واشنطن لم تقطع «الميل الأخير» في سوريا... والصين تملأ الفراغ
20/06/2026
سيرياستيبس
إيلي يوسف
رغم أن إدارة الرئيس دونالد ترمب قطعت شوطاً واسعاً في تفكيك منظومة العقوبات على سوريا، فإن بقاء دمشق على القائمة الأميركية لـ«الدول الراعية للإرهاب» يجعل الانفتاح المعلن سياسة ناقصة.
ويحذر تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» من أن تأخر رفع التصنيف «يعرقل الشركات الأميركية، ويدفع الحكومة السورية، تحت ضغط إعادة الإعمار، إلى الاستعانة بشركات صينية وتركية لا تواجه القيود نفسها». غير أن الدبلوماسي السوري السابق والناشط السياسي بسام بربندي يقلل، في حديث مع «الشرق الأوسط»، من احتمال تحول سوريا إلى ساحة نفوذ صيني، مؤكداً أن قرار رفع التصنيف اتُّخذ في واشنطن، وأن إعلانه بات مسألة توقيت وإجراءات تنفيذية. وهكذا تبدو القضية سباقاً على صياغة البيئة الاقتصادية والتكنولوجية لسوريا الجديدة، أكثر منها انتقالاً وشيكاً إلى «المعسكر الصيني».
يضع التقرير حجم المهمة في مقدمة حجته: إعادة إعمار سوريا تحتاج، وفق البنك الدولي، إلى نحو 216 مليار دولار، تشمل 82 ملياراً للبنية التحتية، و75 ملياراً للمساكن، و59 ملياراً للمنشآت غير السكنية. وفي بلد يعيش نحو 90 في المائة من سكانه تحت خط الفقر، ويحتاج 16.5 مليون شخص فيه إلى مساعدات إنسانية، لا تستطيع دمشق انتظار اكتمال الترتيبات الأميركية قبل إصلاح الكهرباء والاتصالات والمصارف والطرق والمستشفيات.
لكن تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، المفروض منذ عام 1979، يرتب قيوداً تتجاوز العقوبات التقليدية؛ فهو يعرّض أصول الدولة السورية في الولايات المتحدة للملاحقة في دعاوى قضائية، ويشدد الرقابة على السلع ذات الاستخدام المزدوج، ويصعّب توريد التوربينات ومعدات الشبكات والأجهزة الطبية الإلكترونية، فضلاً عن تعطيل التعاملات المصرفية والتأمين والتمويل.
والنتيجة، بحسب التقرير، سوق مفتوحة نظرياً لكنها مغلقة عملياً أمام الشركات الأميركية والأوروبية؛ لأن العمل مع حكومة تحمل هذا التصنيف يصنع أخطاراً قانونية وتجارية، حتى للشركات القادرة على العمل بموجب التراخيص القائمة.
إعمار من دون الغرب
ظهر الدليل الأوضح، وفق «واشنطن بوست»، في معرض «بيلدكس» للبناء والبنية التحتية في دمشق، حيث خُصصت قاعة كاملة لنحو مائة جناح صيني، إلى جانب حضور سوري وهندي وتركي وخليجي، مقابل وجود أميركي وأوروبي محدود. ويرى التقرير أن كل أسبوع يمر من دون رفع التصنيف يعني عقداً جديداً قد يذهب إلى شركة غير أميركية.
غير أن التقرير يقر بأن الصين لم تطلق حملة حكومية منظمة شبيهة بمشاريع «الحزام والطريق»، وأن تحرك شركاتها يبدو تجارياً وانتهازياً أكثر منه استراتيجية دولة متكاملة. لذلك ينتقل الخطر من فرضية «استحواذ صيني» سريع إلى احتمال ترسخ تقني تدريجي يصعب التراجع عنه لاحقاً.
فسوريا تعتمد أصلاً بدرجة كبيرة على معدات اتصالات صينية. وإذا بيعت شركة «إم تي إن سوريا» إلى مشغل آخر، فقد يضطر المالك الجديد إلى مواصلة شراء تلك المعدات ما دامت الشركات الغربية مقيدة قانونياً ومالياً، بما يمنح البنية التحتية القائمة أثراً طويل الأمد.
يسرد التقرير خطوات اتخذتها إدارة ترمب منذ سقوط النظام السابق: تراخيص عامة من وزارة الخزانة، وإعفاءات من «قانون قيصر» ثم إلغاؤه تشريعياً، وتخفيف قيود التصدير، وشطب «هيئة تحرير الشام» و«جبهة النصرة» من لوائح الإرهاب. كما وقّعت «شيفرون» مذكرة تفاهم للاستكشاف البحري، وأصدرت السفارة الأميركية في دمشق دليلاً للمستثمرين، بينما أعاد المصرف المركزي السوري الاتصال بنظام «سويفت»، وفتح حساباً لدى «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك.
لكن هذه الإجراءات لا تلغي أثر التصنيف؛ ولهذا يرى التقرير أن الإدارة لم تقطع «الميل الأخير»، رغم تأييد وزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث توم براك، وفق مصادره، لرفع التصنيف.
وفي الكونغرس، يستمر الانقسام بين مجلس شيوخ يريد شروطاً أكثر صرامة على التعاون الأمني، ومجلس نواب يميل إلى توسيعه. ويظهر التناقض في كون سوريا شريكاً في التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، بينما تبقى قانونياً «دولة راعية للإرهاب»؛ ما قد يربك حتى المساعدات الأمنية المخصصة لمجموعات سورية مدققة.
يقدم بربندي قراءة مختلفة في درجة الخطر وتوقيته؛ فهو يؤكد، استناداً إلى معلوماته، أن ترمب ومجلس الأمن القومي وافقا على رفع سوريا من القائمة، وأن القرار دخل مرحلة الإخراج التنفيذي. وبرأيه، تريد الإدارة إزالة أي ذريعة تسمح للخليجيين أو غيرهم بالقول إن العقوبات الأميركية تمنعهم من الاستثمار.
ويشدد بربندي على أن واشنطن لا تعارض دخول الشركات الصينية، بل تدرك حاجة سوريا المدمرة إلى المنتجات الصينية الرخيصة، مع تحفظ خاص على قطاع الاتصالات. ويضيف أن بكين لديها بدورها مخاوف من وجود مقاتلين إيغور في سوريا، وأنه لا توجد حتى الآن قروض أو تمويل حكومي أو شركات صينية مملوكة للدولة تقود الإعمار، بل نشاط للقطاع الخاص.
كما يرى أن داعمي سوريا في الكونغرس يسعون إلى إنجاز أكبر قدر من المساعدة، مرجحاً إمكان إعلان القرار خلال لقاء يضم ترمب والرئيس أحمد الشرع والرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة.
وبذلك لا ينفي تعليق بربندي جوهر المشكلة، بل يعيد تحديدها: التأخير الأميركي يربك السوق، ويؤخر قرارات الشركات، لكنه لا يعني أن سوريا حُسمت للصين. أما دعوة التقرير الشركات الأميركية إلى الاستعداد المبكر، والتركيز على الطاقة والبنية التحتية والاتصالات، والتعامل مع دعاوى ضحايا النظام السابق بوصفها مسألة هيكلة قانونية، فتكشف أن هدف التحذير هو دفع واشنطن وقطاع الأعمال إلى التحرك قبل إغلاق نافذة الفرص.
الشرق الأوسط
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=110&id=206125