العداله شرط إعادة الإعمار
المهندس ياسر أسعد يكتب : لاتوقيف بلا قضاء .. سوريا الحره بين سيادة القانون وذاكرة الخو ف



 
 
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الانتقالية هو أن تسُتخدم شعارات “هيبة الدولة” أو “حماية الاستقرار” أو “مكافحة الشائعات” كمبرر للعودة إلى القمع المقنعّ بالقانون فالدولة القوية لا تخشى النقد، بل تستفيد منه


إضاءة السيف الدمشقي في ساحة الأمويين بدمشق. #سانا #سوريا


 في توصيف دقيق ويعبرعما يجول في داخل كل السوريين الراغبين ببناء دولة الحريات والمواطنة , استناداً الى قوانين محمية وغير قابلة للاختراق
يقدم المهندس ياسر الأسعد في مقاله الجديد , مقاربة واقعية للعدالة الانتقالية التي تُصان فيها هيبة الدولة ولاتهدر فيها حرية الأفراد التي صانها الإعلان الدستوري  بشكل واضح وبشكل يقطع الطريق على الاجتهادات والشائعات ويمنع القمع باسم القانون ويصون حرية الرأي ويعطي النقد دوره الحقيقي في   البناء والتعافي عوضا عن استخدامه أداة للقمع باسم القانون .. فالهدف هو بناء دولة القانون لادولة الخوف 

سيرياستيبس 
كتب المهندس ياسر أسعد :

ترددتُ كثيراً قبل أن أكتب عن مسألة التوقيف وحجز الحرية دون قرار قضائي، بناءً على شكوى أو ادعاء لم يتم التثبت منه, فالسوريون بعد عقود طويلة من القمع والانتهاكات يدركون حساسية هذا الملف , ويعرفون أن أي حديث فيه قد يسُاء فهمه أو يسُتخدم خارج سياقه والتهمه جاهزه
 
 لكن ما دفعني إلى كسر هذا التردد هو جرأه رجل الأعمال السوري–الأميركي السيد بسام معلوف في طرح هذه القضية بشكل مباشر وبوضوح ومسؤولية خلال ورشه عمل دليل المستثمر الأمريكي في سوريا عن الأثر السلبي الذي تتركه مثل هذه الممارسات على قرارات المستثمرين، وحجم الخوف وعدم اليقين الذي تزرعه في نفوس رجال الأعمال السوريين في الداخل والمهجر، وتدفع كثيرين منهم إلى الإحجام عن دخول السوق السورية رغم رغبتهم بالمساهمة في إعادة بناء بلدهم
 
الأصل هو الحرية والاستثناء هو التقييد

في بلد خرج لتوّه من عقود طويلة من القمع الأمني الممنهج، وأسقط نظاماً حوّل الكلمة الحرة إلى تهمة، والرأي المخالف إلى جريمة، تبدو المفارقة مؤلمة حين يجد بعض السوريين أنفسهم اليوم أمام خطر قديم يعود بثوب جديد التوقيف بسبب التعبير عن الرأي أو ادعاء كيدي

لكن الفارق الجوهري هذه المرة أن القانون نفسه "  نظرياً على الأقل "  لم يعد في صف السلطة ، بل في صف السوريين , ففي الثالث عشر من آذار 2025 صدرالإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية , بوصفه محاولة لتأسيس عقد اجتماعي جديد يقطع مع الدولة الأمنية التي حكمت البلاد لعقو د , وأهم ما يلفت في هذا الإعلان أنه لم يكتفِ بالشعارات العامة , بل وضع نصوصاً واضحة وصريحة بشأن الحريات الأساسية , فالمادة الثالثة عشرة تنص بوضوح على أن الدولة تكفل حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة , هذا النص هوقاعدة دستورية مُلزمة يفترض أن تسمو على أي إجراء إداري أو أمني أو سياسي , والأهم من ذلك أن الإعلان ذاته أدمج مبادئ حقوق الإنسان الدولية، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ضمن المنظومة القانونية السورية , وهو ما يجعل المادة 19 من العهد الدولي مرجعاً دستورياً واجب الاحترام وهي تنص على أن حرية التعبير حق أصيل، وأن أي تقييد لها يجب أن يكون محدداً بنص قانوني واض ح ويخدم هدفاً مشروعاً وأن يكون ضرورياً ومتناسباً مع ذلك الهدف ,بمعنى آخر الأصل هو الحرية والاستثناء هو التقييد , الأكثر حسماً يأتي في المادة الثامنة عشرة من الإعلان الدستوري، والتي تنص حرفي اً تصون الدولة كرامة الإنسان وحرمة الجسد وتمنع الاختفاء القسري والتعذيب المادي والمعنوي, ولا تسقط جرائم التعذيب بالتقادم , وباستثناء حالة الجرم المشهود لا يجوز إيقاف أي شخص أو الاحتفاظ به أو تقييد حريته إلا بقرار قضائي , هذا النص بالغ الأهمية لأنه يضع حداً فاصلاً بين الدولة القانونية والدولة الأمنية فهو يعني ببساطة أنه لا يحق لأي جهاز أمني أومسؤول إدار ي أو جهة سياسية ولا حتى لمواطن متقدم بشكو ى أن يوقف شخصاً أو يحتجزه لمجرد


الادعاء أو الغضب أو الاختلاف السياسي فالشكوى ليست حكما والبلاغ ليس إدانة والتوقيف ليس أداة تأديب سياسي 

القانون السوري النافذ، ممثلاً بقانون أصول المحاكمات الجزائية ، يحدد بوضوح أن التوقيف الاحتياطي إجراء استثنائي لا يتم إلا بإشراف قضائي، وبعد توافر أسباب جدية ، كخطر الهرب أو التأثير على التحقيق أو العبث بالأدلة كما يفرض القانون استجواب الموقوف وعرضه على القضاء المختص ضمن مدة محدده وما عدا حالة الجرم المشهود , فإن أي احتجاز خارج هذه الضمانات يعُد اعتقالاً تعسفياً مخالفاً للدستور والقانون .
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في توقيف شخص هنا أو هناك، بل في إعادة إنتاج العقلية القديمة نفسها , عقلية تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لإسكات الأصوات الناقدة وتصفيه الحسابات الشخصيه , فحين يصبح التوقيف إجراءً سهلاً يبُنى على ادعاء غير مثبت، أو شكوى لم تخضع بعد لتحقيق جدي ومستقل، فإنه يتحول عملياً إلى عقوبة تسبق المحاكمة، بل وتسبق أحياناً التحقق من أصل الادعاء نفسه , والأسوأ من ذلك أن مجرد التوقيف يترك آثاراً عميقة على حياة الإنسان وسمعته وعمله وعلاقاته الاجتماعية والمهنية، حتى لو انتهت
القضية لاحقاً بالحفظ أو البراءة , فبعض الأضرار لا تمُحى بسهولة لأن استعادة السمعة والثقة أصعب بكثير من صدور قرار قضائي متأخر بالبراءه .
 حين يصبح المسؤول قادراً على استخدام الأجهزة العامة للانتقام من صحفي أو ناشط أو معارض أو صاحب رأي، فإن سوريا الحره لا تعود دولة قانون، بل تعود تدريجياً إلى منطق الخوف وهذا تحديداً ما ناضل السوريون للتخلص منه بعد سنوات طويلة من الاعتقال السياسي والتغوّل الأمني .
ومن أخطر الظواهر التي بدأت تثير القلق في المرحلة الانتقالية، مسألة توقيف أو ملاحقة أشخاص بسبب عملهم السابق في مؤسسات الدولة خلال الحقبة الماضية ،دون وجود اتهام محدد أو ملف قضائي واضح أو أدلة على ارتكاب جرم شخصي , فمجرد الإشارة إلى شخص بأنه كان يعمل مع الدولة السابقة أو شغل منصباً ما لا يشكل بحد ذاته جريمة في القانون ولا يمكن أن يكون أساساً مشروعاً للتوقيف أو الاحتجاز .

إعادة إنتاج خطيرة لمنطق الاشتباه السياسي

المسؤولية الجزائية في كل الأنظمة القانونية الحديثة هي مسؤولية فردية لا جماعية، تقوم على الفعل الشخصي المثبت بالأدلة ، لا على الانتماء الوظيفي أو الخلفية السياسية أو الشبهة العامة. ولهذا فإن اعتقال موظف سابق أو ضابط أو إداري أو عامل في مؤسسة رسمية بسبب موقعه السابق، ودون قرار قضائي أو تحقيق قانوني شفاف، يعُد انتهاكاً صريحاً لمبدأ قرينة البراءة الذي أكده الإعلان الدستوري، كما يشكل إعادة إنتاج خطيرة لمنطق “الاشتباه السياسي” الذي عانى السوريون منه لعقود طويلة
 
العدالة الانتقالية الحقيقية لا تقوم على الانتقام الجماعي ولا على تصفية الحسابات ، بل على التمييز الدقيق بين من ارتكب جرائم مثبتة وبين ملايين السوريين الذين عملوا ضمن مؤسسات الدولة بحكم الواقع المعيشي أو الوظيفة العامة , فسوريا الحره التي تسعى لبناء الشرعية وسيادة القانون لا تستطيع أن تؤسس مستقبلها على الخوف أو التعميم أو الاعتقال خارج القضاء، لأن العدالة التي لا تستند إلى قاضٍ مستقل وأدلة واضحة تتحول سريعاً إلى ظلم جديد باسم ظلم قديم


 
  خطورة التوقيف خارج القضاء  

ولا تقتصر خطورة التوقيف خارج القضاء على انتهاك الحقوق الفردية فحسب، بل تمتد مباشرة إلى قلب البيئة الاقتصادية والاستثمارية في البلاد. فالمستثمر — سواء كان سوريا ً في الداخل أو من أبناء الاغتراب أو شريكاً أجنبياً  لا يبحث فقط عن الإعفاءات الضريبية أو الفرص التجارية، بل يبحث أولاً عن الأمان القانوني , وحين يشعر رجل الأعمال أن خلافاً تجاري اً أو شكوى كيدية أو ادعاء
غير مثب ت قد يعرّضه للتوقيف أو المنع من السفر أو الاحتجاز دون قرار قضائي واضح , فإنه يختار الهروب لا المغامرة .
لهذا السبب تعُد سيادة القانون واستقلال القضاء من أهم مؤشرات الاستثمار عالمياً، قبل البنية التحتية والضرائب وحتى حجم السوق. فلا يمكن بناء اقتصاد حديث في ظل خوف المستثمر من التعسف، أو غياب الضمانات القانونية، أو إمكانية استخدام الإجراءات الجزائية كأداة ضغط وابتزاز في النزاعات المالية
 والتجارية , إن أي ممارسة خارج القانون مهما كانت مبرراتها ترُسل رسالة سلبية ومدمرة إلى السوريين في الخارج وإلى المجتمع الدولي مفادها أن البيئة الاستثمارية ما زالت غير مستقرة وغير محكومة بمؤسسات واضحة 
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الانتقالية هو أن تسُتخدم شعارات “هيبة الدولة” أو “حماية الاستقرار” أو “مكافحة الشائعات” كمبرر للعودة إلى القمع المقنعّ بالقانون فالدولة القوية لا تخشى النقد، بل تستفيد منه صحيح أن القانون السوري يجُرّم الذم والقدح والتشهير في المواد 375 إلى 391 من قانون العقوبات، لكن من الضروري التمييز بين الإهانة الشخصية وبين النقد المرتبط بالشأن العام والمشرّع السوري نفسه أدرك هذه الحقيقة , ولذلك نصّ في المادة 385 وما يليها على استثناءات جوهرية، أهمها أن النقد المتعلق بالمصلحة العامة لا يعُد جريمة وأن الوقائع الصحيحة القابلة للإثبات لا تشكل تشهير اً وأن نية الإيذاء الشخصي عنصر أساسي لا بد من إثباته
إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والتشهير

بمعنى آخر الصحفي الذي يكشف فساداً والمواطن الذي ينتقد أداء مسؤول والناشط الذي يطالب بالمحاسبة والكاتب الذي يناقش سياسات الدولة كلهم يمارسون حقاً مشروعاً، لا جريمة أما تحويل الخلاف السياسي أو الشخصي أو النقد الإداري إلى دعاوى جزائية واعتقالات ، فهو انحراف خطير عن روح القانون نفسه 
هيئات الأمم المتحد ة والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان أكدت مراراً أن الشخصيات العامة والمسؤولين الحكوميين يجب أن يتحملوا قدراً أكبر من النقد والمساءلة كما أن الاتجاه القانوني الحديث بات يميل إلى إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والتشهير، وتحويلها إلى نزاعات مدنية يعُالَج ضررها بالتعويض لا بالسجن , إن سجن السوريين بسبب الكلمات لا يحمي الدولة ، بل يضعف شرعيتها الأخلاقية والسياسية , سوريا اليوم أمام امتحان تاريخي حقيقي هل ستكون المرحلة الانتقالية بداية قيام دولة مؤسسات وقضاء مستقل أم مجرد إعادة تدوير لأساليب قديمة بأسماء جديدة
 
احترام حرية التعبير ليس ترفاً سياسياً بل ضرورة لبناء الاستقرار الحقيقي

النصوص الدستورية الحالية تمنح فرصة نادرة لبناء دولة حديثة دولة يحكمها القانون لا المزاج الأمني ويكون فيها القضاء حامياً للحرية لا غطاءً لانتهاكها لكن النصوص وحدها لا تكفي ,فالإعلان ا لدستوري يفقد قيمته إذا بقي حبراً على ورق، بينما تستمر الاعتقالات خارج القضاء، أو تتحول القوانين الفضفاضة كقوانين الجرائم الإلكترونية  إلى أدوات لإخافة الناس وإسكاتهم .

حين يخاف السوري من التعبير عن رأيه ، تتآكل الحياة العامة، ويتحول المجتمع إلى مساحة صمت واسعة، وتفقد الدولة أهم أدوات التصحيح الذاتي , أما حين يشعر الناس أن بإمكانهم النقد والمحاسبة والكشف عن الأخطاء دون خوف، فإن الدولة تصبح أكثر قدرة على الإصلاح وأكثر مناعة في مواجهة الفساد والانحراف لهذا فإن احترام حرية التعبير ليس ترفاً سياسي اً بل ضرورة لبناء الاستقرار الحقيقي , فالاستقرار الذي يقوم على الخوف هشّ ومؤقت أما الاستقرار الذي يقوم على الثقة وسيادة القانون فهو وحده القابل للاستمرار
 
دولة قانون لا دولة خوف

إن حماية المجتمع من الجريمة هدف مشروع وضروري، لكن هذه الحماية لا يمكن أن تكون على حساب الحرية، ولا على حساب المبدأ القانوني الأصيل الذي يفترض أن الإنسان بريء وحرّ حتى تثبت إدانته بحكم قضائي عادل, فالتوقيف في الدول التي تحترم القانون هو استثناء محدود ومقيدّ بضمانات صارمة، عامة وليس وسيلة ضغط ولا أداة ترهيب .
 من هنا تبدأ الثقة الحقيقية بالدولة، وبالقضاء، وبمستقبل سوريا التي يريد أبناؤها أن تكون دولة قانون لا دولة خو ف .لا اعتقال بلا قضاء ولا توقيف بلا مذكرة قانونية ولا تجريم لمجرد الرأي ,لا يجوز أن تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لإسكات المختلفين معها هذه ليست مطالب سياسية لمجموعه ضد أخرى، بل جوهرما ناضل من اجله السوريون , حريه الرأي والمعتقد وإحترام الأخر المختلف وسياده القانون .

الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 وضع الأساس القانوني الصحيح والتحدي اليوم في امتلاك الشجاعة لتطبيقه , فالسوريون الذين دفعو ا ثمنا" باهظا من أجل الحرية، لا يستحقون أن يعود الخوف إليه م عبر باب القانون نفسه .

 



المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=131&id=206155

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc