قبل نهاية تموز.. هل تتعثر خطة سحب الليرة السورية القديمة بسبب أزمة الفراطة؟
25/07/2026





سيرياستيبس 

مع اقتراب نهاية تموز، الموعد الذي حدده مصرف سوريا المركزي لإنهاء التعامل بالليرة السورية القديمة واستبدالها بالإصدارات الجديدة، تتزايد التساؤلات في الشارع السوري عن مدى إمكانية تنفيذ القرار عملياً، في ظل استمرار الاعتماد على الفئات النقدية القديمة، ولا سيما الصغيرة منها، في المعاملات اليومية.
ورغم بدء تداول الفئات الجديدة، فإن الأسواق ما تزال تفتقر إلى معظم الفئات الصغيرة والمتوسطة كفئة 10 و50 و100 و25، إذ تعد الفئات الأكثر تداولاً حتى لحظة إعداد هذا التقرير هي فئة 200 وفئة 500، في حين يعتمد أصحاب المحال التجارية وسائقو وسائل النقل العامة والباعة على الفئات القديمة لتأمين "الفراطة" اللازمة لإتمام عمليات البيع والشراء.
هذا الواقع يفتح الباب أمام احتمالات عدة، أبرزها تمديد المهلة المحددة للاستبدال، أو مواجهة الأسواق أزمة سيولة نقدية قد تنعكس مباشرة على حركة التجارة والأسعار والحياة اليومية للسوريين.
فجوة بين القرار والواقع
يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن عملية استبدال العملة الوطنية تعد من أكثر القرارات حساسية في السياسة النقدية، لأنها لا ترتبط فقط بطباعة أوراق نقدية جديدة، وإنما تمثل اختباراً لقدرة المصرف المركزي على إدارة العملية لوجستياً، والحفاظ في الوقت ذاته على ثقة المواطنين بالعملة الوطنية.
ويقول محمد، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن الحالة السورية تكشف عن "مفارقة واضحة"، تتمثل بوجود قرار رسمي يقضي بإنهاء التعامل بالعملة القديمة مع نهاية تموز، في مقابل واقع ميداني ما تزال فيه الفئات القديمة، وخاصة الصغيرة، هي العمود الفقري للمعاملات اليومية.

ويضيف أن استمرار اعتماد الأسواق على الفئات القديمة في عمليات "الفراطة" يطرح تساؤلات جدية عن إمكانية تطبيق القرار ضمن المهلة المحددة، من دون التسبب باضطرابات اقتصادية ومعيشية.

هل يصبح تمديد المهلة أمراً لا مفر منه؟
بحسب محمد، فإن إنهاء التعامل بالعملة القديمة نهاية تموز يبدو "غير قابل للتنفيذ عملياً" إذا لم تُضخ كميات كافية من الفئات الجديدة، ولا سيما الصغيرة منها.
ويشير إلى أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في تمديد المهلة، سواء بشكل معلن أو تدريجي، لثلاثة أسباب رئيسية.
السبب الأول يتمثل في غياب الهيكل الفئوي المتكامل للعملة الجديدة، إذ إن نجاح أي عملة يتطلب وجود فئات متنوعة تغطي مختلف مستويات الإنفاق اليومي، في حين ما تزال الفئات الصغيرة شبه غائبة عن التداول، الأمر الذي يجعل عمليات البيع والشراء اليومية أكثر تعقيداً.
أما السبب الثاني، فيرتبط بما يسميه "الاعتماد الشبكي على الفراطة"، إذ تعتمد قطاعات كاملة في الاقتصاد السوري، مثل النقل العام والبقالات والباعة الجوالين، على توفر الفئات الصغيرة لإتمام معاملاتها اليومية.
ويحذر من أن وقف التعامل بالعملة القديمة قبل توفير بديل كافٍ سيؤدي إلى شلل في هذه القطاعات، وربما يدفع السوق إلى الاستمرار باستخدام الفئات القديمة بشكل غير رسمي، بما قد يفتح الباب أمام نشوء سوق موازية للعملة القديمة.
أما السبب الثالث، فهو الحفاظ على ثقة المواطنين، إذ إن عمليات استبدال العملات في مختلف دول العالم تتم عادة على مراحل تسمح بتداول العملتين لفترة انتقالية، بما يضمن سحب القديمة وضخ الجديدة تدريجياً.
ويعتبر أن الإصرار على إنهاء المهلة رغم عدم اكتمال العملية سيعطي انطباعاً بأن التنفيذ سبق الجاهزية، الأمر الذي قد يؤثر سلباً في الثقة بإدارة السياسة النقدية.
هل يمكن ضخ كميات كبيرة في الأيام الأخيرة؟
ورغم ترقب الأسواق لأي خطوات قد يتخذها المصرف المركزي قبل نهاية المهلة، يستبعد محمد إمكانية حدوث ضخ مفاجئ وكبير للفئات النقدية الجديدة خلال الأيام الأخيرة من تموز.
ويفسر ذلك بأن عملية طباعة العملة ونقلها وتوزيعها تمر بسلسلة معقدة من الإجراءات الفنية والأمنية، تبدأ من الطباعة، ثم الشحن، فالتخزين، وصولاً إلى توزيعها على فروع المصارف قبل أن تصل تدريجياً إلى الأسواق.

ويشير إلى أن هذه العملية لا يمكن إنجازها خلال أيام معدودة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالفئات الصغيرة التي تحتاج إلى الانتشار في ملايين المعاملات اليومية.
كما يلفت إلى أنه حتى وصول كميات كبيرة من العملة الجديدة لا يعني دخولها فوراً إلى جميع الأسواق، لأن انتقال النقد بين المصارف والتجار والمواطنين يستغرق وقتاً بطبيعته.
ويضيف أن التجارب السابقة في عمليات استبدال العملات حول العالم لا تعتمد على ضخ مفاجئ في الأيام الأخيرة، وإنما على مراحل انتقالية مدروسة، مع تمديد الفترات الزمنية عند الحاجة.

أزمة "الفراطة"
أكثر ما يثير قلق المواطنين حالياً ليس توفر الفئات الكبيرة، وإنما غياب الفئات الصغيرة التي تشكل أساس التعاملات اليومية.
ففي كثير من الأسواق، ما يزال البائعون يعيدون الباقي بالعملة القديمة، في حين يصعب العثور على الفئات الجديدة الصغيرة.
ويظهر ذلك بوضوح لدى سائقي السرافيس، الذين يحتاجون يومياً إلى كميات كبيرة من الفكة لإرجاع باقي الأجرة للركاب.
وفي حال وقف التعامل بالفئات القديمة قبل تأمين بديل مناسب، فإن السائقين قد يضطرون للتوقف عن العمل لعدم قدرتهم على إعادة الباقي، أو رفع قيمة الأجرة بما يتناسب مع أصغر فئة نقدية متوفرة لديهم.
ويرى محمد أن مثل هذا السيناريو سيؤدي عملياً إلى ارتفاع غير مباشر في الأسعار، لأن غياب الفئات الصغيرة سيدفع إلى تقريب الأسعار نحو الأعلى.
انعكاسات على التجارة اليومية
ولا يقتصر تأثير نقص الفئات الصغيرة على قطاع النقل، بل يمتد إلى معظم الأنشطة التجارية الصغيرة.
فأصحاب البقالات ومحال الخضر والفروج والمخابز يعتمدون بشكل أساسي على الفئات الصغيرة في عمليات البيع اليومية.

وفي حال عدم توفرها، قد يضطر بعضهم إلى مطالبة الزبائن بشراء كميات أكبر، أو استبدال قيمة الباقي بسلع إضافية، وهو ما يغيّر طبيعة التعاملات التجارية المعتادة.
ويرى محمد أن هذه الظاهرة قد تتحول إلى شكل من أشكال "المقايضة القسرية"، حيث يصبح المستهلك مضطراً إلى شراء ما لا يحتاج إليه بسبب غياب الفكة.
ويضيف أن المتضرر الأكبر سيكون أصحاب الدخل المحدود الذين يعتمدون على شراء احتياجاتهم اليومية بكميات صغيرة، لأنهم سيكونون الأكثر تعرضاً لارتفاع الأسعار الناتج عن تقريب القيم إلى أعلى فئة نقدية متوفرة.
مخاطر سوق موازية
ومن بين السيناريوهات التي يحذر منها الخبير الاقتصادي، احتمال ظهور سوق موازية للفئات القديمة، فإذا استمرت الحاجة إلى الفئات الصغيرة، بعد أن يصبح تداولها ممنوعاً رسمياً، فقد يلجأ بعض الأشخاص إلى استبدال الفئات الجديدة بفئات قديمة مقابل عمولات مالية.ويرى أن مثل هذه السوق ستؤدي إلى إضعاف مصداقية قرار الاستبدال، كما ستخلق نشاطاً غير رسمي يستفيد من حاجة المواطنين اليومية إلى "الفراطة".

اختبار للمصرف المركزي
ويؤكد محمد أن القضية لا تتعلق فقط بتوفير أوراق نقدية جديدة، وإنما بقدرة المصرف المركزي على إدارة عملية الاستبدال بطريقة تحافظ على استقرار السوق.
ويشير إلى أن العملة ليست مجرد وسيلة للدفع، بل تمثل أيضاً عقد ثقة بين المؤسسة النقدية والمواطنين، ولذلك فإن أي خلل في إدارة عملية الاستبدال قد ينعكس على ثقة الجمهور بالسياسة النقدية.
ويعتبر أن نجاح العملية يتطلب اكتمال جميع حلقاتها، بدءاً من توفير مختلف الفئات النقدية، مروراً بتوزيعها على المصارف، وانتهاءً بوصولها إلى الأسواق بشكل يضمن استمرار المعاملات اليومية من دون اضطرابات.
هل يمدد المركزي المهلة؟
حتى الآن، لم تصدر مؤشرات رسمية عن نيّة تمديد المهلة المحددة لاستبدال العملة القديمة، كما لم يُعلن عن خطط لضخ كميات كبيرة من الفئات الصغيرة خلال الأيام المتبقية.
في هذا السياق، أعلن مصرف سورية المركزي، الخميس، أن سبعة أيام فقط تفصل عن انتهاء المهلة المحددة لعملية استبدال العملة، داعياً المواطنين إلى الإسراع باستكمال إجراءات الاستبدال قبل انقضاء الفترة المحددة.
وقال المصرف في منشور عبر قنواته الرسمية إن العد التنازلي بدأ لانتهاء فترة الاستبدال، مؤكداً استمرار استقبال طلبات المواطنين ضمن المواعيد المقررة، ومشدداً على أهمية عدم الانتظار حتى الأيام الأخيرة.

لكن استمرار تداول الفئات القديمة في الأسواق، وغياب البدائل الكافية، يجعلان احتمال التمديد مطروحاً بقوة، وفق تقديرات مختصين.
ويخلص محمد إلى أن الخيار الأكثر مسؤولية يتمثل في تمديد المهلة بصورة معلنة وربط إنهاء التعامل بالعملة القديمة بوصول جميع الفئات الجديدة إلى المصارف والأسواق بشكل فعلي، بدلاً من الالتزام بموعد زمني قد لا تكون متطلبات تنفيذه قد اكتملت بعد.

 تلفزيون سوريا 



المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=126&id=206622

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc