سورية وصندوق النقد الدولي: العلاقة الطازجة
12/08/2026
سيرياستيبس
يمثل البيان الصادر عن صندوق النقد الدولي أخيراً عقب زيارة فريقه إلى دمشق تطوراً نوعياً في علاقة سورية بالمؤسسات المالية الدولية. تنبع أهميته من عودة التقييم المؤسسي المباشر للاقتصاد السوري، والانتقال من انقطاع استمر سنوات طويلة إلى برنامج مكثف للتعاون الفني.
لا يمثل البيان تقريراً نهائياً عن الاقتصاد السوري، ولا نتيجة لمشاورات المادة الرابعة، ولا برنامجاً للتمويل أو الإقراض. فهو بيان ختامي لزيارة خبراء يعرض استنتاجاتهم الأولية بشأن اتجاه النشاط الاقتصادي وأولويات الإصلاح، ولن يترتب عليه في مرحلته الحالية نقاش أو قرار من المجلس التنفيذي للصندوق. وهذه التفرقة ضرورية حتى لا تُحمّل توقعاته أكثر مما تحتمل، وحتى لا يُنظر إلى الزيارة باعتبارها شهادة نهائية بتجاوز الأزمة، أو مقدمة حتمية لبرنامج تقشف أو اقتراض خارجي.وتقتضي القراءة المهنية للبيان الفصل بين ثلاثة مستويات مترابطة. يتعلق الأول بتشخيص اتجاه النشاط الاقتصادي وانتقاله من انكماش طويل إلى تعافٍ أولي. ويتصل الثاني بنوعية السياسات والمؤسسات التي يتوقف عليها تثبيت هذا التعافي، بما يشمل المالية العامة والسياسة النقدية والقطاع المصرفي وإدارة الدين والإحصاءات الاقتصادية. أما المستوى الثالث فيرتبط بإعادة دمج سورية في الاقتصادين الإقليمي والعالمي، ليس عبر التجارة وتدفقات الأموال فقط، بل من خلال استعادة قابلية الاقتصاد للقياس والتقييم والمقارنة والتمويل وفق المعايير الدولية.
الخطّة الخمسية العاشرة وحدود الإصلاح قبل الحرب
شهدت علاقة سورية بالصندوق قبل عام 2011 انتظاماً نسبياً في إطار المشاورات الاقتصادية، وخصوصاً مشاورات المادة الرابعة، لكنها لم تتطور إلى اتفاقية تمويل أو برنامج تصحيح اقتصادي. ولم توقع الحكومة السورية، في سياق الخطة الخمسية العاشرة للفترة 2006–2010، اتفاقاً يفرض شروطاً ملزمة للإصلاح أو يربط تنفيذ الخطة بالحصول على قرض من الصندوق.كانت الخطة وثيقة وطنية بامتياز فقد تبنت الانتقال التدريجي من الاقتصاد الاشتراكي الموجه إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، وتوسيع دور القطاع الخاص، وإصلاح القطاع العام، وتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز الاندماج في الاقتصاد العالمي. واستهدفت تحقيق معدل نمو متوسط يقترب من 7%، وتحفيز الاستثمار الخاص والأجنبي، وتحديث النظام المالي وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية. وقد بلغ متوسط نمو القطاعات غير النفطية نحو 7% خلال الفترة 2004–2008، بما عكس وجود ديناميكية اقتصادية فعلية، وإن بقيت محكومة باختلالات مؤسسية ومالية.