هل تستعد دول الخليج للانتعاش الاقتصادي بعد الحرب؟
03/08/2026
سيرياستيبس
كتب الاعلامي غالب درويش
لا يعني توقف الحرب الإيرانية أن اقتصادات الخليج دخلت تلقائياً مرحلة التعافي، لكنه يزيل أكبر عامل ضغط واجه المنطقة خلال الأشهر الماضية.
فمع انحسار الأخطار الجيوسياسية تبدأ كلفة الشحن والتأمين والطيران في التراجع تدريجاً، وتستعيد الأسواق جزءاً من ثقة المستثمرين، فيما تعود الملاحة عبر مضيق هرمز إلى مسارها الطبيعي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل يكفي وقف الحرب لإعادة الاقتصاد الخليجي إلى مسار النمو، أم أن التعافي سيظل مرهوناً بترسيخ التهدئة واستمرار الإصلاحات الاقتصادية؟
بحسب اقتصاديين تحدثوا لـ"اندبندنت عربية"، فإن دول الخليج تمتلك فرصة لاستعادة الزخم عبر تراجع علاوة الأخطار الجيوسياسية، وانتعاش التجارة والسياحة، وتحسن تدفقات الاستثمار.
إلا أنهم يؤكدون أن الشركات والمستثمرين لن يعيدوا تسعير المنطقة بالكامل بمجرد إعلان سياسي، بل بعد التأكد من استقرار الملاحة، وانخفاض كلف النقل والتأمين، واستمرار الهدوء فترة كافية.
القطاعات الأسرع استفادة
يرى الاقتصاديون أن الطيران والسياحة والفنادق والخدمات اللوجيستية والأسواق المالية ستكون الأسرع استفادة من وقف الحرب، لأنها الأكثر ارتباطاً بالثقة والحركة اليومية، فعودة الأجواء إلى طبيعتها تقلص كلف الالتفاف، وتدعم شركات الطيران والمطارات والفنادق والتجزئة، بينما تستفيد الأسواق من تراجع علاوة الأخطار وعودة جزء من شهية المستثمرين.
أما الطاقة فتستفيد من استقرار التدفقات وعودة الصادرات، لكنها لا تكسب بالضرورة من ناحية السعر، فمع انحسار مخاوف نقص الإمدادات تتراجع علاوة الخطر في النفط، وهو ما يضغط على الأسعار نزولاً.
ومن ثم فإن مكسب دول الخليج لا يأتي فقط من سعر الخام، بل من استقرار حركة التصدير وتراجع كلف الشحن والتأمين وتحسن القطاعات غير النفطية.
وفي العقار والاستثمار تبدو الاستفادة أبطأ، فالمستثمر الطويل الأجل لا يقرر بناء على ارتداد سريع في الأسواق، بل على وضوح التمويل واستقرار حركة السفر وتراجع الأخطار الإقليمية، لذلك قد تتحرك البورصات أولاً، ثم أدوات الدين والتمويل، ثم الاستثمار العقاري والمشروعات الطويلة الأجل.
مضيق هرمز في قلب المعادلة
توضح بيانات الطاقة لماذا بقي مضيق هرمز في قلب المعادلة، فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل النفطية، أي قرابة خمس الاستهلاك العالمي.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن أكثر من 112 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال عبرت المضيق في 2025، بما يقارب خمس تجارة الغاز المسال عالمياً.
هذه الأرقام تجعل استقرار هرمز مسألة تتجاوز الخليج إلى الاقتصاد العالمي، خصوصاً آسيا التي تعتمد على جزء كبير من تدفقات النفط والغاز المقبلة من المنطقة.
وتفسر لماذا كانت قطر والكويت والبحرين أكثر حساسية لأي اضطراب في المضيق، بينما تملك السعودية والإمارات قدرة جزئية على الالتفاف عبر خطوط أنابيب وموانئ خارج هرمز.
ومع عودة الملاحة تدريجاً، بدأت الأسواق تعيد تسعير الخطر، إذ خرج نحو 20 مليون برميل عبر المضيق خلال 24 ساعة بعد التهدئة، مما خفف مخاوف الإمدادات ودفع الأسعار إلى التراجع بحسب بيانات نشرتها وكالة "رويترز".
لكن متخصصين في الشحن والتأمين يرون أن الثقة البحرية لا تعود بالسرعة نفسها، خصوصاً بعدما قفزت أقساط التأمين ضد أخطار الحرب خلال الأزمة إلى نحو 10 في المئة من قيمة السفينة في بعض الحالات، وهو رقم يوضح كيف تنتقل الأخطار من البحر إلى كلفة التجارة والسلع.
النفط والموازنات
أظهرت حركة النفط خلال الحرب مفارقة مهمة، فارتفاع الأسعار وقت الأزمة دعم موازنات بعض الدول على المدى القصير، لكنه جاء مع كلفة أكبر على الشحن والتأمين والطيران وسلاسل الإمداد.
وبعد التهدئة، تراجع خام "برنت" من مستويات التصعيد المرتفعة وقت اندلاع الحرب التي تجاوزت 127 دولاراً للبرميل إلى ما دون 75 دولاراً للبرميل، بينما هبط "غرب تكساس" دون 70 دولاراً.
هذا المستوى يخفف كلفة الخطر على الاقتصاد الحقيقي، لكنه يضع بعض الموازنات أمام اختبار سعر التعادل المالي. وبحسب صندوق النقد الدولي، يقدر سعر التعادل المالي في 2026 بنحو 86.6 دولار للبرميل في السعودية، و76.7 دولار في الكويت، و138.6 دولار في البحرين، مقابل 45.2 دولار في الإمارات، و43.2 دولار في قطر، و53.5 دولار في عُمان.
وبذلك، فإن السعر الحالي يبدو أقل من مستوى التعادل في السعودية والكويت، وبعيداً من مستوى البحرين، لكنه أعلى من مستويات التعادل في الإمارات وقطر وعُمان.
وهذا لا يعني أن بعض الاقتصادات في موقف ضعيف فوراً، لكنه يوضح أن تراجع النفط بعد الهدنة لا يوزع المكاسب بالتساوي، فالدول ذات التعادل المنخفض تستفيد من هدوء الأخطار من دون ضغط مالي كبير، بينما تحتاج الدول ذات التعادل الأعلى إلى دعم أقوى من القطاعات غير النفطية.
النمو غير النفطي تحت الاختبار
في استطلاع حديث نقلته "بلومبيرغ" خفض محللون توقعات نمو الاقتصاد غير النفطي في الخليج خلال 2026 إلى متوسط ثلاثة في المئة مقابل أربعة في المئة سابقاً، بفعل اضطرابات الطاقة والشحن وعدم اليقين.
والأهم في هذه القراءة ليس الرقم وحده، بل دلالته على أن قطاعات التنويع، مثل السياحة واللوجيستيات والتجارة والتمويل والعقار، أصبحت أكثر حساسية للأمن الإقليمي وحركة الممرات.
وتشير التوقعات إلى أن السعودية قد تبقى من أبرز المرشحين لقيادة التعافي في 2027، بدعم من الإنفاق الحكومي والمشروعات الكبرى.
بينما تبدو الإمارات قادرة على استعادة الزخم سريعاً مع عودة التجارة والطيران والسياحة،
أما قطر فتستفيد من عودة الاستقرار إلى تجارة الغاز، في حين تبقى الكويت والبحرين أكثر عرضة للضغط، وتظهر عُمان أكثر مرونة نسبياً بفضل موقعها ومساراتها اللوجيستية خارج نقطة الاختناق في هرمز.
من الرابح الأكبر؟
لا يوجد رابح واحد من وقف الحرب، فالسعودية تملك أفضلية الحجم الاقتصادي، وقوة الطلب المحلي، والمشروعات الكبرى، لكنها أكثر حساسية إذا استقر النفط دون سعر التعادل المالي.
أما قطر والكويت والبحرين فتستفيد من تراجع الخطر حول هرمز بحكم اعتمادها الأكبر على المضيق في صادرات الطاقة، بينما تملك عُمان زاوية مختلفة، إذ قد تتحول إلى جزء من الحل اللوجيستي إذا تسارعت الحاجة إلى موانئ ومسارات بديلة.
لذلك يبدو الرابح الأكبر على المدى القصير هو الدول الأكثر تعرضاً لخطر هرمز، أما على المدى المتوسط فستتقدم الدول القادرة على تحويل الهدنة إلى بنية تحتية وتمويل وربط تجاري أوسع.
فرصة تاريخية
من جانبه، قال مؤسس مركز "جواثا الاستشاري" الدكتور إحسان بوحليقة إن فترة الـ60 يوماً التالية لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة الأجندة الاقتصادية الخليجية.
واعتبر بوحليقة أن الحرب كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على مضيق هرمز، وأن المرحلة الحالية يجب أن تتحول إلى لحظة لتسريع خطوط الأنابيب، والموانئ، والربط البري والبحري، والمنصات الرقمية المشتركة للتجارة والتوريد.
انتهاء مصادر الخطر
قال عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد" وضاح الطه إن وقف الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء مصادر الخطر، معتبراً أن الاتفاق لا يزال هشاً لأنه يقوم على عناوين عامة بينما تكمن الإشكالات في التفاصيل والضمانات.
وأضاف أن ما تشهده اقتصادات الخليج أقرب إلى العودة التدريجية للوضع الطبيعي وليس انتعاشاً كاملاً، مشيراً إلى ارتداد إيجابي في الأسواق والسياحة والفنادق وحركة الطيران، خصوصاً في دبي ومطارات الإمارات.
ورأى الطه أن أسعار النفط، على رغم تراجعها من مستويات الأزمة، فلا تزال أعلى من نطاقات ما قبل الحرب بين 62 و65 دولاراً للبرميل، مستبعداً عودتها سريعاً إلى تلك المستويات قبل نهاية العام.
واعتبر أن الاستراتيجية الأهم لدول مجلس التعاون يجب أن تقوم على تقليل الاعتماد على هرمز، وبناء بدائل مرنة عبر موانئ ومسارات على بحر العرب والبحر الأحمر، وربطها بشبكات أنابيب للنفط والغاز.
أما المحلل الاقتصادي محمد كرم، فقال إن التعافي في الأسواق قد تقوده المصارف الكبرى، والشركات الاستهلاكية، وأسهم الطاقة، تزامناً مع عودة المستثمرين الأجانب واستئناف الإدراجات وبيع الحصص التي تباطأت خلال التصعيد.
لكنه حذر من أن انخفاض الأسعار لن يكون فورياً بالكامل، بسبب ظاهرة "الصواريخ والريش"، إذ ترتفع الأسعار بسرعة في الأزمات وتتراجع ببطء بعدها نتيجة عقود التوريد وهوامش الربح وتأخر انعكاس كلف الشحن والطاقة على المستهلك.
قراءة المؤسسات المالية
وفي قراءة المؤسسات المالية الكبرى لا تبدو الهدنة نهاية كاملة للأخطار، بل فرصة لإعادة تسعير الخليج إذا استقرت الملاحة وتراجعت كلف الشحن والتأمين واستعادت الشركات قدرتها على التخطيط، فصندوق النقد الدولي يربط أثر الحرب بقنوات الطاقة والطيران واللوجيستيات والأسواق المالية.
بينما يؤكد البنك الدولي أن قوة التعافي الخليجي ستظل مرتبطة بزخم القطاعات غير النفطية والتنويع الاقتصادي والتجارة الإقليمية.
ومن زاوية القطاع المالي تشير قراءات وكالات التصنيف إلى أن البنوك الخليجية دخلت 2026 بأساسات قوية، لكنها تظل عرضة لأي تطور جيوسياسي سلبي أو هبوط كبير في النفط.
وترى مؤسسات مالية أن انخفاض الخام لا يهدد مسار التنويع كله، لكنه يكشف تباين المراكز المالية بين دول المجلس، خصوصاً بين الدول ذات سعر التعادل المرتفع وتلك التي تمتلك هامشاً مالياً أوسع.
فرصة استراتيجية للنمو
يقول الرئيس التنفيذي لبنك "أتش أس بي سي" في الشرق الأوسط محمد المرزوقي إن مؤتمر المستثمرين لدول مجلس التعاون في لندن شهد أعلى مستوى حضور في خمسة أعوام، بمشاركة أكثر من 300 مؤسسة مالية واستثمارية، وبزيادة تقارب 16 في المئة عن النسخة السابقة.
أضاف أن المستثمرين ينظرون إلى التحولات الاقتصادية الخليجية باعتبارها فرصة استراتيجية للنمو، مشيراً إلى أن تخصيص الاستثمارات في المنطقة تجاوز 19 في المئة.
ووفق المرزوقي، تميل الشركات في مثل هذه الفترات إلى تأمين احتياجاتها التمويلية مبكراً وتعزيز مراكزها المالية، وهو ما يفسر استمرار الطلب على أدوات الدين وإصدارات الأسواق.
وأشار إلى أن إصدار الصكوك الأخير لبنك "أبوظبي الأول" شهد طلباً قوياً ومتنوعاً، مع مشاركة دولية بلغت نحو 50 في المئة من إجمال الاكتتاب.
اختبار ما بعد الهدنة
إلى ذلك، لا يبدو وقف الحرب حدثاً ينتهي أثره بانخفاض أسعار النفط أو صعود الأسواق، فهو اختبار لقدرة الخليج على تحويل هدوء موقت إلى مسار اقتصادي أكثر صلابة.
فإذا بقيت المرحلة عند حدود عودة السفن والطائرات، سيكون التعافي تدريجاً ومحدوداً، أما إذا استُخدمت الهدنة لتسريع خطوط الأنابيب والموانئ والربط البري والبحري والرقمي، فقد تتحول الأزمة إلى نقطة انطلاق جديدة لتكامل خليجي أوسع.
وبذلك، فإن الرابح الأكبر لن يكون دولة واحدة فقط، بل النموذج الخليجي نفسه، إذا نجح في تقليل الاعتماد على نقطة اختناق واحدة، وحماية التجارة والطاقة من الصدمات، وتحويل الاستقرار الأمني إلى ثقة استثمارية طويلة الأجل.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=136&id=206766