نزيف مالي حقيقي يطال قدرة البرامج الإنسانية
قوشجي : المساعدات الإنسانية، مهما بلغت لن تكون قادرة على تعويض آثار عدم الاستقرار النقدي
دمشق - سيرياستيبس :
تطرح إشكالية صعود سعر صرف الليرة وهبوطه اخلال أسابيع قليلة ، التساؤلات حول أسباب
اضطراب سعرها ، في وقت يتجه المصرف المركزي لتعزيز
الاعتماد عليها في مختلف الأسواق السورية.
الاقتصاديون والمصرفيون السوريون لم يتوقفوا عن إطلاق تحذيراتهم من مخاطر التذبذب الكبير في سعر الصرف , وأكثر من ذلك يصرون ومن منطلق "علمي وعملي " أن تحسن الليرة كلما حدث لايمكن التعويل عليه لأنه لايأتي مدعوماً بتطور وزيادة الانتاج واتساع الصادرات بما يقلص الفجوة الكبيرة مع المستوردات , كما أنه لم يترافق حتى الآن مع تحسن المؤشرات الاقتصادية التي من المفترض أن تنعكس إيجابا على الليرة .
..
لطالما كان " الخبير الاقتصادي والمصرفي ابراهيم نافع قوشجي " من أصحاب الرأي الثابت والمقنع في كل حديث عن الليرة , وظل مصراً على التحدث بواقعية عن سعر الصرف الذي لن يتحسن إلا بتوفر مجموعة من العوامل المرتبطة بتحسن الانتاج والصادرات واتمام رفع العقوبات , وبغياب ذلك فإن أي تحسن إنما يعكس واقعاً لايخلو من تلاعب المحتكرين والتعويل عليه لن ينفع .
قبل أيام صدر تقرير عن مكتب الشؤون الإنسانية يتحدث فيه عن خسائر في المساعدات بسبب تذبذب الليرة السورية , مطالبا مصرف سوريا المركزي باعتماد إطار مالي واضح وآلية مستقرة وقابلة للتنبؤ .
وفي تعليقه على ما صدر عن المكتب الأممي قال قوشجي : يشكّل استقرار سعر الصرف في أي اقتصاد حديث الركيزة الأساسية لضمان فعالية السياسات المالية والنقدية، ولحماية القوة الشرائية للأفراد والمؤسسات على حدّ سواء. وفي الحالة السورية ، لم يعد اضطراب سعر الصرف مجرد مؤشر اقتصادي سلبي ، بل تحوّل إلى عامل مباشر يهدّد القيمة الفعلية للمساعدات الإنسانية التي يعتمد عليها ملايين السوريين في ظل الظروف المعيشية القاسية.
وأضاف , لقد جاء التحذير الصادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية ليكشف جانباً بالغ الحساسية من هذا الملف، إذ أشار بوضوح إلى أن السياسات غير الموحدة والممارسات غير المتسقة التي يتبعها مصرف سوريا المركزي تتسبب بخسائر مالية ملحوظة في برامج المساعدات. ووفق التقديرات، فإن كل برنامج تبلغ قيمته مليون دولار يتعرض لخسارة تتراوح بين 30 و50 ألف دولار نتيجة الفجوة السعرية وآليات الصرف غير المستقرة.
هذه الأرقام يتابع الخبير الاقتصادي المصرفي حديثه , ليست مجرد بيانات تقنية، بل هي نزيف مالي حقيقي يطال قدرة البرامج الإنسانية على الوصول إلى مستحقيها. فحين تخسر المساعدات جزءاً من قيمتها قبل تحويلها إلى سلع وخدمات، فإن الأسر الأكثر هشاشة هي التي تدفع الثمن مباشرة عبر انخفاض كمية المواد الغذائية، أو تقلص حجم الدعم النقدي، أو تراجع القدرة على تمويل الخدمات الأساسية.
وتعزز نتائج الدراسة الاستقصائية التي أجراها فريق العمل المعني بالنقد هذا الواقع، إذ تشير إلى أن الفجوة في أسعار الصرف تؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للمساعدات بنسبة تصل إلى 25%. وهذا يعني أن ربع قيمة الدعم الإنساني يتبخر قبل أن يصل إلى المستفيدين، وهو ما يعكس خللاً هيكلياً في البيئة النقدية، لا يمكن تجاهله أو التعامل معه كمسألة عابرة.
الدكتور قوشجي أكد لموقع سيرياستيبس , إن تعدد أسعار الصرف، وغياب إطار مالي واضح، وتذبذب قرارات المصرف المركزي، كلها عوامل تجعل المنظمات الإنسانية تعمل في بيئة غير قابلة للتنبؤ. فالجهة المانحة التي تخطط لبرنامج بقيمة مليون دولار لا تعرف فعلياً كم ستصل قيمته عند التنفيذ، ولا تستطيع بناء ميزانيات دقيقة أو التزامات طويلة الأمد في ظل هذا الاضطراب. , كما أن استمرار هذا الوضع ينعكس سلباً على ثقة المجتمع الدولي في البيئة التشغيلية داخل سوريا، ويزيد من كلفة البرامج، ويحدّ من قدرة المنظمات على التوسع أو الاستثمار في مشاريع تنموية مستدامة.
مشيراً إلى أنّ الدعوة التي وجهها التقرير إلى مصرف سوريا المركزي لاعتماد إطار مالي واضح وآلية مستقرة وقابلة للتنبؤ ليست مطلباً تقنياً فحسب، بل هي ضرورة إنسانية واقتصادية في آن واحد. فاستقرار سعر الصرف هو الشرط الأول لضمان وصول المساعدات بكامل قيمتها، ولتعزيز كفاءة إيصالها إلى المستفيدين، ولحماية الجهود الإنسانية من التآكل بفعل الفجوة السعرية.
الدكتور قوشجي تابع حديثه قائلاً : إنني أؤكد أن المساعدات الإنسانية، مهما بلغ حجمها، لن تكون قادرة على تعويض آثار عدم الاستقرار النقدي. فالقيمة الحقيقية لأي دعم خارجي تتوقف على البيئة الاقتصادية التي تستقبله، وعلى قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة هذا الدعم بكفاءة وشفافية.
مشددا على أن إصلاح السياسة النقدية، وتوحيد أسعار الصرف، وضبط هوامش الحركة السعري، وتوفير منصة شفافة لعمليات الصرف الخاصة بالمساعدات، هي خطوات لا بد منها لضمان أن تصل المساعدات إلى السوريين بقيمة كاملة لا منقوصة.
وختم الدكتور ابراهيم نافع قوشجي حديثه مؤكداً ، إن حماية المساعدات الإنسانية من التآكل ليست مسؤولية المنظمات الدولية وحدها، بل هي جزء من مسؤولية الدولة في توفير بيئة نقدية مستقرة، تُعيد الثقة، وتضمن أن كل دولار يدخل البلاد يصل إلى مستحقيه دون أن تلتهمه الفجوات السعرية أو السياسات غير المنسجمة.
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=131&id=206469