الكعب العالي بدأ ذكوريا فصار رمزا للأنوثة
17/08/2026
لم تظهر الأحذية ذات الكعب العالي للمرة الأولى في شوارع باريس، بل في ساحات بلاد فارس في العصور الوسطى، إذ تميزت أحذية ركوب الخيل المعروفة باسم "غاليش" أو "كلاش" بكعوب عالية مدببة تثبت بإحكام في الركاب، مما يسمح للفرسان بالوقوف وإطلاق السهام بدقة قاتلة.
ما الذي يجمع بين حذاء بكعب عالٍ تكون فيه الخطوة الثانية محسوبة خوفاً من السقوط، ومشد يضغط على الأضلاع كأنه قفص حديدي يحول التنفس إلى معركة يومية؟ إنها الموضة التي انتقلت بالعدوى من أجساد الرجال الذين اخترعوها إلى أجساد النساء اللاتي ورثنها. ففي مفارقة صارخة، كان الكعب العالي والكورسيه في القرون الماضية رمزين للسلطة والفروسية لدى النخبة الذكورية، قبل أن يلقيهما الرجال جانباً تحت ذريعة العقلانية ليصبحا فجأة ضرورة أنثوية وشرطاً للظهور بمظهر الأنوثة المثالية.
من الفرسان إلى النبلاء
لم تظهر الأحذية ذات الكعب العالي للمرة الأولى في شوارع باريس، بل في ساحات بلاد فارس في العصور الوسطى، إذ تميزت أحذية ركوب الخيل المعروفة باسم "غاليش" أو "كلاش" بكعوب عالية مدببة تثبت بإحكام في الركاب، مما يسمح للفرسان بالوقوف وإطلاق السهام بدقة قاتلة.
عندما فتح الشاه عباس الأول طرقاً تجارية جديدة وصل الرسل الفرس إلى أوروبا وهم يرتدون أحذية ركوب الخيل ذات الكعب العالي. لاحظ النبلاء الأوروبيون هذا النمط غير المألوف وبدأوا بتقليده، وكان الارتفاع الإضافي دلالة على مهارة ركوب الخيل وارتباطها بالجيش الفارسي القوي.
أما الملك لويس الـ14 القصير القامة فقد جعل الأحذية ذات الكعب العالي رمزاً للمكانة الاجتماعية، إذ كان يرتدي أحذية بكعب عالٍ مغطاة بجلد أحمر فاقع، وأمر بأن يقتصر تقليد هذا المظهر على أقرب المقربين إليه. ففي بلاطه، كلما كان الكعب أطول وأكثر حمرة دل ذلك على مكانة اجتماعية أعلى.
للرجال والنساء
وبحلول عام 1700 أصبح الرجال والنساء على حد سواء يفضلون الأحذية ذات الكعب العالي، وكان طول الرجال يعتمد بصورة أساسية على الكعب، بينما أضافت بعض النساء أحذية ذات نعل سميك كامل، مثل حذاء الشوبين. أما خلال عصر التنوير فقد رأى كثير من المفكرين أن الملابس البراقة تبدو صبيانية وغير رجولية، وقد دفع رواد الموضة مثل بو بروميل الرجال نحو ارتداء ملابس بسيطة وعملية في ما يسميه المؤرخون الآن "التخلي الكبير للرجال". ومع حلول الحرب العالمية الثانية أسهمت ملصقات الفتيات الجميلات في رفع معنويات الجنود من خلال عرض صور لنساء فاتنات غالباً ما يرتدين أحذية ذات كعب عالٍ، وقد رسخت هذه الصور فكرة أن الكعب العالي الرفيع والطويل خاص بالنساء، وليس بالرجال المقاتلين، مما زاد من ترسيخ الفصل بين الجنسين في أذهان العامة.
حزام الكورسيه
أما الكورسيه فله تاريخ طويل ومعقد، وهو اختصار لعبارة "حزام الكورسيه"، وهو قطعة ملابس ضيقة ذات دعامات مصممة لتنحيف الخصر وإبراز جمال قوام المرأة. ويعود تاريخ الكورسيهات الأولى إلى اليونان القديمة، لكنها لم تصبح قطعة أساسية في عالم الموضة إلا في العصر الفيكتوري وتحديداً عام 1838.
وتشير السجلات التاريخية إلى أن المينويين كانوا أول حضارة ترتدي المشدات، إذ سكن المينويون جزيرة كريت وعاشوا في محيط اليونان نحو عام 1000 قبل الميلاد. لذا فأقدم صورة معروفة للمشد تعود إلى تمثال صغير لإلهة الأفعى المينوية، حيث تظهر مرتدية ثوباً يشبه المشد، كما عثر على أثواب مشابهة للمشد في الأعمال الفنية المينوية، مما يدل على أن الرجال والنساء على حد سواء كانوا يرتدونها.
أما أول مشد معروف مصنوع من الكتان والصوف فعثر عليه في مقبرة بجزيرة كريت، ويرجح أن هذا المشد كان يستخدم لأغراض احتفالية لا للاستخدام اليومي. بينما يعود السجل التالي للمشدات إلى اليونان القديمة، حيث كانت تعرف باسم "زون". وكانت هذه المشدات مصنوعة من الكتان أو الصوف، ومصممة لتلتف بإحكام حول الخصر، وكانت تزين غالباً بخيوط ذهبية أو فضية، إضافة إلى الخرز أو غيره من الزخارف.
لكن في العصور الوسطى، لم تكن المشدات ضرورية لإبراز قوام المرأة، إذ كان ينظر إلى الجسد على أنه خطيئة، فكانت النساء يرتدين ملابس تغطي الجسم بالكامل من الرأس إلى أخمص القدمين، حيث كن يفضلن الراحة على شكل الجسم.
قفص معدني
وكان للإسبان الأقوياء تأثير كبير في الموضة الأوروبية في القرن الـ15، إذ ارتدى الرجال والنساء على حد سواء المشدات للحصول على قوام ممشوق ووقفة منتصبة وقورة. وفي القرن التالي طور الإيطاليون المشدات، فأضافوا دعامة أسفل رباط المشد لمظهر أكثر انسيابية، ثم أضافوا قفصاً معدنياً مفصلياً لمزيد من الصلابة. وفي وقت لاحق من القرن الـ16، روجت كاترين دي ميديشي لمشد ذي إطار فولاذي أكثر مرونة، حافظ على خصائص المشد في تسطيح الصدر وتضييق الخصر مع تقليل الشعور بعدم الراحة إلى حد ما.
في منتصف القرن الـ17، تبنى الفرنسيون فكرة الكورسيه وطوروها بصورة كبيرة، وسرعان ما أصبح شائعاً بين الجميع تقريباً، حتى الأطفال الذين يتعلمون المشي. وبدلاً من السعي إلى تسطيح الصدر كما كانت الموضة الإسبانية والإيطالية، استخدم الفرنسيون الكورسيه لرفع الصدر، مما أدى إلى مظهر أنيق وجذاب لمنطقة الصدر. وتم تقوية مادة الكورسيه باستخدام معجون خاص، وتم تحسين دعامة الصدر لتصبح عبارة عن شريحة قابلة للإزالة مصنوعة عادة من العاج أو الفضة أو الخشب أو عظم الحوت.
التحرر من المشدات
لم يقطع رواج المشدات في فرنسا سوى الثورة الفرنسية، التي امتدت فكرتها عن الحرية لتشمل تحرير الناس من المشدات. ولفترة من الزمن، فضلت السيدات الفرنسيات الفساتين الفضفاضة ذات الخصر العالي، التي تذكر بالأردية المنسدلة في اليونان وروما القديمتين. ولكن بحلول القرن الـ19، عاد الفرنسيون إلى ارتداء المشدات مجدداً ليصبحوا على خطى بقية أوروبا والولايات المتحدة، حيث لم تغب المشدات عن الموضة قط.
وعلى رغم تغير أنماط الملابس وتطورها، ظلت المشدات حاضرة، داعمة للأزياء المتغيرة، فبدأت المشدات الرجالية بالاختفاء تدريجاً، مع أن الرجال الأنيقين في أوائل القرن الـ19 كانوا يرتدون بدلات مصممة خصيصاً لتمنح أجسامهم شكل الساعة الرملية من دون عناء ارتداء مشد تحتها.
أما بالنسبة إلى النساء فقد كان التحرر من قيود المشدات لا يزال بعيد المنال، وكان ارتداء المشدات شائعاً خلال العصر الفيكتوري (1837-1901). وبحلول نهاية القرن، وعلى رغم التخلي عن مظهر "الخصر النحيل" الذي كان سائداً في السابق، استمرت النساء في ارتداء مشدات أحدث مصممة لمنحهن قواماً رشيقاً وخصراً طويلاً، وذلك تحت أزياء التسعينيات ذات الخطوط المستقيمة وأزياء "فتاة جيبسون". ومع ذلك، كان الحصول على خصر أنحف هدفاً دائماً، فكانت النساء يقمن بربط مشداتهن بإحكام متزايد، وأحياناً على حساب صحتهن، في محاولة للوصول إلى مقاس خصر أقل بكثير من 20 بوصة والحفاظ عليه.
وقد انتشرت موضة الكورسيه أيضاً بفضل المشاهير والمؤثرين ووسائل التواصل الاجتماعي، فكيم كارداشيان، على سبيل المثال، معروفة بارتدائها الكورسيه في المناسبات الرسمية والنزهات غير الرسمية على حد سواء.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.net/index.php?d=200&id=206926