكالة "سانا" أن وزير رايت أكد دعم بلاده لجهود الحكومة السورية الرامية إلى تطوير قطاع الطاقة ودفع مسار التعافي الاقتصادي، مشيراً إلى أهمية تشجيع الشركات الأميركية على الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة في السوق السورية والمساهمة في تنفيذ مشاريع استراتيجية تدعم التنمية المستدامة، ونقلت الوكالة عن البشير قوله إن عدداً من الشركات الأميركية بدأ بالفعل العمل داخل سوريا، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على توفير التسهيلات اللازمة للمستثمرين وتطوير الأطر التنظيمية والتشريعية بما يضمن نجاح المشاريع واستدامتها.


من مذكرة تفاهم إلى عقود تنفيذية

وكان الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي أجرى لقاءات في واشنطن مع شركات "شيفرون" و"هانت أويل" و"بيكر هيوز" لبحث فرص التعاون والاستثمار في قطاعي النفط والغاز.

وفي ما يخص "شيفرون"، قال قبلاوي إن المحادثات ركزت على المضي في تنفيذ مذكرة التفاهم القائمة بين الجانبين وتطويرها خلال المرحلة المقبلة إلى عقد تنفيذي.

وأضاف ضمن تصريح نشرته الشركة السورية للبترول عبر قناتها على "تيليغرام" في التاسع من يونيو (حزيران) الجاري، أن الوفد السوري لمس "اهتماماً حقيقياً وجاداً من كبرى الشركات الأميركية للاستثمار في قطاعي النفط والغاز السوريين"، مشيراً إلى أن اللقاءات ركزت على استكشاف فرص التعاون والشراكة خلال المرحلة المقبلة.

8 مليارات دولار سنوياً من مشاريع الطاقة
في فبراير (شباط) الماضي، كشف تقرير لموقع "إيكونومي" التركي المتخصص في الشؤون الاقتصادية عن مفاوضات تجريها سوريا مع عدد من كبرى شركات الطاقة العالمية لتطوير احتياطات محتملة من الغاز الطبيعي والنفط في مياهها البحرية.

وترجح التقديرات الأولية أن تسهم هذه المشاريع في نحو 8 مليارات دولار سنوياً عند دخولها مرحلة الإنتاج الكامل، مما قد يشكل دفعة مهمة لاقتصاد سوري يسعى إلى التعافي بعد أعوام طويلة من الصراع.

ويشير التقرير إلى أن الخطط تشمل إصدار تراخيص استكشاف لشركات عالمية مثل "شيفرون" و"كونوكو فيليبس" و"توتال إنرجيز" و"إيني"، فيما أُعلن اتفاق مبدئي بين "شيفرون" وشركة "باور إنترناشيونال" القابضة القطرية للتنقيب في حقل بحري، على أن تبدأ الأعمال خلال الأشهر المقبلة.

لكن التقرير لفت إلى أن مشاريع الاستكشاف البحري تمر عادة بمراحل طويلة تشمل الدراسات الزلزالية والتقييم الفني قبل اتخاذ قرار الاستثمار النهائي، وهي عملية قد تستغرق أعواماً عدة.

النفط بوابة العلاقات الاقتصادية

ويرى باحثون اقتصاديون سوريون أن اهتمام الشركات الأميركية بقطاع الطاقة السوري قد يشكل مؤشراً إيجابياً على مسار التعافي الاقتصادي، خصوصاً أن نجاح الاستثمارات الأميركية في هذا القطاع قد يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية أوسع من الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج.

وأوضح المتخصص في العلاقات الدولية معاذ الآغا لـ"اندبندنت عربية" أن التعاون في قطاع الطاقة يمكن أن يؤدي إلى توسيع العلاقات الثنائية في مجالات متعددة، وأن وجود شركات أميركية كبرى في السوق السورية لا يعني مجرد استخراج النفط والغاز، بل نقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية ومعايير الحوكمة والسلامة والتشغيل الحديثة.

وأضاف أن نجاح الحكومة السورية في إدارة هذا الملف قد يحول قطاع الطاقة إلى نقطة انطلاق نحو تعافٍ اقتصادي أوسع، نظراً إلى ارتباطه بعدد كبير من الأنشطة الاقتصادية الأخرى وما يمكن أن يوفره من فرص عمل واستثمارات جديدة.

