استبدال الليرة.. لماذا عجلت سورية بإغلاق نافذة العملة القديمة؟
01/08/2026
سيرياستيبس
انتهى الخميس 30 يوليو/تموز الموعد المخصص لاستبدال الأوراق النقدية السورية القديمة، لتفقد هذه الأوراق بدءاً من 31 يوليو/تموز الجاري قوتها الإبرائية، ولا تعود صالحة قانوناً للتداول أو تسوية المعاملات، بعد عملية امتدت منذ مطلع العام وشملت تمديدات متتالية منحت حائزي العملة القديمة وقتاً إضافياً لاستبدالها.
ومع انتهاء المهلة، لن يكون التعامل مع الأوراق القديمة متاحاً عبر المصارف وشركات الصرافة، بل سينتقل إلى مرحلة أكثر تشددا تمتد 5 سنوات، وتنفذ حصراً عبر مصرف سورية المركزي في دمشق، وفق شروط تتضمن ألا يقل الطلب عن 100 ورقة نقدية، وإخضاعها للتدقيق قبل تحويل قيمتها إلى حساب مصرفي بالليرة السورية الجديدة.
ولا يبدو تحديد نافذة زمنية محدودة ثم إغلاقها مجرد إجراء تنظيمي لإنجاز عملية تبديل الأوراق، إذ تحمل الخطوة أهدافا أوسع تتعلق بإعادة رسم خريطة السيولة النقدية في البلاد، وقياس حجم الكتلة المتداولة فعليا، وإجبار الأموال المكتنزة على الظهور، وتقليص الفترة التي تتعايش خلالها عملتان في السوق نفسها.
كما تمنح المرحلة الجديدة السلطات قدرة أكبر على توثيق أصحاب المبالغ المتبقية، بعد أن تحولت العملية من استبدال مباشر عبر شبكة واسعة نسبياً إلى إجراء مصرفي مركزي يتطلب حسابا وهوية وتدقيقا، بما قد يساعد على رصد بعض الأموال المجهولة المصدر.
بدأت السلطات السورية سحب العملة القديمة واعتماد الليرة الجديدة في الأول من يناير/كانون الثاني 2026، في عملية هدفت إلى إنهاء تداول الأوراق السابقة، وتخفيف الأعباء الناتجة عن تعدد الفئات وكثرة الأوراق المستخدمة في المعاملات اليومية.
وفي مطلع فبراير/شباط الماضي، أعلن المصرف المركزي استبدال نحو 35% من الكتلة النقدية المستهدفة، مع سحب أكثر من 13 تريليون ليرة قديمة (1.2 مليار دولار) من أصل نحو 42 تريليونا (3.9 مليارات دولار) كانت متداولة في السوق، قبل أن ترتفع النسبة لاحقاً إلى أكثر من 63%، ثم تقترب، بحسب تقديرات معلنة، من 80% خلال يوليو/تموز الجاري.
ويرى الأكاديمي والباحث الاقتصادي محمود مفيد عبد الكريم أن قصر المهلة لا يمثل تشددا إداريا بقدر ما يشكل أداة اقتصادية، لأن استمرار تداول عملتين في الوقت نفسه يعني وجود وحدتي حساب داخل السوق، ويزيد احتمالات التلاعب بالأسعار من خلال التقريب الصعودي (زيادة الأسعار عند التقريب) أو استغلال فروق التحويل.
ويضيف عبد الكريم للجزيرة نت، أن إطالة فترة التعايش بين العملتين ترفع كذلك التكلفة التشغيلية والأمنية لنقل وفرز وتخزين وإتلاف مليارات الأوراق النقدية، فضلا عن زيادة أخطار تزوير الأوراق القديمة كلما اقترب موعد انتهاء صلاحيتها القانونية.
لكن الوظيفة الأهم للمهلة، بحسب عبد الكريم، تتمثل في استخدامها حافزاً لإخراج السيولة المكتنزة من المنازل والأسواق غير الرسمية، إذ قد لا يتجه حامل النقد إلى المصرف طوعاً ما لم يصبح البديل هو فقدان قيمة ما بحوزته كلياً.
وفي المقابل، لا يرى الخبير الاقتصادي عبد المنعم الحلبي دوافع نقدية أو اقتصادية تبرر التضييق الشديد للمهلة، مع بقاء نسبة ملحوظة من الأوراق خارج عملية الاستبدال، خصوصاً إذا كانت تقديرات المصرف المركزي لحجم النقد المطبوع أو المتداول لا تعكس بصورة دقيقة ما هو موجود فعليا داخل البلاد وخارجها.
ويشير الحلبي إلى أن تمديد العملية قد يسمح باستيعاب نسبة أكبر من العملة القديمة، ويقلل الخسائر التي قد تقع على مواطنين لم يتمكنوا من الوصول إلى نقاط الاستبدال، ولا سيما في المناطق البعيدة أو بين السوريين المقيمين خارج البلاد.
خريطة السيولة خارج النظام المصرفي
يتمثل أحد الأهداف الأساسية لعملية الاستبدال في معرفة حجم الكتلة النقدية الفعلية بعد سنوات من الحرب والتضخم والتلف وخروج كميات من الليرة خارج الحدود وتداولها في مناطق لم تكن خاضعة كلياً لسلطة الحكومة المركزية.
ومن هذا المنظور، يشبه استبدال العملة عملية تعداد وطني للنقد، إذ تكشف كل ورقة تعود إلى المصرف عن جزء من الكتلة الموجودة، بينما تمنح نسبة الأوراق التي لا تعود مؤشراً على حجم الأموال المفقودة أو الموجودة خارج النظام الرسمي.
ويقول عبد الكريم إن العملية نجحت بدرجة كبيرة في قياس الكتلة النقدية، لكنها نجحت بدرجة أقل في سحب السيولة من التداول، موضحا أن الاستبدال جرى في معظمه على أساس تسليم أوراق قديمة والحصول على أوراق جديدة، وليس عبر إيداع إلزامي للأموال في الحسابات المصرفية.
ويشير إلى أن المصرف المركزي قد يكون أحصى الأموال، لكنه لم ينجح بالضرورة في الاحتفاظ بها داخل الجهاز المصرفي، لأن الشخص يستطيع تسلّم النقد الجديد وإعادته إلى المنزل، لتظل السيولة خارج البنوك كما كانت سابقآ.
ويضيف عبد الكريم أن الفرق بين قياس الكتلة النقدية والتحكم فيها جوهري، إذ لا يستطيع المصرف المركزي إدارة عرض النقود بفاعلية إلا إذا مر جزء أكبر من السيولة عبر الودائع والمصارف، بما يتيح استخدام أدوات السياسة النقدية مثل الاحتياطي الإلزامي وأسعار الفائدة والائتمان المصرفي.
بدوره، اعتبر الحلبي أن قياس الكتلة النقدية لا يمثل سوى خطوة أولى ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات، لأن ضبط التضخم وسعر الصرف لا يعتمد على معرفة كمية الليرة فقط، بل يتطلب معالجة الدولرة، وفوضى التسعير، وضعف الرقابة على الأسواق، وغياب جهاز مصرفي قادر على نقل السياسة النقدية إلى الاقتصاد.
مرحلة التدقيق المركزي وشروط الاستبدال
وتشترط التعليمات ألا يقل عدد الأوراق المقدمة عن 100 ورقة من أي فئة، وأن تخضع للتدقيق والموافقة، قبل تحويل قيمتها إلى حساب مصرفي بالليرة الجديدة، دون استيفاء رسوم أو ضرائب أو عمولات.
وتنقل هذه الآلية العملية من تبادل نقدي مباشر إلى معاملة مصرفية موثقة، ترتبط باسم صاحب الأموال وحسابه، وتسمح نظريا بمراجعة المبالغ الكبيرة والتحقق من مصدرها إذا ظهرت مؤشرات تستدعي ذلك.
ويرى عبد الكريم أن هذه المرحلة، وليس الاستبدال عبر النوافذ المفتوحة سابقا، قد تشكل الفلتر الحقيقي لرصد الأموال المجهولة المصدر، لأن من يتقدم الآن بمبلغ كبير سيصبح ملزما بإظهار هويته وامتلاك حساب مصرفي وترك سجل واضح للعملية.
