ما الملابس الأنسب لمقاومة موجات الحرّ؟
21/07/2026
هل الطقس جاف أم رطب؟ قد يكون هذا السؤال أهم عامل عند اختيار ما سترتديه في الأجواء الحارة.
ومع تزايد موجات الحر الشديدة حول العالم بفعل تغير المناخ، باتت الملابس التي نرتديها تلعب دوراً مهماً في مساعدتنا على الحفاظ على برودة أجسامنا. وتشير دراسات إلى أن اختيار الملابس المناسبة قد يسمح برفع درجة ضبط أجهزة التكييف بنحو درجتين مئويتين من دون التأثير في مستوى الراحة، ما قد يسهم في خفض استهلاك الطاقة والتكاليف وانبعاثات غازات الدفيئة على المدى الطويل.
فما أفضل الملابس لمواجهة الحر؟
اللون والتصميم
عندما يتعلق الأمر بالألوان، يفضّل كثيرون ارتداء الملابس البيضاء صيفاً لأنها تعكس أشعة الشمس، في حين يمتص اللون الأسود قدراً أكبر من الضوء.
لكن الصورة أكثر تعقيداً من ذلك، لأن الحرارة لا تأتي من الشمس وحدها، بل يصدر الجسم أيضاً حرارة باستمرار. وعندما تصطدم هذه الحرارة بالملابس البيضاء، ينعكس جزء منها نحو الجسم مرة أخرى.
وفي عام 1980، تناولت دراسة سبب اتخاذ البدو الأردية السوداء في الصحراء. والبدو جماعات عاشت تقليدياً حياة الترحال أو شبه الترحال في مناطق صحراوية في شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كيف يحدث ذلك؟
تتميز الأقمشة السوداء بقدرتها الأكبر على إشعاع الحرارة، كما أنها تمتص الحرارة المنبعثة من الجسم، وهو ما قد يسهم أيضاً في تبريده.
ويكمن سر الملابس البدوية في كونها سوداء وفضفاضة في الوقت نفسه، لا سيما عند وجود رياح. فالملابس السوداء الواسعة تسخّن الهواء بين القماش والجلد، ما يخلق تياراً هوائياً صاعداً يشبه تأثير المدخنة، يحمل الحرارة إلى أعلى ويساعد الجسم على التبريد.
وجاء في الدراسة: "إن مقدار الحرارة التي يكتسبها البدوي المعرّض لحرارة الصحراء يبقى متشابهاً سواء اتخذ رداءً أسود أو أبيض".
وأضافت أن الحرارة الإضافية التي امتصها الرداء الأسود تبددت قبل أن تصل إلى الجلد.
ويعني ذلك أن اتساع الملابس قد يكون أكثر أهمية من لونها. ومع ذلك، إذا كانت الملابس ضيقة، تبقى الألوان الفاتحة الخيار الأفضل.
كما تساعد الأقمشة ذات الملمس البارز، مثل قماش السيرسكر أو البيكيه المستخدم كثيراً في قمصان البولو الرياضية، على إبقاء القماش بعيداً نسبياً عن الجلد، بدلاً من التصاقه به.
نوع القماش يصنع الفرق
تقول منسقة الأزياء وكاتبة الموضة هذر نيوبيرغر إن اختيار نوع القماش لا يقل أهمية عن اختيار تصميم الملابس.
وتضيف: "إذا كنت ترتدي جامبسوت واسعاً من الجينز، فستشعر بحرارة أكبر بكثير من شخص يرتدي ملابس أكثر ضيقاً لكنها مصنوعة من أقمشة خفيفة مثل الشاش أو الشيفون".
وعندما يتعلق الأمر بقصة الملابس، فإن الأقمشة المنسوجة الخفيفة، مثل القطن والحرير، تنسدل غالباً على الجسم بصورة أكثر اتساعاً من الأقمشة المحاكة.
وتزداد أهمية ذلك في الأجواء الرطبة. ففي الطقس الجاف، قد تكفي خاصية نقل الرطوبة بعيداً عن الجلد، لأن العرق يتبخر بسهولة نسبية. أما عندما يكون الجو حاراً ورطباً، فإن الهواء يكون مشبعاً أصلاً ببخار الماء، ما يجعل تبخر العرق أكثر صعوبة.
ويقول ريت ألين، أستاذ الفيزياء في جامعة ساوث إيسترن لويزيانا الأمريكية:
"من الأفضل اختيار قماش يسمح بمرور بخار الماء حتى لا يعيق تبخر العرق. بعض الأقمشة الرياضية الحديثة تقوم بذلك بكفاءة، أما القطن فلا يحقق النتيجة نفسها".
أي الأقمشة أفضل؟
تحتجز جميع المنسوجات، بدرجات متفاوتة، الأشعة تحت الحمراء التي يشعها الجسم. هذا مفيد في الأجواء الباردة، لكنه أقل فائدة في الأيام الحارة، ولذلك تكتسب الأقمشة القابلة للتنفس أهمية خاصة.
ويُصنّف القطن غير المطلي والكتان والنايلون والبوليستر ضمن الأقمشة القابلة للتنفس بدرجات مختلفة، لأنها تسمح بخروج الحرارة والرطوبة عبر النسيج.
لكن هذه الأقمشة تختلف عن الأقمشة الطاردة للرطوبة، التي تسحب الماء بعيداً عن الجسم بصورة نشطة.
فالقطن يمتص الرطوبة جيداً، لكنه يجف ببطء. وإذا كان الشخص يتعرق كثيراً، فقد تبقى ملابسه مبللة فترة طويلة، ما يقلل من الشعور بالراحة.
أما الكتان فيتميز بتهوية ممتازة بفضل أليافه الكبيرة، لكنه يجف ببطء هو الآخر.
ويحظى صوف ميرينو بشعبية بين محبي الأنشطة الخارجية لأنه يسمح بمرور الهواء وينقل الرطوبة بعيداً عن الجسم من دون الاحتفاظ بالروائح بسهولة.
في المقابل، يُستخدم النايلون والبوليستر على نطاق واسع في الملابس الرياضية لأنهما ينقلان الرطوبة بعيداً عن الجلد ويجفان بسرعة، رغم أنهما يميلان إلى الاحتفاظ بالروائح.
وأظهرت بعض الدراسات أن النايلون يتمتع بقدرة أكبر على امتصاص الرطوبة ونقلها بعيداً عن الجسم مقارنة بالبوليستر، لكنه يحتاج وقتاً أطول ليجف.
كما أشارت أبحاث إلى أن الملابس المصنوعة من ألياف الخيزران قد توفر مستوى جيداً من الراحة الحرارية، نظراً لضعف قدرتها على توصيل الحرارة.
هل ارتداء ملابس أقل هو الحل الأفضل؟
يقول جورج هافينيث، أستاذ فسيولوجيا البيئة وبيئة العمل بجامعة لوفبرا البريطانية، إن الوسيلة الأكثر فاعلية للحفاظ على برودة الجسم هي تقليل كمية الملابس قدر الإمكان، متى كان ذلك مناسباً.
فالملابس تحمي الجلد من حروق الشمس، لكنها تشكل أيضاً حاجزاً يحد من تبادل الحرارة بين الجلد والهواء.
وكلما قلت مساحة الجسم المغطاة بالملابس، ازدادت فرصة حدوث التبريد الناتج عن تبخر العرق.
ومع ذلك، تبقى حماية الجلد من الأشعة فوق البنفسجية أولوية أساسية عند التعرض للشمس.
علم جديد
تستثمر شركات الملابس الرياضية، مثل نايكي وأديداس، ملايين الدولارات في تطوير أقمشة ذكية تساعد على تحسين الراحة الحرارية.
كما يعمل علماء على تطوير مواد تسمح بخروج حرارة الجسم بكفاءة أكبر، من خلال الجمع بين خاصيتين، هما: عكس الضوء المرئي القادم من الشمس، والسماح للأشعة تحت الحمراء الصادرة عن الجسم بالمرور إلى الخارج.
وتوصل باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن جعل ألياف النايلون والبوليستر أكثر دقة، ثم نسجها بطريقة معينة، قد يساعد في الحفاظ على درجة حرارة أكثر راحة لمرتديها.
وفي الولايات المتحدة، طوّر باحثون في جامعة ميريلاند أليافاً صناعية قادرة على تغيير بنيتها استجابة للحرارة، بحيث تصبح أكثر تهوية كلما ارتفعت درجات الحرارة.
كما اختبر فريق آخر ملابس مزودة بشرائط خاصة تنبسط وتنثني تبعاً للحرارة، بما يساعد على خفض حرارة الجسم بأكثر من درجتين مئويتين.
وتدرس فرق بحثية أخرى ما يعرف بـ"المواد متغيرة الطور"، وهي مواد تمتص فائض الحرارة عند ارتفاع درجات الحرارة ثم تطلقه لاحقاً.
الملابس المبللة
يشير ألين إلى أن إحدى أبسط وسائل التبريد وأكثرها فاعلية قد تكون ارتداء ملابس مبللة.
فالماء يحتاج إلى طاقة حرارية كي يتبخر. وعندما يتحول من الحالة السائلة إلى الغازية، يستمد هذه الطاقة من الجسم، ما يؤدي إلى تبريد الجلد وخفض درجة الحرارة.
وهكذا يتضح أن اختيار الملابس المناسبة في الطقس الحار أكثر تعقيداً من مجرد ارتداء قميص أبيض. فالقماش المناسب، والتصميم الملائم، ومستوى الرطوبة في الجو، وحتى استخدام الماء عند الحاجة، كلها عوامل قد تساعد على الحفاظ على برودة الجسم وتقليل الاعتماد على أجهزة التكييف.
بي بي سي
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=200&id=206594