لكنه شدد على أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مرهوناً بتحقيق الاستقرار السياسي والأمني، وتوفير بيئة استثمارية واضحة ومحمية بالقوانين والأنظمة الحديثة.

خطوط الطاقة والموقع الجيوسياسي

من جانبه رأى المتخصص في الاقتصاد السياسي عبدالحميد القتلان أن الاهتمام الأميركي لا يقتصر على النفط والغاز السوريين، بل يمتد إلى الدور المحتمل لدمشق في إدارة وربط مسارات الطاقة الإقليمية الممتدة من الخليج والعراق باتجاه أوروبا والبحر المتوسط.

وأضاف أن تحقيق هذه الرؤية يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني ومؤسسات دائمة وحوكمة وشفافية، معتبراً أن واشنطن تنظر إلى الاستقرار الإقليمي على أنه شرط أساس قبل الانتقال إلى شراكات اقتصادية واسعة النطاق.

علاقات محدودة حالياً وآفاق واعدة مستقبلاً

ويرجح اقتصاديون سوريون أن يسهم نجاح التعاون الحالي مع الشركات الأميركية في تنشيط العلاقات التجارية بين البلدين وزيادة الصادرات السورية إلى السوق الأميركية، فضلاً عن جذب استثمارات السوريين المقيمين في الولايات المتحدة الذين يدير كثير منهم أعمالاً ومشاريع بمليارات الدولارات، ولا سيما في قطاعي التكنولوجيا والخدمات.

وقال السياسي والإعلامي السوري أيمن عبدالنور لـ"اندبندنت عربية" إنه لا توجد حتى الآن علاقات اقتصادية واسعة بين دمشق وواشنطن، موضحاً أن التعاون الحالي يتركز بصورة رئيسة في قطاعي النفط والغاز وبعض الخدمات المالية المرتبطة بالتحويلات وأنظمة الدفع الدولية.

وأضاف أن شركات مثل "شيفرون" و"كونوكو" أبدت اهتماماً واضحاً بالسوق السورية، مشيراً إلى أن إعادة تأهيل الحقول النفطية والغازية تحتاج إلى استثمارات كبيرة ووقت طويل قبل الوصول إلى مستويات إنتاج مرتفعة.

وأوضح أن الحديث عن قفزات فورية في إنتاج النفط والغاز السوريين لا يعكس الواقع، إذ إن إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة تتطلب أعواماً من العمل والاستثمار.

سوريا بين الجغرافيا والطاقة

وشرح عبدالنور أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها أهمية استثنائية في مشاريع الربط الإقليمي ونقل الطاقة، ولا سيما وسط الاضطرابات التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز.

وأضاف أن سوريا يمكن أن تقوم بدور محوري في مشاريع نقل الطاقة والربط التجاري بين الخليج وأوروبا، مستفيدة من موقعها الذي يربط الشرق بالغرب ويمنحها ميزات لوجستية وجيوسياسية كبيرة.

نموذج اقتصادي جديد

ويرى عبدالنور أن نجاح التجربة السورية في بناء اقتصاد أكثر انفتاحاً واستقراراً قد يجعلها نموذجاً للتعافي الاقتصادي في المنطقة، شرط مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية وتعزيز بيئة الأعمال والاستثمار.

وفي هذا السياق، قالت السفارة الأميركية في دمشق عبر منصة "إكس" إن الولايات المتحدة على ثقة بأن سوريا يمكن أن تصبح وجهة موثوقة للاستثمار المسؤول وريادة الأعمال والاندماج الاقتصادي، مشيرة إلى وجود فرص واعدة في قطاعات الكهرباء والنفط والغاز والتكنولوجيا والاتصالات والعقارات والخدمات المصرفية.

وتتمتع الشركات الأميركية، بما تمتلكه من تكنولوجيا وخبرة ومعايير متقدمة، بموقع فريد يمكّنها من سد كثير من الفجوات بصورة عاجلة.