واقتصر دور الصندوق على تقديم تقييمات وتوصيات فنية بشأن الاستدامة المالية، وإصلاح الدعم، وتراجع الموارد النفطية، وتطوير القطاع المصرفي والسياسة النقدية. ولم تكن له سلطة تنفيذية على السياسات السورية، كما لم تكن الخطة تمهيداً للاقتراض منه، لأن تمويل النمو كان يُتصور من خلال الإيرادات المحلية والاستثمار الخاص والاستثمار الأجنبي والتمويل التنموي التقليدي. غير أن تعثر الإصلاح ارتبط بمقاومة التغيير من داخل البنية السياسية والحزبية والإدارية للنظام السابق، وبالفجوة بين أهداف الخطة والإرادة الفعلية لتنفيذها. فقد فُتح القطاع المصرفي أمام المصارف الخاصة، وبدأ تطوير سوق للأوراق المالية، واتُخذت خطوات لتحرير التجارة وبعض الأسعار، إلا أن الإصلاح لم يصل إلى جوهر العلاقة بين السلطة والاقتصاد. وذلك بفعل عوامل تنافر قوي بين ما أقرته الخطة من برامج إصلاحية واضحة والموانع الإدارية التي كان النظام السابق وضعها والإيهام بأن الوقت والزمان لم يكونا جاهزين لتحقيق تلك القفزة نحو الإصلاح. واستمر التعامل مع مؤسسات القطاع العام بوصفها أدوات للتوظيف وتوزيع المناصب والعقود والامتيازات، بدلاً من إخضاعها لمعايير الكفاءة والاستقلال والمساءلة. ولم تكن المشكلة في الملكية العامة ذاتها، بل في إخضاعها للإدارة السياسية والحزبية، بما ساهم في حماية شبكات المصالح وتوسيع فرص المحسوبية والهدر والفساد. وهكذا اتسع النشاط الخاص جزئياً من دون بناء مؤسسات تنافسية تكفل تكافؤ الفرص وسيادة القانون، فيما استمرت هيمنة المصارف العامة ولم تكتمل استقلالية المصرف المركزي أو أدوات السياسة النقدية الحديثة.
خطّ الأساس الاقتصادي
لا يمكن تحليل توقعات نمو عام 2026 من دون تحديد خط الأساس الذي ينطلق منه الاقتصاد. فقد انخفض الناتج المحلي الحقيقي بنحو 53% بين عامي 2010 و2024، بينما تراجع الناتج الاسمي من 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار عام 2024. وبذلك أصبح حجم الاقتصاد الاسمي في عام 2024 يعادل أقل من ثلث مستواه في 2011، مع مراعاة أثر الأسعار وأسعار الصرف في المقارنات الاسمية.
من استعادة التعاون المؤسسي إلى اختبار استدامة التعافي
وفي الوقت نفسه، بلغت الأضرار المادية المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية والمباني نحو 108 مليارات دولار، بما يعادل قرابة ثلث الرصيد الرأسمالي السابق للحرب. واستحوذت البنية التحتية على 52 مليار دولار من الأضرار، مقابل 33 ملياراً للمباني السكنية و23 ملياراً للمنشآت غير السكنية. وقدرت تكلفة إعادة الإعمار بنطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، مع تقدير مرجح يبلغ 216 ملياراً، موزعاً بين 82 ملياراً للبنية التحتية، و75 ملياراً للسكن، و59 ملياراً للمنشآت غير السكنية. وتعادل هذه التكلفة نحو عشرة أمثال الناتج المحلي لعام 2024.وإذا وُزعت تكلفة الإعمار نظرياً على عشر سنوات، فستبلغ الحاجة السنوية نحو 21.6 مليار دولار، أي ما يعادل تقريباً كامل الناتج المسجل عام 2024. وحتى توزيعها على عشرين عاماً يعني تمويلاً سنوياً يقارب 10.8 مليارات دولار، أي نحو نصف ناتج 2024. وتؤكد هذه النسب استحالة تمويل الإعمار من الموازنة أو الادخار المحلي وحدهما، أو من الاقتراض السيادي فقط. ومع إدراك الحكومة لسلبيات اللجوء إلى الاقتراض الخارجي ومن المؤسسات الدولية وذلك ما تفرضه خدمة الدين من أعباء إضافية ترهق كاهل الاقتصاد السوري؟ بالمقابل فإن الانفتاح على الاقتصاد العالمي يبقى مرهونا بجانب كبير منه في الانفتاح على المؤسسات المالية ومنها الصندوق والبنك الدوليان.
علاقة أوسع من مسألة الاقتراض
تعود عضوية سورية في صندوق النقد الدولي إلى 1947، أي إلى السنوات الأولى لتأسيس النظام النقدي الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. لكن هذه العلاقة لم تقم تاريخياً على الاعتماد المستمر على موارد الصندوق التمويلية. فقد حصلت سورية على ثلاثة ترتيبات استعداد ائتماني محدودة في أعوام 1960 و1962 و1964، بلغ مجموع المبالغ المتفق عليها 32.6 مليون وحدة من حقوق السحب الخاصة، سُحبت منها 31.6 مليون وحدة، من دون وجود رصيد قائم حالياً.وبعد تلك المرحلة لم تتحول سورية إلى مقترض دوري من الصندوق، ولم تدخل في برامج ممتدة للتثبيت والتصحيح الاقتصادي على غرار تجارب دول أخرى في المنطقة. ولذلك ليست الصياغة الأدق أن سورية لم تقترض من الصندوق مطلقاً، بل إنها لم تعتمد على تمويله منذ أكثر من ستة عقود، ولم تبن سياساتها الاقتصادية الحديثة على برامج إقراض مرتبطة به. وهذا التمييز مهم، لأن وظائف الصندوق لا تقتصر على الإقراض، بل تشمل الرقابة الاقتصادية من خلال مشاورات المادة الرابعة، والمساعدة الفنية، وتنمية القدرات، وتحسين الإحصاءات والمعايير المالية والنقدية، إضافة إلى التمويل عند ظهور اختلالات في ميزان المدفوعات. ولا يتضمن بيان آب/ أغسطس 2026 ما يشير إلى أن سورية طلبت قرضاً، أو أن الصندوق عرض ترتيباً تمويلياً. فالتعاون الحالي مؤسسي وفني، ويركز على وزارة المالية ومصرف سورية المركزي والأجهزة الإحصائية.كما لا ينبغي تقديم التعاون مع الصندوق تهمة سياسية أو دليلاً على فقدان استقلالية القرار الاقتصادي. فجميع الدول الأعضاء، بما فيها الاقتصادات المتقدمة والدول التي لا تحتاج إلى موارده، تدخل في حوار اقتصادي ورقابي معه. وتتمثل المسألة الأساسية في قدرة الدولة على امتلاك برنامجها الوطني، وتحديد أولوياتها وتسلسل إصلاحاتها وتوزيع تكاليفها الاجتماعية. فالصندوق يوفر خبرة مقارنة ومعايير فنية، لكنه لا يحل محل الدولة في اختيار نموذجها التنموي أو سياساتها الإنتاجية والاجتماعية.
لا ينبغي تقديم التعاون مع الصندوق تهمة سياسية أو دليلاً على فقدان استقلالية القرار الاقتصادي.
تشكل مشاورات المادة الرابعة الوظيفة الرقابية الأساسية للصندوق. (المادة الرابعة من اتفاقية تأسيس الصندوق تمنحه الحق في مراقبة الاقتصادات الوطنية) وخلالها يجمع الخبراء البيانات، ويناقشون السياسات مع السلطات، ويقيمون النمو والتضخم والمالية العامة والقطاع الخارجي والاستقرار المصرفي، قبل إعداد تقرير يعرض على المجلس التنفيذي. وهي لا ترتبط بطلب قرض، بل تمثل ممارسة دورية تشمل جميع الدول الأعضاء.عُقدت آخر مشاورات مكتملة مع سورية عام 2009، واختتم المجلس التنفيذي مناقشتها في شباط/ فبراير 2010. وفي ذلك الوقت بلغ النمو الحقيقي نحو 4%، والبطالة قرابة 11%، والتضخم حوالي 2.5%، وعجز الموازنة 5.5% من الناتج، وعجز الحساب الجاري 4.5%، بينما بلغت الاحتياطيات الإجمالية قرابة 17 مليار دولار، ونما عرض النقد الواسع بنحو 10%.ولم يكن التوقف مسألة إجرائية فقط، بل تعبير عن فقدان الاقتصاد جانباً كبيراً من قابليته للقياس. فعندما تضعف الحسابات القومية وإحصاءات الأسعار والمالية العامة وميزان المدفوعات، يفقد صانع القرار أدوات التخطيط، كما يفقد المستثمر القدرة على تقدير المخاطر والعائد والملاءة. ولذلك، فإن استئناف مشاورات المادة الرابعة يتطلب أولاً بناء نظام إحصائي موثوق، ويعني لاحقاً عودة الاقتصاد السوري إلى دورة التقييم الدولي المنتظم.
يتوقع الصندوق أن يسجل الاقتصاد نمواً من خانتين في 2026، (10 فما فوق) وأن يبقى النمو قوياً في 2027. لكنه لم يقدم رقماً محدداً، أو إطاراً كاملاً للحسابات القومية، أو تفكيكاً كمياً لمساهمة الاستهلاك والاستثمار والإنفاق الحكومي وصافي الصادرات. لذلك يجب التعامل مع التوقع باعتباره تقديراً أولياً لاتجاه التعافي، لا رقماً نهائياً يتمتع بدرجة الدقة المتاحة في الاقتصادات ذات الأنظمة الإحصائية المستقرة.كما يجب التمييز بين معدل النمو ومستوى الناتج. فإذا كان الناتج الحقيقي قد انخفض إلى نحو 47% من مستواه عام 2010، فإن نموه بنسبة 10% يرفعه حسابياً إلى نحو 51.7% فقط من ذلك المستوى. وحتى إذا تكرر نمو بنسبة 10% لثلاث سنوات متتالية، فسيصل الناتج إلى قرابة 62.6% من مستوى 2010. وهذا لا ينتقص من أهمية التعافي، لكنه يبين أن المعدل المرتفع يمثل استرداداً جزئياً للطاقة الإنتاجية المفقودة، وليس عودة إلى مستوى الاقتصاد السابق للحرب. فالنمو بعد انكماش عميق معرّض لأثر القاعدة المنخفضة، حيث تؤدي إعادة تشغيل منشآت متوقفة أو استعادة الإنتاج الزراعي والطاقة إلى تسجيل نسب مرتفعة رغم بقاء مستوى الناتج منخفضاً. كما توجد مؤشرات تدعم اتجاه التعافي. فقد تراوحت تقديرات نمو عام 2025 بين 2% و4%، وارتفعت حركة الطيران إلى أكثر من الضعف، وزادت حركة الموانئ بأكثر من ستة أمثال، وإن كان ذلك انطلاقاً من مستويات منخفضة. كما تحسنت السيطرة على مناطق إنتاج النفط والغاز، وإمدادات الكهرباء، واتسعت حركة التجارة والخدمات.ويتوقع الصندوق أن يأتي النمو من تحسن الزراعة، وزيادة إنتاج النفط والغاز، وتحسن الكهرباء، واتساع التجارة والخدمات، وعودة نحو 1.5 مليون لاجئ، وارتفاع أعداد الزوار والإنفاق الحكومي. لكن هذه المحركات تختلف في استدامتها. فالطاقة تخفف قيود العرض، وعودة اللاجئين توسع الطلب وعرض العمل معاً، بينما قد يرفع الإنفاق العام النشاط مؤقتاً من دون زيادة الطاقة الإنتاجية إذا تركز في النفقات الجارية.
الزراعة بين الانتعاش والإصلاح الهيكلي
كان عام 2025 شديد السوء زراعياً. فقد قدر إجمالي إنتاج الحبوب بنحو 1.2 مليون طن، أي بأكثر من 60% دون المتوسط، نتيجة انخفاض الأمطار بأكثر من 50% عن متوسطها طويل الأجل. كما قدرت احتياجات استيراد القمح في موسم 2025–2026 بنحو 3 ملايين طن، أي أعلى بحوالي 70% من متوسط السنوات الخمس السابقة.وبلغت فجوة القمح نحو 2.73 مليون طن، وهي كمية تعادل الاحتياجات الغذائية السنوية لنحو 16 مليون شخص. كما تأثر قرابة 75% من المناطق المزروعة بالجفاف، ولم يزرع سوى نحو 40% من الأراضي المخطّط لها، فيما واجه قرابة 9.1 ملايين شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.ولا تقتصر آثار الصدمة الزراعية على إنتاج الحبوب، بل تنتقل إلى دخل الأسر الريفية والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية وأسعار الغذاء وفاتورة الاستيراد والطلب على القطع الأجنبي. وعندما يتوقع الصندوق مساهمة قوية للزراعة في نمو 2026، فإن جانباً مهماً منها سيعكس الارتداد من قاعدة شديدة الانخفاض في 2025. لكن استدامة النمو الزراعي تتطلب إعادة تأهيل شبكات الري، وتحسين إدارة المياه، وتوفير البذار والأسمدة والطاقة، وتطوير التمويل والتأمين الزراعي، وربط الإنتاج بالتخزين والتصنيع والتسويق. ومن ثم، ينبغي التمييز بين تعافٍ زراعي ناتج من تحسن الأمطار وإصلاح هيكلي يرفع الإنتاجية والقيمة المضافة.
التضخّم والدخل الحقيقي والقوة الشرائية
لا يمكن تقييم نوعية النمو بعيداً عن التضخم والدخل الحقيقي. فقد بلغ تضخم أسعار المستهلك نحو 93% في عام 2023، بالتزامن مع تراجع قيمة الليرة بنحو 141% أمام الدولار. كما شمل الفقر قرابة 69% من السكان عام 2022، فيما بلغ الفقر المدقع 27%.، وفي حزيران 2025 بلغت كلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق قرابة مليوني ليرة شهرياً، بينما ارتفع الحد الأدنى للأجر إلى 750 ألف ليرة بعد أن كان قرابة 280 ألفاً. وبذلك لم يغط الحد الأدنى الجديد سوى نحو 37.5% من كلفة السلة. وتوضح هذه المقارنة أن الزيادات الاسمية في الأجور لا تعني استعادة القوة الشرائية. وبحسب الصندوق، تباطأ التضخم خلال 2025 ثم ارتفع بقوة في 2026 بفعل أسعار الوقود والغذاء المستوردين، وتحسن الطلب، وزيادة الأجور، وارتفاع أسعار الخدمات العامة والسكن.ويجمع التضخم السوري بين تضخم التكاليف والتضخم المستورد وضغوط الطلب وتصحيح الأسعار الإدارية. لذلك لا يمكن معالجته بأداة نقدية واحدة. فتقييد السيولة بقوة قد يضعف الائتمان والاستثمار من دون أن يخفض أسعار الواردات، بينما يؤدي إبقاء تعرفة الخدمات أدنى من التكلفة إلى تراكم الأعباء شبه المالية. والمطلوب هو التوازن بين الانضباط النقدي واستعادة العرض واستقرار سوق الصرف والإصلاح التدريجي للتعرفة والحماية الاجتماعية.
المالية العامة وحدود الفائض
أفاد الصندوق بأن موازنة عام 2025 اختتمت بفائض محدود، وارتفعت الإيرادات الضريبية والجمركية في النصف الأول من 2026، إلى جانب إيرادات النفط والغاز وتراخيص الاتصالات ورسوم عبور الوقود. لكن الفائض في اقتصاد يعاني نقصاً حاداً في الخدمات والاستثمار لا يمثل دليلاً كافياً على وجود حيز مالي. فقد يعكس تحسناً في التحصيل، لكنه قد يعكس أيضاً ضغط الإنفاق وتأجيل النفقات الرأسمالية. وقد انخفض الإنفاق الرأسمالي عام 2024 إلى نحو 11% من مستواه في 2010، في وقت بلغت فيه أضرار البنية التحتية 52 مليار دولار.كما يجب التمييز بين الإيرادات المتكررة والإيرادات الاستثنائية. فالضرائب والجمارك يمكن أن تشكلا مورداً مستداماً، بينما ينبغي عدم استخدام إيرادات التراخيص والعبور لتمويل التزامات جارية دائمة. وتحتاج سورية إلى إعادة تركيب الموازنة، وتوسيع الإيرادات العادلة، وإدخال الأنشطة خارج الموازنة والضمانات ضمن إطار موحد، وترشيد النفقات الجارية، وحماية الاستثمار العام والإنفاق الاجتماعي.
القطاع المصرفي وتمويل التعافي
يضع الصندوق القطاع المصرفي في مركز الإصلاح، وهو تشخيص يرتبط باختلالات سابقة للحرب تفاقمت خلالها. فقد دعا في مشاورات عام 2009 إلى إصلاح المصارف العامة، والإفصاح عن مؤشرات سلامتها، ومعالجة القروض المتعثرة، وزيادة استقلالية المصرف المركزي وتطوير سوق الأوراق المالية. أما اليوم، فالمشكلة أعمق. السياسة النقدية تحتاج إلى مصارف تنقل أثر القرارات إلى الائتمان والادخار والاستثمار وسعر الصرف. وعندما تكون جودة الأصول غير معروفة، والقروض المتعثرة مرتفعة، والرسملة والسيولة ضعيفتين، تصبح قدرة المصرف المركزي على إدارة التضخم والسيولة محدودة.لهذا يدعو الصندوق إلى قانون جديد للمصرف المركزي، وقانون جديد للمصارف، وتقييم شامل للسلامة المالية يشمل جودة الأصول وكفاية رأس المال والسيولة وانكشافات العملات الأجنبية والقروض للأطراف المرتبطة. وعلى أساس نتائجه يمكن تحديد المصارف القابلة للاستمرار، وتلك التي تحتاج إلى إعادة رسملة أو هيكلة أو تسوية.ويرتبط الإصلاح المصرفي بإعادة الإعمار مباشرة. فتمويل السكن والبنية التحتية والمشروعات الإنتاجية يحتاج إلى آجال طويلة، بينما تميل الودائع في البيئات غير المستقرة إلى أن تكون قصيرة الأجل أو خارج النظام المصرفي. ولذلك تحتاج البلاد إلى أدوات ضمان وتمويل مختلط، وتمويل عقاري منضبط، وأطر للإعسار، وسوق مالية قادرة على تعبئة الادخار.
يضع الصندوق القطاع المصرفي في مركز الإصلاح، وهو تشخيص يرتبط باختلالات سابقة للحرب تفاقمت خلالها
خلاصة
تقود المؤشرات المتاحة إلى استنتاج مركب. فمن جهة، توجد دلائل فعلية على التعافي، تشمل تحسن حركة النقل والتجارة والطاقة والكهرباء، وعودة اللاجئين، واتساع النشاط الخدمي، وتحسن الإيرادات العامة. ومن جهة أخرى، ينطلق التعافي من اقتصاد فقد نحو 53% من ناتجه الحقيقي، وانخفض ناتجه الاسمي إلى 21.4 مليار دولار، ويحتاج إلى نحو 216 مليار دولار لإعادة الإعمار، بينما لا يزال الفقر واسعاً والقطاع المصرفي ضعيفاً والبيانات محدودة.ولا يكفي تحقيق نمو من خانتين في عام واحد للحكم على حدوث تحول بنيوي. يصبح النمو مستداماً عندما ترتفع الاستثمارات المنتجة، وتتوسع الصادرات، وتتحسن الإنتاجية، ويزداد الائتمان الإنتاجي، وترتفع الأجور الحقيقية، وتنخفض معدلات الفقر والتفاوت بين المناطق.كما يجب أن تخضع الإصلاحات لتسلسل دقيق. فتقييم المصارف وإعادة هيكلتها ينبغي أن يسبقا التوسع الائتماني، وبناء قاعدة شاملة للدين يجب أن يسبق الاقتراض واسع النطاق، والحماية الاجتماعية ينبغي أن تسبق الزيادات الكبيرة في تعرفة الخدمات، كما يجب استكمال الرقابة والامتثال قبل تحرير تدفقات رأس المال.وبهذا المعنى، تشكل عودة العلاقة مع صندوق النقد الدولي جزءاً من إعادة دمج سورية في الاقتصاد العالمي، لكنها ليست ضمانة تلقائية للنجاح. فالاندماج المنتج يتطلب اقتصاداً قادراً على المنافسة والتصدير واجتذاب الاستثمار، ونظاماً مصرفياً قادراً على الوساطة والمدفوعات، ومالية عامة قابلة للاستمرار، ومؤسسات تنتج بيانات موثوقة، ودولة تستطيع تحويل الموارد إلى خدمات ورأس مال عام وبشري.والرسالة الأساسية في بيان الصندوق ليست أن الاقتصاد السوري تجاوز أزمته، بل أن فرصة الانتقال من الاستقرار الأولي إلى التعافي المؤسسي أصبحت متاحة. ويقاس نجاح هذه المرحلة بقدرة السياسات على احتواء التضخم، واستعادة الدخل الحقيقي، وإعادة بناء الوساطة المالية، وتمويل الإعمار من دون إنتاج أزمة دين جديدة، وتحويل النمو إلى استثمار وتشغيل وخدمات عامة. عندها فقط يصبح التعاون مع صندوق النقد الدولي مكوناً فعلياً من مكونات إعادة بناء الاقتصاد السوري واندماجه في الاقتصاد العالمي.
العربي الجديد
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=126&id=206876