أكاديمي يجيب ..
هل ينجح التمويل الذاتي في حماية القدرة الشرائية أم يمهّد لدوامة تضخم جديدة؟






سيرياستيبس 

محمد راكان مصطفى :

مثل التصريح الأخير لوزير المالية حول زيادة كتلة الرواتب والأجور بنسبة تفوق 300%، وتمويلها بالكامل من الموارد الذاتية من دون عجز أو استدانة، لحظةً مفصلية في إدارة المالية العامة السورية، إذ يتجاوز الإجراء كونه مجرد قرار إداري عابر، ليؤشر على إعادة هيكلة عميقة للعقد المالي بين الدولة والمواطن، في محاولة لفك ارتباط الاقتصاد بإرث التضخم والانهيار النقدي الحاد. ومن منظور تخصّصي أكاديمي، فإن الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة يرى أن تفكيك هذا المشهد يستوجب تجاوز البعد الإخباري والتعمّق في تحليل هيكلة الإيرادات، واستدامة الإنفاق، والمخاطر التضخمية الكامنة، وخاصة في بيئة لا تزال تعاني انكماشاً اقتصادياً حاداً وتشوهات هيكلية في الإنتاج، بعيداً عن التطبيل السياسي أو التشاؤم المفرط.

أرباح إعادة التسعير في اقتصاد منكمش

وأشار محمد إلى أنه عندما يتحدث وزير المالية عن موارد ذاتية، فهو لا يشير بالضرورة إلى نمو اقتصادي عضوي ومستدام، بل إلى إعادة تعريف وتعبئة الموارد السيادية خارج الصندوق التقليدي، حيث إن نمو الإيرادات بهذا الحجم في اقتصاد منكمش لا يمكن تفسيره بالضرائب المباشرة على الدخل نظراً لانهيار الدخل الحقيقي.

والتفسير الأقرب للواقع برأي محمد يستند بالدرجة الأولى إلى أرباح المؤسسات والهيئات العامة ذات الطابع الريعي، ولا سيما تلك المرتبطة بقطاع الطاقة والجمارك والموانئ، التي تحسّنت إيراداتها مع استقرار خطوط الإمداد وارتفاع حجم التبادل التجاري، حتى لو كان تجارة غير منظّمة في جزء منه، إضافة لتحسن التحصيل بعد ضبط المعابر.

مضيفاً: وينضم إلى ذلك المكّون الأهم المتمثل في إعادة تسعير الخدمات والرسوم الحكومية، إذ تقوم الوزارة بتسعير الخدمات كالجوازات، والمعاملات العقارية، ورسوم السيارات، والموانئ والمطارات، بسعر صرف يقترب تدريجياً من سعر السوق الموازي أو سعر مصرف سوريا المركزي في نشرته للحوالات والجمرك، ما يحقق قفزة هائلة في الإيرادات بالليرة السورية من دون حدوث زيادة في حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي، وهي ما يمكن تسميتها بأرباح إعادة التسعير.

ولفت أستاذ المصارف إلى أنه يتكامل هذا المشهد مع الضرائب غير المباشرة والجمركية التي تضاعفت تلقائياً نتيجة تحسّن حركة الاستيراد والتصدير واعتماد سعر صرف موحد وشبه واقعي للتثمين الجمركي، إلى جانب ضريبة الإنفاق الاستهلاكي التي تُحصل كنسبة من الفاتورة وترتفع قيمتها الاسمية مع ارتفاع الأسعار، ليكون نمو الإيرادات نتيجة تضافر عاملي إعادة التقييم النقدي وكفاءة التحصيل، وليس النمو الحقيقي في بنية الاقتصاد.

شروط استدامة الفاتورة والخيارات المُرّة

يؤكد محمد أن ضمان استدامة فاتورة أضخم بأربع مرات يعتمد بالكامل على ثبات العوامل التي موّلتها، حيث تصبح الاستدامة المالية للفاتورة البالغة 46 مليار ليرة شهرياً رهينة بثلاثة شروط جوهرية، أولها ثبات سعر الصرف الحقيقي عند مستوياته الحالية على الأقل، لأنه في حال حدوث انخفاض حاد جديد في قيمة العملة، فإن الإيرادات الاسمية من الرسوم والجمارك سترتفع بفارق زمني، بينما تتآكل القيمة الحقيقية للراتب فوراً، ما يخلق ضغطاً لزيادة جديدة قبل أن تتمكن الخزينة من الاستفادة من التضخم الإيرادي، وثانيها استمرار تدفق الإيرادات الريعية والجمركية من دون تعطل في حركة التجارة.

واستعرض محمد سيناريو غياب تحسّن الإيرادات أو حدوث صدمة غير متوقعة، موضحاً أنه لن يكون أمام وزارة المالية سوى خيارات مرّة، تبدأ باللجوء إلى التمويل بالعجز المقنع عبر الضغط على حسابات المؤسسات العامة المجمدة أو الاقتراض من المصارف العامة وهو تمويل بالعجز الفني يظهر في ميزانية المركزي، أو خفض الإنفاق الاستثماري إلى الصفر فعلياً وهو الوضع السائد تاريخياً ولكن بصورة أعمق، أو الذهاب نحو الخيار الأخطر اجتماعياً وهو إعادة التدرج بالرواتب عبر تجميدها اسمياً لشهور أو سنوات لتتآكل فعلياً بالتضخم المستقبلي، مما يوضح أن الخطة الحالية تعكس ميلاً للاحتواء وخفض قيمة الالتزام الحقيقي للدولة بمرور الوقت، وليست خطة إنقاذ هيكلية.