حاملة طائرات برية

وتحدث عبدالنور عن أهمية موقع سوريا التجاري والجغرافي، ومع اندلاع الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز وما تسبب به من اضطراب في سلاسل الإمداد، طُرح استثمار هذا الموقع بما في ذلك مشروع ربط البحار الأربعة ليكون خطاً بديلاً، ولو جزئياً، عن مضيق هرمز.

واعتقد بأن ذلك ليس بعيداً من اهتمام واشنطن، فسوريا تتمتع بموقع متميز، وبعضهم يسميها "حاملة طائرات برية"، مما يعني أنها تتمتع بموقع جغرافي حساس جداً، بل إنه فريد لا مثيل له، يربط الخليج بأوروبا، والشرق بالغرب، لذلك يجب استغلاله في نقل أنابيب الطاقة، وكذلك تأمين المواد للخليج عبر استخدام الموانئ السورية، وأيضاً في خطوط النقل الجوي والبري.

ما هو النموذج السوري الذي يجري بناؤه ويدعمه ترمب؟

غير بعيد من واقع العلاقات الاقتصادية، أكد الإعلامي والسياسي السوري أن هناك رغبة لدى عدد من القيادات العليا في أن تكون سوريا أفضل وأنجح، وأن يكون اقتصادها مزدهراً، بل أن تصبح مثالاً للدول الإسلامية، مشيراً إلى أن الحركات الإسلامية الجهادية يمكن أن تتطور في فكرها وأيديولوجيتها وأسلوب إدارتها من أجل أن تصبح نموذجاً مقبولاً يمكن الاقتداء به في كثير من البلدان المؤهلة الآن، وتديرها حركات إسلامية، ومن بينها ليبيا والسودان ومالي، مما يمثل مطلب ترمب الذي يريد أن تكون سوريا نموذجاً قابلاً لعدم تشكيل خطر إرهاب دولي،

وألا تتسبب في حدوث قلاقل واضطرابات في محيطها أو على حدودها أو عابرة لحدودها، نموذجاً يقبل كل مكونات الدولة وتنوعها العرقي، ومن دون اضطرابات داخلية، وأن يحقق مطالب الأمن القومي الأميركي، ويتعاون مع الولايات المتحدة في ما تحتاج إليه، وأن تُدار البلاد من من دون أن تكون هناك مجازر متكررة.

وأضاف عبدالنور أن "هذا الأمر سوف تستفيد منه الولايات المتحدة، إذ ستعتبر أن سوريا هي نموذج يمكن نسخه وتطبيقه في دول أقل تعقيداً مثل السودان وليبيا ومالي، وهذا ما وجدناه حتى الآن، فقد تبنوا إحدى الخطط التي نفذها الشرع في التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية، وطبقوها في ليبيا أخيراً، مما أتاح تقدماً ملحوظاً في الملف هناك، وهذا ما سمعته شخصياً من مستشارين كبار في الإدارة الأميركية. وأيضاً في دولة مالي هناك توجه لتطبيق ما جرى في سوريا".

لكن ألا تبدو هذه المهمة صعبة؟ سألنا عبدالنور، ليؤكد بالنفي، وقال "هناك خطوات تُتخذ الآن تباعاً لكن بأسلوب بطيء، كان من المتوقع أن يتم ذلك بوتيرة أسرع مما يجري حالياً، لكن أعتقد بأنه على رغم البطء، يسير في الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه، ولكن تبقى مشكلة المتغيرات الإقليمية والدولية، وهي ضاغطة جداً على الوضع السوري، ولم تعُد تتيح الوقت اللازم للإصلاح بمثل هذا البطء".

يُذكر أخيراً أن وزارة الخارجية الأميركية أصدرت قبل أيام إشعاراً رسمياً يؤكد إزالة اسم سوريا من قائمة الدول غير المتعاونة بصورة كاملة مع جهود مكافحة الإرهاب، مما اعتبره عبدالنور مرحلة في اتجاه إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، المفروض منذ عام 1979، إذ لا بد من إلغائه بصورة كاملة للحد من آثاره الاقتصادية على البلاد.
اندبندنت عربية
https://www.independentarabia.com/node/651112/




المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=136&id=206020

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc