اختلالات التجارة العالمية تتصدر قمة السبع في فرنسا
15/06/2026
سيرياستيبس
تبحث قمة مجموعة السبع اتساع الاختلالات التجارية العالمية، وسط تصاعد العجز الأميركي والفائض الصيني وتنامي المنافسة على المعادن النادرة، في ظل مخاوف من تداعياتها على النمو والاستقرار الاقتصادي.
من المتوقع أن تطغى قضايا التجارة العالمية على قمة مجموعة السبع الصناعية الكبرى في فرنسا منتصف هذا الشهر، وستكون القضية الأولى على جدول أعمال القمة، التي سيحضرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، هي العجز التجاري الأميركي المتنامي، وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن المضيفين الفرنسيين للقمة يدفعون نحو مناقشة الاختلالات في التجارة العالمية، وفي مقدمة تلك الاختلالات العجز في الحساب الجاري الأميركي، وهو المقياس الأوسع للعجز التجاري الذي يشمل السلع والخدمات والدخل الاستثماري.
وفي مقابل ذلك العجز التجاري، وفي الحساب الجاري الأميركي، يبرز الفائض التجاري للصين وإلى حد ما الاتحاد الأوروبي، ففي التجارة العالمية أي عجز لدى طرف يقابله فائض لدى طرف آخر، ومع أن العجز والفائض من الأمور الشائعة عامة في التجارة، إلا أنه كما قالت غورغيفا مديرة صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) الماضي، فإن هناك "اختلالات واسعة تثير القلق".
ويقدر صندوق النقد الدولي أن معدلات العجز والفائض وصلت إلى نسبة 3.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي العام الماضي 2025، بعدما كانت تلك النسبة تنخفض باطراد منذ الأزمة المالية العالمية في 2008. وحتى نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن كانت نسبة العجز والفائض من الناتج المحلي الإجمالي العالمي تتحرك في نطاق واحد في المئة وأقل من ثلاثة في المئة.
الخلل التجاري وفقاعات خطرة
يشير التقرير إلى خطورة اتساع العجز في الحساب الجاري، الذي يعكس بالأساس العجز التجاري، لدوره في وقوع الأزمات، ففي مطلع ثمانينيات القرن الماضي كان عجز الحساب الجاري عاملاً أساساً في الأزمات التي اجتاحت أميركا اللاتينية، وكذلك في أزمات شرق وجنوب شرقي آسيا في التسعينيات، وفي الولايات المتحدة من 2007 إلى 2009، وأيضاً في دول منطقة اليورو من 2009 إلى ما بعد ذلك.
ويتم تمويل العجز بالاستدانة، إما بالاقتراض من البنوك أو بيع الأسهم والسندات أو غير ذلك من طرق الاقتراض والدين، لذا فإن زيادة العجز غالباً ما تكون مؤشراً إلى فقاعة دين أو فقاعة استثمارية يزيد من غليانها التمويل الأجنبي.
وهذا ما حدث في الأزمة المالية العالمية الأخيرة، حيث زاد من غليان فقاعة العقار في أميركا تمويل القروض العقارية بأموال أجنبية وجدت طريقها إلى سوق التمويل العقاري عبر إعادة بيع قروض الرهن العقاري من خلال مشتقات استثمارية متعددة.
وصحيح أن معدلات العجز تبدو مختلفة حالياً ، ورغم أن نسبتها السنوية أقل مما كانت عليه قبل 15 عاماً، فإنها أصبحت أكثر استدامة وتشكل جزءاً من السلوك المالي الحكومي.
فعلى سبيل المثال، لدى الولايات المتحدة أكبر عجز في العالم يصل إلى 1.1 تريليون دولار أميركي ويمثل الاختلال الأكبر عالمياً، وفي نظر الإدارة الأميركية الحالية فإن السبب في اتساع العجز هو الممارسات التجارية للدول الأخرى، والحل هو فرض التعريفة الجمركية.
لكن صندوق النقد الدولي ذكر في دراسة له مطلع هذا العام أن فرض التعريفة الجمركية هو صورة من صور السياسات الصناعية "الجزئية" ليس له تأثير واضح في الحساب الجاري، إذ يقابله تحركات في الاستثمار والاستهلاك والادخار أو سعر الصرف تقلل من تبعاته. فلم ينخفض عجز الحساب الجاري للولايات المتحدة بصورة واضحة العام الماضي رغم فرض التعريفة الجمركية، لأن التوسع في قطاع الذكاء الاصطناعي زاد كثيراً من استيراد المدخلات التكنولوجية الأجنبية الصنع.
أما العامل الذي يسهم أكثر في عجز الحساب الجاري الأميركي فهو عجز الموازنة الذي يتضمن زيادة مستمرة في الاستثمار وضعفاً وتراجعاً في الادخار.
وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي فإن عجز الموازنة بنسبة اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي يترجم إلى عجز في الحساب الجاري بنسبة 0.5 في المئة.
العجز مقابل الفائض
بالطبع ليست الولايات المتحدة مسؤولة وحدها عن اتساع العجز لديها، بل إن زيادة الفائض لدى غيرها تسهم في زيادة عجزها، ومن الشركاء الذين يسهمون في ذلك ألمانيا مثلاً، التي تعاني نقص الاستثمار المزمن.
وبصورة خاصة تسهم الصين في اتساع العجز الأميركي، حيث لدى بكين أكبر فائض في العالم، ومع زيادة صادراتها يزيد العجز لدى شركائها التجاريين.
ومثلما تفعل الإدارة الأميركية الحالية، تعطي الصين أولوية للتصنيع، لكن السياسة الصناعية الصينية، على عكس فرض التعريفة الجمركية، هي سياسة "اقتصاد كلي" وليست "جزئية"، لذا تساعد ميزان الصين التجاري على التحسن المستمر بحسب ما يخلص إليه صندوق النقد الدولي.
فعلى سبيل المثال، تعمل الصين من خلال التدخل في سعر الصرف وقيود رأس المال بما يبقي عملتها منخفضة القيمة.
كما أنها توفر الدعم للاستثمارات من خلال إجراءات ضريبية وشبكة ضمان اجتماعي تشجع على زيادة الادخار، وكل تلك الإجراءات تسهم في زيادة الصادرات وتراجع الواردات والإنفاق.
ويرغب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن تسفر القمة التي يستضيفها الإثنين المقبل، عن حلول منسقة ومتفق عليها بين دول مجموعة السبع لتلك الاختلالات.
وقال ماكرون الخميس، إنه من دون تنسيق بين دول المجموعة "فإن تلك الاختلالات تشكل خطراً للتفاقم بطريقة لا يمكن ضبطها".
وقد تبدو الحلول واضحة، بحسب تقرير الصحيفة، وهي أن تعمل الولايات المتحدة على خفض عجز ميزانيتها بصورة واضحة، وأن تعمل الصين على إصلاح نظامها المالي والنقدي، لكن أميركا تعتبر المشكلة في الصين وشركائها التجاريين وليست في عجز موازنتها، كما أن الصين ليست عضواً في مجموعة السبع وربما لا ترى ضرورة لتغيير سياستها.
ويمكن أن يكون الحل الآخر على طريقة "اتفاق بلازا" لعام 1985 حين اتفقت مجموعة الخمس على ترك قيمة الدولار الأميركي تنخفض بشدة مقابل المارك الألماني والين الياباني، وهو ما أدى إلى تراجع نسبة العجز بشدة في الأعوام التالية.
لكن من دون تنسيق مع الصين، التي يعتبر كثيرون أن سعر صرف عملتها اليوان منخفض بنسبة 15 في المئة عما يجب أن يكون، لا يمكن الوصول إلى ذلك الحل.
ولا تعود صعوبة الاتفاق على أي من تلك الحلول إلى أن الصين ليست جزءاً منها فحسب، بل كذلك لأن الولايات المتحدة لا ترى أن المشكلة لديها تكمن في عجز الموازنة.
التجارة العالمية والمعادن النادرة
سبق قمة الدول الكبرى التي تعقد الأسبوع المقبل صدور التقرير نصف السنوي لمؤتمر التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة (أونكتاد) حول آفاق التجارة العالمية.
وركز تقرير "أونكتاد" لشهر يونيو (حزيران) 2026 على التحول الواضح في تجارة المعادن النادرة ودوره في إعادة تشكيل التجارة العالمية.
ويوضح التقرير كيف أن زيادة الطلب على المعادن النادرة، التي تدخل في عملية التحول في إنتاج الطاقة، تعيد تشكيل التجارة العالمية، ومن تلك المعادن عناصر الأرض النادرة والليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس.
ولا يقتصر الخلل في تجارة تلك المعادن على زيادة الطلب، وإنما أيضاً على تركز العرض، أي الإنتاج وعمليات التنقية والتكرير، في دول قليلة.
والنتيجة أن الدول حول العالم بدأت في استخدام السياسات التجارية بصورة مكثفة لضمان الوصول إلى تلك المعادن وزيادة القدرات المحلية وتقليل الأخطار في سلاسل الإمداد والتوريد.
فعلى سبيل المثال، يقدر تقرير "أونكتاد" ارتفاع الطلب على الليثيوم في الفترة من 2024 إلى 2040 بنسبة 353 في المئة، وارتفاع الطلب على الغرافيت في الفترة نفسها بنسبة 131 في المئة.
أما عن تركز العرض، فعلى سبيل المثال تستحوذ جمهورية الكونغو الديمقراطية على نسبة 73 في المئة من إنتاج الكوبالت عالمياً بحسب أرقام العام الماضي 2025.
وتهيمن إندونيسيا على إنتاج النيكل بنسبة 67 في المئة من الإنتاج العالمي، أما الصين فتستحوذ على تسعة في المئة من إنتاج المعادن النادرة عالمياً، كما تهيمن على عمليات تكرير وتنقية تلك المعادن.
ولأن تنويع عمليات الاستخراج والتنقية والتكرير يستغرق وقتاً طويلاً ويتطلب استثمارات هائلة وتنسيقاً للدعم الحكومي، فإن الدول تتخذ إجراءات تجارية مشددة في الآونة الأخيرة تسهم في اختلالات التجارة العالمية.
ويقدر التقرير أنه منذ مطلع القرن تم فرض أكثر من 100 إجراء لتشديد وتقييد تصدير تلك المعادن، وتشمل تلك الإجراءات تقييد تراخيص المناجم، وفرض ضرائب على التصدير، أو حظر التصدير تماماً، أو فرض سقف لكميات التصدير.
وفرضت جمهورية الكونغو الديمقراطية القدر الأكبر من تلك الإجراءات، تليها الصين ثم إندونيسيا، ومع أن تلك الإجراءات قد تساعد الدول التي تفرضها، إلا أنها تضر بالتجارة العالمية واستقرار سلاسل الإمداد والتوريد.
لذا يخلص تقرير "أونكتاد" إلى ضرورة التعاون الدولي للحد من تأثير تلك الاختلالات في التجارة العالمية، لكن ذلك يبقى مرهوناً بالتنسيق الأوسع بين الدول المنتجة والدول المستهلكة.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=128&id=206033