لكنه يحذر من أن استبدال العملة، بمفرده، لا يكفي لمكافحة غسل الأموال، إذ يستطيع أصحاب المبالغ الكبيرة تقسيمها إلى مبالغ أصغر وتوزيعها على أشخاص أو معاملات متعددة، وهي ممارسة تعرف في مجال الامتثال المالي باسم “التقسيم” أو “التذرير”.
ويؤكد أن رصد الأموال يجب أن يعتمد على منهج قائم على الأخطار، وليس على افتراض الاشتباه في جميع المواطنين، مع وضع حدود معلنة للمبالغ التي تستوجب تقديم إثبات لمصدر الأموال، وربط الطلبات بالرقم الوطني لمنع تقسيم المبالغ، وتحديد مهلة للبت في الطلبات وإتاحة حق التظلم.
كما يرى أن ضمان عدم تحول كل عملية تدقيق ناجحة إلى مساءلة ضريبية تلقائية عن سنوات سابقة قد يكون ضروريا لتشجيع أصحاب الأموال القانونية على الظهور، خصوصا في اقتصاد توسعت فيه الأنشطة غير الرسمية بسبب الحرب وضعف المؤسسات.
لكن تظل قدرة العملية على كشف الثروات غير القانونية محدودة، لأن الأموال الكبيرة في اقتصاد يعاني من الدولرة لا تخزن غالبا في صورة أوراق نقدية سورية، بل في الدولار والذهب والعقارات والأصول الموجودة خارج البلاد.
أثر محدود على التضخم والأسعار
لا يؤدي استبدال الأوراق أو حذف الأصفار في حد ذاته إلى رفع القوة الشرائية أو خفض التضخم، لأن تغيير الوحدة الحسابية لا يغير القيمة الحقيقية للأجور والأسعار والمدخرات ما دامت جميعها تحولت بالنسبة نفسها.
وهو ما يوضحه عبد الكريم، لافتا إلى أنه إذا جرى تقسيم الأسعار والأجور والنقد على 100، فإن السلعة التي كانت تباع بنحو 5 آلاف ليرة (نحو 0.46 دولار) تصبح قيمتها 50 ليرة جديدة (نحو 0.46 دولار)، دون أن يمثل ذلك انخفاضا حقيقيا في السعر أو تحسنًا في دخل المستهلك.
ويؤكد الحلبي أن كثيرا من التجار والمستوردين يسعرون السلع على أساس سعر للدولار أعلى من السعر المعلن في السوق، مما يجعل فوضى التسعير والدولرة وضعف حماية المستهلك عوامل أكثر تأثيرا في التضخم من حجم النقد السوري وحده.
تحدي إعادة الأموال إلى المصارف
تنتهي عملية استبدال العملة من الناحية الفنية بإخراج الأوراق القديمة من التداول، لكنها تفتح اقتصاديا ملفا أوسع يتعلق بمصير السيولة الجديدة، ومدى قدرة الحكومة على تحويلها من نقد مكتنز إلى ودائع داخل الجهاز المصرفي.
ويرى عبد الكريم أن نجاح العملية لا يقاس بعدد الأوراق التي دخلت خزائن المصرف المركزي، بل بانخفاض نسبة النقد خارج المصارف، وتراجع الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي، واستقرار معدل التضخم خلال العام المقبل.
ويؤكد عبد الكريم أن استكمال العملية يتطلب إصلاحات نقدية ومصرفية أوسع، تشمل نشر بيانات دورية عن السيولة والودائع، ومنع تمويل عجز الموازنة بالإصدار النقدي، وتطوير أدوات السياسة النقدية، إلى جانب إعادة هيكلة المصارف العامة، وضمان الودائع، وتحديث منظومة المدفوعات الرقمية.
ويتفق معه الحلبي على أن تطوير الجهاز المصرفي والشمول المالي والمدفوعات الرقمية أكثر أهمية على المدى الطويل من مجرد استبدال الأوراق، داعيا إلى تشجيع المواطنين على العودة إلى المصارف، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعات التحويلية، بما يعزز الإنتاج المحلي ويحد من الضغوط التضخمية.
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=126&id=206737