ميكانيكية التضخم ومعادلة حرق السيولة الزائدة

ويرى محمد أنه وحتى لو لم يمول مصرف سورية المركزي هذه الزيادة بطباعة نقد مباشر، فإن ضخ 46 مليار ليرة شهرياً في شرايين الاقتصاد له أثر تضخمي محتوم مدفوع بآلية الطلب، فالإيرادات التي تسحبها الحكومة من الجمهور عبر الرسوم والضرائب تعيد ضخها عبر الرواتب، لكن الفارق يكمن في أن مُستلمي الرواتب لديهم ميل حدّي للاستهلاك أعلى بكثير على السلع الأساسية، مما يزيد الطلب على الغذاء والطاقة مباشرة، وهو ما سيترجم حتماً إلى زيادة في أسعار السلع غير القابلة للتداول كالخدمات والإيجارات والمواد الغذائية المحلية.

في المقابل، يواجه التنسيق مع السياسة النقدية صعوبات بالغة نظراً لكلاسيكية أدوات المركزي ومحدودية فعاليتها في اقتصاد معولم جزئياً ومُدولر، ليكون الاحتواء الحقيقي الوحيد مشروطاً بمقابلة هذه السيولة بزيادة المعروض من السلع عبر تحرير الاستيراد وعدم تقييده، ليتم حرق الطلب الزائد على السلع المستوردة بدلاً من المحلية، ما ينقل التضخم إلى سوق الصرف ويضغط على الليرة إن لم يتوفر العرض النقدي الأجنبي الكافي، وهي معادلة في غاية الهشاشة.

تضخم الإنفاق الجاري وتصفير الحصة الاستثمارية

أوضح محمد أنه وببلوغ فاتورة الأجور والمعاشات قرابة 60 مليار ليرة شهرياً، أي 720 مليار ليرة سنوياً، يبرز تضخم الإنفاق الجاري لابتلاع الموازنة العامة، وبناءً على الأرقام السابقة وتوقعات نمو الإيرادات، فإن هذه الفاتورة وحدها ستتجاوز 85% إلى 90% من إجمالي الإنفاق العام، ما يعني حدوث مزاحمة تامة تحول الموازنة فعلياً إلى أداة لدفع الرواتب والمعاشات والدعم التمويني فقط.

هذه الوضعية برأي أستاذ التمويل ستؤدي عملياً إلى تصفير الإنفاق الحكومي الاستثماري على المشاريع التنموية والخدمية، عدا عمليات التشغيل والصيانة الضرورية، وترحيل أي استثمار إلى خارج الموازنة عبر المنح والقروض الخارجية الميسرة أو الشراكات مع القطاع الخاص، في وقت سيبقى فيه بند الدعم السلعي للخبز والمشتقات النفطية في مواجهة مباشرة مع الرواتب، بحيث يعود أي تحرير إضافي للأسعار لخفض كلفة الدعم بتأثير عكسي يتآكل معه الراتب الجديد في دوامة لا تنتهي.

سيناريوهات الاستدانة الإجبارية

يضع هدف الوصول إلى منظومة رواتب كاملة مطلع العام القادم المالية العامة في حالة انكشاف قصوى، فعندما تستهلك المنظومة كل الإيرادات تنعدم المرونة المالية تماماً في مواجهة الصدمات كتقلب أسعار النفط أو انهيار العملة، وتصبح الآلية العملية الوحيدة المتاحة هي سياسة التقاسم مع المواطن عبر عدم رفع الرواتب تماشياً مع التضخم الجديد، ما يحول الرواتب الكاملة إلى رواتب جزئية بالقوة الشرائية خلال شهرين فقط.

ولفت إلى أنه تبرز هنا استحالة استبعاد الاستدانة، إذ إن خيار عدم الاستدانة الخارجية ليس توجهاً استراتيجياً بقدر ما هو قيد موضوعي تفرضه العقوبات وعدم اليقين السياسي، ما سيضطر الحكومة عند حدوث أي صدمة إلى اللجوء للاستدانة الداخلية الإجبارية من البنوك العامة بما يعنيه ذلك من تمويل تضخمي، أو بيع وتأجير موجودات وأصول الدولة وعقاراتها، وهو ما يدخل مباشرة في إطار تمويل العجز عبر بيع الأصول.

وخلص محمد إلى أنه في المحصلة، لا تبدو سياسة وزارة المالية المعلنة انزياحاً نحو التوسع المالي بقدر ما هي استجابة لتحدٍ وجودي يتعلق بإعادة بناء عقد الدولة مع الموظف العام بعد انهياره، لكن هذه السياسة تحمل في طياتها بذور أزمتها، إذ نشهد تطبيقاً معجلاً لمعادلة تثبيت سعر الصرف وزيادة الرواتب الاسمية بتمويل من الرسوم المُسعّرة بسعر السوق، وهي معادلة تخلق وهم الاستقرار الاجتماعي على حساب صلابة مالية وهمية.

وختم محمد بالقول: إن الخطر الحقيقي يكمن في أن هذه البنية المالية تبدو أشبه بمنزل مبني على رمال الإيرادات الريعية والجمركية المتقلبة، وبدون توسيع القاعدة الإنتاجية الخاضعة للضريبة وإعادة هيكلة المؤسسات الخاسرة، ستبقى المنظومة تحت رحمة الصدمات الخارجية، ما يؤكد أننا أمام سياسة لكسب الوقت، وأن الاستدامة لن تتحقق بالموازنة الحالية بل بنجاح الاستثمار الخاص المحلي والخارجي في توليد ناتج محلي حقيقي لم يظهر بعد في الأفق، لتظل العملية برمتها مجرد جراحة مالية دقيقة في غرفة طوارئ، لا يقاس نجاحها ببقاء المريض حياً في الليل، بل بقدرته على النهوض والمشي غداً.

الوطن



المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=126&id=206163

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc